في 8 كانون أول/ ديسمبر الماضي أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي الساعي لانفصال جنوب اليمن سيطرته على مناطق واسعة في جنوب البلاد، بما في ذلك مدينة عدن الساحلية.
كرّس ما حصل واقعا جديدا يتمثل في انقسام فعلي للبلاد بين شمال خاضع للحوثيين المدعومين من إيران، وجنوب تديره سلطة سياسية وعسكرية منفصلة، وعدّ انقلابا داخل «التحالف العربي» للقوات التي تدعمها الإمارات على الحكومة الشرعية المدعومة من السعودية والمعترف بها عمليا منذ 10 سنوات.
لم تقاوم قوات الحكومة، عمليّا، الهجوم، بل إن قيادة المنطقة العسكرية الثانية، أعلنت تأييدها له، وفعل مثل ذلك وزراء محسوبون بشكل واضح على «الانتقالي»، وآخرون كوزراء الاتصالات، والتخطيط، والإدارة المحلية، والعدل، والأوقاف، والشباب والرياضة، والصحة العامة، تأييدها ليس لهجوم «الانتقالي» فحسب بل كذلك للإجراءات السياسية اللاحقة لإعلان انفصاله عبر «دولة الجنوب العربي».
في يوم 26 من الشهر نفسه، أعلن رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، الاعتراف الرسمي بجمهورية أرض الصومال كدولة مستقلة وذات سيادة، فسارعت السعودية إلى الرفض، وكذلك فعلت مصر وتركيا والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.
بعد 5 أيام من الخطوة الإسرائيلية تحرّكت الطائرات المقاتلة السعودية صباحا لتقصف شحنات أسلحة قادمة من إمارة الفجيرة في دولة الإمارات، في ضربة كبيرة أخرجت الميناء بشكل تام عن الخدمة، وأدى إنذار الرياض لأبو ظبي إلى إعلان الأخيرة الانسحاب من اليمن، بالتزامن مع إعلان الرئيس اليمني رشاد العليمي حالة طوارئ يشمل «فرض حظر جوي وبحري وبري على كل الموانئ والمنافذ».
يشير تدرّج الأحداث، وسياقها المنطقي، إلى أن الرياض، التي خبرت الآثار السيئة للخلافات الحادة داخل مجلس التعاون الخليجي، أثناء الأزمة الشهيرة عام 2017، كانت تؤجّل، إلى أقصى حد ممكن، احتمالات الصراع المباشر مع الإمارات، ولكن الأمور انتقلت من أخطار الصراع داخل اليمن نفسه إلى خطر على أمنها القوميّ، وهو مثّله تلازم حدثي اعتراف إسرائيل بأرض الصومال، بعد انقلاب «الانتقالي»، وهو ما أدى إلى حسم السعودية قرارها، خلال أيام، وانخراطها، بشكل عسكريّ حاسم، في القتال داخل اليمن.
بعد ضربة ميناء المكلا، والبدء بإجراءات الحصار على اليمن، أعلنت السعودية، أمس الجمعة، استكمال انتشار قواتها البحرية في بحر العرب، وهي خطوة تتجاوز، على ما يبدو، إجراء عمليات التفتيش ومكافحة التهريب، كما ذكر المتحدث باسم «تحالف دعم الشرعية في اليمن»، فالخطوة تمثّل أيضا إعلان قوة وسيادة سعودية على المنطقة البحرية المحيطة باليمن، والدول والمناطق المجاورة، بما في ذلك أرض الصومال.
إضافة إلى السعودية التي تتحسّب بإجراءاتها الآنفة لاحتمالات التعاون «الإبراهيمية» في «أرض الصومال»، فهناك دول أخرى تشترك في رسم توازنات المنطقة، بما في ذلك مصر الموجودة في الصومال عبر بعثة «أوسوم»، والتي تخطط لنشر ما يصل إلى عشرة آلاف جندي، والموجودة أيضا في ميناءي عصب الإريتري ودوراليه الجيبوتي، وهي خطوات تستهدف الاقتراب من العمق الإثيوبي، وهناك تركيا التي تتواجد في قاعدة تركسوم في الصومال، والتي تعمل على إنشاء ميناء هناك لاختبار الصواريخ الباليستية البعيدة المدى، وهناك تواجد لعدة دول في جيبوتي، لأمريكا والصين وفرنسا.
يشير ما جرى، بطرق عديدة، إلى أن ترادف المخلب الإسرائيلي في البحر الأحمر، الذي تم وضع أساس له عبر الاعتراف بأرض الصومال كدولة، مع هجمات «الانتقالي»، الذي يعلن صراحة رغبته، للانضمام إلى مسيرة التطبيع حالما يستكمل إعلان دولته المفترضة، أدى لقلب الموازين وإطلاق العمليات الحربية السعودية، مجددا، في اليمن.
- القدس العربي


























