لم تُنهِ الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة معركة السلطة، بل نقلتها من صناديق الاقتراع إلى مفاوضات تشكيل الحكومة. فالنتائج التي أفرزتها لم تمنح بنيامين نتنياهو ولا خصومه الأكثرية البرلمانية اللازمة للحكم، ووضعت إسرائيل أمام مشهد سياسي مفتوح على احتمالات متعددة، قد يكون أبرزها وصول غادي آيزنكوت إلى رئاسة الحكومة، في تحوّل لا تقتصر دلالاته على تبديل رئيس الوزراء، بل قد تمتد إلى إعادة تركيب التحالفات السياسية التي حكمت إسرائيل خلال السنوات الماضية.
وفق النتائج الأولية شبه النهائية، حصل معسكر نتنياهو على 53 مقعداً، مقابل 48 مقعداً للمعسكر الذي يقوده آيزنكوت، فيما حصدت الأحزاب العربية 19 مقعداً. وبذلك أصبح كلا المعسكرين عاجزاً عن بلوغ عتبة الـ61 نائباً اللازمة لتشكيل حكومة تحظى بثقة الكنيست.
هذه الأرقام تضع الأحزاب العربية في موقع بيضة القبان، وتجعل أصوات نوابها عاملاً حاسماً في تحديد هوية الحكومة المقبلة.
يروي نبيل معروف (عبد المحسن)، في كتابه الحديث الولادة، “من مخيم تل الزعتر إلى أروقة الأمم المتحدة”، وهو الذي كان السفير السابق لمنظمة التحرير الفلسطينية ودولة فلسطين في كل من إسبانيا وتركيا وأخيراً كندا، قصة نزوحهم من قريته “دير القاسي”، إحدى قرى قضاء عكا، والتي لم تكن تبعد عن بلدة رميش اللبنانية سوى خمسة كيلومترات فقط. يقول نبيل معروف إن قريتهم لم تتعرض لهجوم العصابات الصهيونية، لكن إخلاءها ونزوحهم إلى رميش كانا بسبب طلب جيش الإنقاذ، بقيادة فوزي القاوقجي، تركهم لقراهم والانتقال إلى بلدة رميش. يضيف نبيل معروف أن القرى الدرزية والمسيحية حاولت إقناع والد نبيل وعمه بالبقاء في بيوتهم وعدم الرحيل، لكن خوفهما من تهمة الخيانة ورفض توجيهات جيش الإنقاذ دعاهما إلى ترك “دير القاسي” وإفراغها من سكانها! كان من لا يصدق أن جيش الإنقاذ سيدخل مع الجيوش العربية إلى كل فلسطين، ويهزم العصابات الصهيونية، يُصنَّف في خانة الخيانة، ويوضح نبيل معروف أن والده وأعمامه قد تركوا قريتهم خوفاً وتجنباً لتصنيفهم مع الخونة.
الخونة العملاء، بمنظور وطنية المناضلين سنة 1949، الذين بقوا فيما عُرف لاحقاً بدولة إسرائيل، ولم يغادروا بيوتهم وقراهم، بلغت أعدادهم 160 ألف نسمة، وعُرفوا لاحقاً بعرب إسرائيل أو فلسطينيي الخط الأخضر، ومنهم خرج محمود درويش وسميح القاسم وإميل حبيبي وعزمي بشارة وأحمد الطيبي ويوسف جبارين وغيرهم.
خلال مفاوضات الوصول إلى اتفاقيات أوسلو، اعترف إسحاق رابين لياسر عرفات أن الخطيئة الكبرى التي ارتكبتها الأحزاب الصهيونية سنة 1948 كانت السماح ببقاء هذا العدد من السكان الأصليين.
الخونة هؤلاء باتوا يشكلون اليوم نسبة ربع مواطني الدولة العبرية، ونسبتهم في ازدياد مضطرد؛ وبات حضورهم السياسي والاقتصادي وفاعلياتهم المهنية والأكاديمية مؤثرة ووازنة في الحياة العامة في قلب الكيان.
يطرح هذا الحضور سلسلة مفارقات وأسئلة حرجة راهنة ومستقبلية على طبيعة دولة إسرائيل وعلى مستقبل تعايشها مع جيرانها الأقربين والأبعدين.
والمفارقة الأولى سياسية لافتة: فالقوى الإسرائيلية التي طالما سعت إلى تحييد المواطنين العرب وتقليص دورهم السياسي، باتت تحتاج إلى أصوات ممثليهم البرلمانيين للخروج من المأزق الذي أفرزته الانتخابات.
لكن الطريق أمام آيزنكوت ليست معبّدة، فهو يقود ائتلافاً يضم قوى سياسية متباينة، بعضها يرفض بصورة قاطعة تشكيل حكومة تعتمد على الأحزاب العربية، وبعضها الآخر يرى أن إسقاط نتنياهو يقتضي تجاوز هذا المحظور السياسي. كما أن تصريحات آيزنكوت السابقة وضعت شروطاً سياسية وأيديولوجية أمام مشاركة الأحزاب العربية في حكومته، الأمر الذي يجعل التفاهم معها أكثر تعقيداً من مجرد جمع الأصوات.
لكن المفارقة الأشد خطورة تتعلق بتعريف دولة إسرائيل لنفسها كدولة يهودية ديمقراطية، فكيف تكون يهودية إذا كان ربع سكانها اليوم ليسوا يهوداً، ونسبة هؤلاء تزداد سنة بعد أخرى؟!
وإذا كانت الأحزاب اليهودية تصر على مقاطعة الكتل النيابية العربية وعزلها، فكيف تكون الدولة ديمقراطية؟ إذا كان النظام يميّز بين ما هو يهودي وغير يهودي، فسينتج عن ذلك نظام فصل عنصري: أبارتهايد.
وإذا كانت القوى السياسية اليهودية داخل إسرائيل غير قادرة على تطبيع علاقاتها مع أحزاب عربية تخضع لسيطرة الدولة العبرية، فكيف يمكن لها أن تُطبِّع علاقاتها مع الشعوب العربية الأخرى في دولها؟
ويظهر أن ميزان القوى الحالي يمنع وصول نتنياهو؛ لكنه لا يفتح الطريق لوصول آيزنكوت بسبب عدم حصوله على أكثرية يهودية، وتردده في قبول أكثرية نيابية تستند إلى الأحزاب العربية، ولذلك تشهد الساحة السياسية الإسرائيلية هندسات سياسية لإعادة رسم الانقسام السياسي وتوزيع القوى والكتل النيابية.
أولى الهندسات مع الرئيس الأميركي ترامب، الذي يقترح حكومة وحدة وطنية تنقذ نتنياهو.
أما الهندسة الثانية فتقضي باستقطاب الحريديم إلى خارج صف نتنياهو، وذلك بقيام إحدى القوائم العربية (المشتركة) بترشيح زعيم تيار أغودات يسرائيل، السيد يتسحاق غولد كنوبف، إلى رئاسة الحكومة أو نيابة رئاستها مع آيزنكوت.
المعضلة الحريدية والتحالفات الجديدة
إلى جانب العامل العربي، تبرز إمكانية حدوث تحوّل في موقف الأحزاب الحريدية الأشكنازية، ولا سيما تيار أغودات يسرائيل، الذي قد يجد في إطاحة نتنياهو فرصة لإعادة التفاوض على موقعه وشروط مشاركته في السلطة.
فالأحزاب الدينية الحريدية ليست كتلة سياسية متجانسة في جميع حساباتها، وإن جمعتها مصالح مشتركة تتصل بالإعفاء من الخدمة العسكرية، والتمويل الحكومي للمؤسسات الدينية، والحفاظ على استقلالية نظامها التعليمي والاجتماعي. وقد تدفعها حسابات المصالح إلى إعادة النظر في تحالفاتها إذا وجدت أن نتنياهو لم يعد قادراً على ضمان مطالبها.
غير أن هذه الاحتمالات تصطدم بموقف آيزنكوت الداعي إلى تعميم الخدمة العسكرية، وإنهاء الامتيازات الاستثنائية التي يتمتع بها الحريديم في هذا المجال. ومن هنا، فإن أي تقارب بينه وبين القوى الحريدية الأشكنازية سيحتاج إلى تسوية سياسية صعبة، لا إلى مجرد تفاهم انتخابي عابر.
هل تنضم أصوات من داخل الليكود إلى المعسكر الجديد؟
ثمة مسار آخر قد يكون أكثر تأثيراً في حسابات تشكيل الحكومة، يتمثل في احتمال انشقاق نواب من داخل الليكود أو من القوى المحسوبة على معسكر نتنياهو، إذا اقتنعوا بأن استمرار ارتباط مستقبلهم السياسي برئيس الحكومة الحالي أصبح عبئاً انتخابياً وشخصياً.
فالمسألة لا تتعلق فقط بالخلاف حول السياسات، بل أيضاً بمستقبل القيادة اليمينية نفسها، وبإمكان إعادة بناء اليمين الإسرائيلي من دون نتنياهو. وإذا تلاقت مصالح بعض النواب مع رغبة آيزنكوت في تشكيل حكومة جديدة، فقد يصبح الانتقال من معسكر إلى آخر ممكناً، بما يخفف من اعتماد الحكومة الجديدة على الأصوات العربية أو الحريدية.
لكن هذه الفرضية تظل رهناً بمواقف فعلية وانشقاقات معلنة، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها أمراً تحقق بالفعل.
- المدن






















