المفاجأة الأكبر في الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة هي حصول فلسطينيي الداخل على أكبر عدد لهم في أية انتخابات للكنيست الإسرائيلي، منذ قيام دولة إسرائيل، وهو تسعة عشر مقعدا من أصل مئة وعشرين مقعدا. صحيح أن ذلك يعني صعوبة تشكيل حكومة إسرائيلية من دونهم، ولكن تداعيات هذه النتيجة تفوق بكثير تشكيلة الحكومة الإسرائيلية القادمة. لقد دخل نضال فلسطينيي الداخل مرحلة جديدة يجعل التمييز ضدهم من قبل المجتمع الإسرائيلي اليهودي أكثر صعوبة، كما يوجّه ضربة قاصمة للحلم الصهيوني بإقامة دولة يهودية لا تعترف بحق المواطنة الكاملة فيها إلا لليهود.
كان عدد الفلسطينيين الذين بقوا على أرضهم لدى قيام دولة إسرائيل مئة وخمسين ألفاً، هجر الباقي منهم، أو حوالي سبعمئة وخمسين ألفاً، خارج أراضيهم.
أما عدد اليهود انذاك، الذين أتى معظمهم من الخارج فكان ستمئة وخمسين ألفاً.
نشهد اليوم بداية وعي جديد، صغير ولكنه مرشح للتعاظم المستمر مع مرور الوقت، مفاده أنه لم يعد بالإمكان تجاهل المارد الفلسطيني الذي خرج من قمقمه
كان من السهل حينذاك التعامل مع الفلسطينيين الذين بقوا على أرضهم بتمييز عنصري واضح تجاهله العالم كله. وعلى الرغم من السماح التدريجي للفلسطينيين بالتصويت للانتخابات ضمن قيود صارمة في البداية، تضمنت التصويت للأحزاب الصهيونية فقط، فقد شاء العديد من المجتمع الفلسطيني حتى اليوم عدم التصويت، باعتبار أن ذلك يشرعن الدولة الإسرائيلية التي تعاملهم بتمييز واضح.
تبعا لذلك، كانت نسبة التصويت لدى فلسطينيي الداخل تقل تاريخيا عن مثيلتها اليهودية بعشر نقاط مئوية، أو أكثر، ما حرم المجتمع الفلسطيني من تمثيل عادل يعكس حجمه الطبيعي داخل دولة إسرائيل.
لكن المعادلة الديمغرافية والسياسية تغيرت كثيرا. أصبح عدد الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية حوالي المليونيين، أو واحد وعشرين في المئة تقريبا من المجتمع الإسرائيلي. وقد أدى تدني تمثيل المجتمع الفلسطيني مضافا إليه التطرف المتزايد للمجتمع الإسرائيلي إلى سياسات عنصرية متزايدة ضد الفلسطينيين، وإلى عدم تخصيص موازنات عادلة لمدنهم وقراهم، وإلى السماح بالجرائم في المجتمع الفلسطيني بالتفشي من دون معالجة. كما أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة والآخذة بالتطرف القومي والديني ضدهم، بدأت بالحديث عن تهجيرهم، إضافة إلى محاولات تهجير الفلسطينيين تحت الاحتلال. كل ذلك أدى إلى مراجعة جذرية لمواقف العديد منهم المعارضة للمشاركة في الانتخابات.
لقد أصبح التطرف الإسرائيلي اليهودي يشكل تهديدا وجوديا لأصحاب الأرض، ما أدى لشعور متعاظم بأن الواجب يقتضي إيقاف هذه السياسة الإسرائيلية العنصرية عن طريق تشكيل أكبر كتلة عربية ممكنة داخل الكنيست، وبغض النظر عن كل التحفظات السابقة ضد هذه المشاركة. يفسر ذلك زيادة نسبة المشاركة الفلسطينية لتصل او تفوق مثيلتها اليهودية.
هذا هو الاستخلاص الأهم من الانتخابات الاسرائيلية. فبغض النظر عمن سيشكل الحكومة الإسرائيلية القادمة، وباعتبار أن كلا من نتنياهو وآيزنكوت غير راغبين في أية تسوية سياسية للقضية الفلسطينية، فإننا نشهد اليوم بداية وعي جديد، صغير اليوم ولكنه مرشح للتعاظم المستمر مع مرور الوقت، مفاده انه لم يعد بالإمكان تجاهل المارد الفلسطيني الذي خرج من قمقمه، ليس هذا فحسب، بل إن هذا الوعي سيؤدي إلى نتيجة واضحة بان التمييز العنصري ضد الفلسطينيين داخل الدولة الإسرائيلية لا يمكن الاستمرار فيه بمثل السهولة السابقة، وأنه أصبح يجابه بمعارضة داخلية قوية إضافة إلى المعارضة الخارجية المتزايدة..
كتب زعيم حزب الديمقراطيين الجديد الإسرائيلي يائير غولان، وهو الناتج عن اندماج حزبي العمل وميرتس، مقالا في صحيفة هارتس قال فيه ان اسرائيل تواجه اليوم نهاية حقبة، وان المواطنة لا يمكن لها ان تكون مشروطة، وان الصوت الذي يدلو فيه مواطن عربي في سخنين له نفس قوة الصوت الذي يدلو فيه مواطن يهودي في تل ابيب. لهذا الحزب اليوم ثمانية مقاعد في الكنيست فقط، لكنها البداية. فهم غولان الموقف مبكرا، ان القوة العربية لا يمكن تجاهلها بعد اليوم.
نصل إلى الاستنتاج الأكبر. ان الحلم الصهيوني بإقامة دولة يهودية خالصة تتجاهل اصحاب الأرض ولا تعترف بحقوقهم السياسية وتربط حق تقرير المصير لليهود وحدهم، كل ذلك في طريقه إلى زوال. لقد أثبت فلسطينيو الداخل أنهم الأقدر على إنهاء هذا الحلم الصهيوني، وأن صمودهم على أرضهم، رغم كل سياسات التمييز والتنكيل الإسرائيلي ضدهم، ورغم اتهامهم بالتخوين من قبل الدول العربية التي رأت في بقائهم على الأرض ومشاركتهم في الانتخابات خيانة، هو من يقوم اليوم بتقويض الحلم الصهيوني. من الأهمية أن يعي المجتمع الفلسطيني في الداخل هذا، وأعتقد أن هذا الوعي موجود، وأن يؤدي اكتشافهم لقوّتهم الدفينة في استدامة هذه المشاركة الانتخابية في المستقبل، ليس فقط لإيقاف التمييز ضدهم، ولكن أيضا لتحقيق المساواة الكاملة في حقوقهم ودفن مفهوم يهودية الدولة العنصري إلى الأبد.
وزير خارجية الأردن الأسبق
- القدس العربي






















