خلال الأسابيع القليلة الماضية، تصاعد اهتمام وسائل الإعلام الغربية بالتطورات السياسية في مصر بصورة لافتة. فقد نشرت كبريات الصحف اليومية الأميركية والأوروبية افتتاحيات ومقالات رأي ومعالجات إخبارية تناولت عودة الدكتور محمد البرادعي، وتأسيس الجمعية الوطنية للتغيير، والتداعيات المحتملة للحظة الحراك السياسي الراهنة على الانتخابات البرلمانية في 2010 والرئاسية في 2011. أفردت أيضا بعض وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، خاصة تلك الناطقة باللغة الإنكليزية، مساحة زمنية معتبرة لمناقشة الأوضاع المصرية في مقابلات مع سياسيين ومتخصصين وكذلك في حلقات نقاشية. وفي ما يلي بعض الملاحظات والاستنتاجات من واقع متابعة "النقاش حول مصر" في الإعلام الغربي:
– جاء تصاعد اهتمام الإعلام الغربي بمصر في لحظة إقليمية حفلت بأحداث ذات صلة مباشرة بالمصالح الغربية كالانتخابات العراقية، واستمر فيها التنازع حول قضايا الصراع العربي-الإسرائيلي والملفات العالقة بين إيران والغرب. والحقيقة أن مزاحمة مقالات الرأي والحلقات النقاشية حول مصر في خريطة الإعلام الغربي، تحليل الانتخابات العراقية وحصادها المحتمل والتعليقات على مستقبل الصراع مع إيران، وعلى الرغم من أن مجمل ما مررنا به في مصر خلال الأسابيع الماضية، وبغض النظر عن كثافة نقاشنا المحلي حوله، لم يتجاوز بدايات حراك سياسي سلمي وشواهد التجاذب المعتاد بين الحكومة والمعارضة ولم يرتب بعد تغيرات فعلية، إنما تدلل بوضوح على الموقع المركزي الذي تشغله مصر بين أولويات صنّاع القرار والرأي العام في الغرب حين ينظرون إلى الشرق الأوسط.
– أحسب أن اهتمام الإعلام الغربي بالتطورات السياسية في مصر لا يرتبط فقط بسياسة القاهرة الإقليمية القريبة في مرتكزاتها الإستراتيجية من السياسات الغربية في الشرق الأوسط، وهو الأمر الذي أنتج دوما تفضيلا غربيا مبدئيا لاستمرار الأوضاع الداخلية المصرية على ما هي عليه، ودفع إلى التخوف السريع من احتمالية تغيرات داخلية قد تؤثر على تحديد أولويات مصر الإقليمية بصورة تباعد بينها وبين الغرب. فالثابت هو أن العواصم الغربية، أو بعضها على الأقل، ترغب منذ أعوام في رؤية مصر كدولة شرق أوسطية كبرى وذات نفوذ في محيطها العربي تتحول نحو المزيد من المنافسة الانتخابية والتعددية في الحياة السياسية ومن ثم لا تمانع في اتساع مساحات فعل المعارضة الحزبية وغير الحزبية، طالما التزمت هذه بالطابع السلمي ولم تقتصر في مكوناتها الفاعلة على الحركة الإسلامية. من هنا تأتي جاذبية مشهد الحراك السياسي الراهن للإعلام الغربي، فالمشهد يتصدره الدكتور البرادعي المعروف بليبراليته وتلتف حوله في الجمعية الوطنية للتغيير قوى للمعارضة لا يغلب عليها التوجه الإسلامي. مجددا أؤكد أن ذلك لا يعني أن الغرب يريد تحولا ديموقراطيا في مصر قد يرتب تداولا للسلطة بين نظام الحكم والمعارضة، فالرئيس مبارك يبقى الحليف الموثوق به والمعروفة توجهاته الإقليمية للغرب. بل الأرجح هو أن الغرب لا يمانع في أن تكتسب الحياة السياسية المصرية وجها أكثر تنافسية وتعددية، دون أن يستتبع مثل هذا التطور بالضرورة تغييرا لنظام الحكم أو تداولا للسلطة.
– والحقيقة أن تفضيل الحكومات الغربية هذا للمزيد من المنافسة والتعددية في السياسة المصرية دون ديموقراطية كاملة وجد ترجمة واضحة له في الكثير من افتتاحيات الصحف الغربية ومقالات الرأي وحلقات النقاش التلفزيونية التي تناولت عودة ودور الدكتور البرادعي (ومتابعتي هنا اقتصرت على وسائل الإعلام الناطقة باللغة الإنكليزية والألمانية). فالبعض رأى في البرادعي سياسيا قادرا على تفعيل المعارضة غير الدينية وغير الحزبية وتوظيفها لإنتاج ضغوط شعبية على نظام الحكم بهدف إدخال إصلاحات دستورية وسياسية تضمن قدرا أكبر من المنافسة في الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة إذا ما قورنتا بانتخابات 2005. البعض الآخر شدد على أن التداعيات الإيجابية للبرادعي وللحراك المعارض الذي يتزعمه ليس لها أن تدفع مصر نحو تداول للسلطة خارج سياقات نظام الحكم في ظل سيطرة الأجهزة الأمنية على مفاصل المجتمع والسياسة وتماسك نخبة الحكم ومحدودية صراعات المصالح بين أجنحتها المدنية والعسكرية. كذلك شددت مجموعة من الأقلام والأصوات على أن المعارضة المصرية، حزبية وغير حزبية، لا تملك بعد برنامجا واضحا لإدارة الشؤون الداخلية والخارجية، بل تتردد على هوامشها أصداء مواقف "فوضوية" و"معادية للغرب" تهدد مصالحه ومصالح حلفائه في الشرق الأوسط. هذه المجموعة الأخيرة من الأقلام والأصوات، ومع أن بعضها عبر عن تعاطفه مع ظاهرة البرادعي والآمال المعقودة عليه من قبل نشطاء المعارضة غير الحزبية، طالبت الحكومات الغربية بتأييد استمرار احتفاظ الرئيس مبارك بالسلطة مع مناشدته بقبول درجة أعلى من المنافسة السياسية واحترام حقوق الإنسان وشيء من الفاعلية في مكافحة الفساد واستغلال النفوذ.
– وفي تحول مشابه للخط الراهن للنقاش العام في مصر، تراجعت في الإعلام الغربي أسهم سيناريو توريث السلطة من الرئيس مبارك إلى نجله جمال في حين راجت التوقعات المرجحة لترشح الرئيس مبارك لفترة سادسة في 2011. هنا أشار الإعلام الغربي في معرض تفسير صعوبة وصول جمال إلى الرئاسة إلى الأسباب ذاتها التي يعول عليها مستبعدو سيناريو التوريث المصريين: محدودية القبول الشعبي لجمال، تحفظ المؤسسة العسكرية، تفضيل حلفاء مصر الإقليميين والدوليين لاستمرار الرئيس مبارك لفترة سادسة نظرا الى دقة أوضاع الشرق الأوسط.
– عبر عدد محدود من أقلام وأصوات الصحافة والإعلام الغربي، كالبريطاني روبرت فيسك من منطلق يساري (مراسل الشرق الأوسط لـ"الإندبندنت" والأميركي جاكسون ديل بقراءة يمينية (كاتب في "الواشنطن بوست")، عن انحياز كامل للمعارضة المصرية ولأمل التحول الديموقراطي. وفي حين لم يرَ فيسك في نظام حكم الرئيس مبارك سوى آلة فاسدة وقمعية تفتقد للشرعية ويرغب غالبية المصريين في التخلص منها، فإن ديل صاغ نقدا لاذعا لسلطوية النظام وقمعه المستمر للمعارضين وطالب الولايات المتحدة إما بالضغط عليه لإدخال إصلاحات حقيقية أو بتأييد أحزاب وحركات المعارضة الديموقراطية والبحث عن بدائل من مبارك.
– لن يتراجع اهتمام الإعلام الغربي بمصر خلال الفترة المقبلة، فحراك اليوم مرشح للاستمرار وانتخابات مجلس الشورى على الأبواب متبوعة بانتخابات مجلس الشعب في خريف العام الحالي ثم الرئاسية في العام المقبل. بل الأرجح هو أن تشرع الحكومات الغربية في صوغ مواقف علنية من أجندة مصر السياسية وتنشط ديبلوماسيتها في مناشدة النظام إدارة عمليات انتخاب نزيهة والسماح لمراقبين دوليين بالمشاركة، وهو ما سيرتب قطعا موجة جديدة من الكتابات الصحافية والنقاشات التلفزيونية حول مصر في الغرب.
ملاحظة أخيرة: يبهرني رقي الوعي العام والثقافة السياسية لعموم الشعب المصري. فعلى الرغم من الاختلاف الحاد (والمشروع) حول توجهات وسياسات النظام، إلا أن معظم قيادات وأقلام المعارضة تسامت عن استغلال رحلة الرئيس مبارك العلاجية لأهداف سياسية. وهي في هذا عبرت عن إجماع شعبي رائع وأصيل يحترم قدسية المرض ويدعو اليوم للرئيس بالشفاء.
"النهار"




















