دعوات الانفصال والفيدرالية في سورية مجرّد صراخ في برية سيتبدّد من تلقاء ذاته. ومهما ارتفعت وتيرتها لا تمتلك مقوّمات التحوّل إلى مشاريع قابلة للحياة، لأن المسألة ليست أمنياتٍ تتحقّق بمجرّد أن يحلم بها أصحابها، ولا متخيّلات عن الذات تصبح حقائق، لأن الذين يطرحونها قادرون على تحويلها إلى مظلومية سياسية، وشعارات رنّانة تحظى بالتفاف في المظاهرات، ووسائل التواصل، في حين أنها قد تنزلق عن هدفها المباشر إلى تأجيج حروبٍ أهلية لا تنتهي، خصوصاً أن الذين يطرحونها يستقوون بإسرائيل على الأكثرية من السوريين التي ترفضها، وعلى استعداد للقتال ضدّ تنفيذها.
لا يريد دعاة التقسيم قراءة الأوضاع داخل البلد، وفي محيطه الإقليمي، وعلى الصعيد الدولي، وليست لديهم معرفة بالتاريخ، ويتخيّلون أنهم يمتلكون القوة التي بوسعها تغيير حال سورية، وتجزئتها إلى دويلاتٍ تلبّي أحلامهم وتناسب طموحاتهم. وهم بذلك يقفون في الضفة الأخرى من الشعب السوري، صاحب المصلحة في التحوّل الجديد الذي بدأ في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، حين سقط حكم عائلة الأسد واستعاد السوريون بلدهم.
يغيب عن هؤلاء أن عودة الزمن إلى الوراء غير ممكنة، وتكاليفها عالية جدّاً، ومن مصلحة الجميع تجاوز دعوات التقسيم وتوجيه النظر إلى الأمام من خلال التوافق على توحيد البلد، والشروع في إعادة إعمار ما تهدّم منه بسبب الحرب الإجرامية التي شنّها نظام بشّار الأسد ضدّ الشعب السوري. وفي حال صفت النيات، ونُزعت الألغام الإسرائيلية، فإن اللامركزية الإدارية تبدو حلّاً مناسباً للجميع.
يظنّ هؤلاء أن مشاريعهم التي تهدف إلى ضرب وحدة الكيان السوري يمكن أن يُكتب لها النجاح. ورغم أن بعضهم جرّب ذلك ولم يتمكّن، فإنه لا يزال يكابر ولا يتّعظ بالدروس التي أكّدت بطلان نموذجه، لأنه قام على أساسات رخوة. وينطبق هذا التوصيف على مشروع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحكم الجزيرة السورية منذ نحو عشرة أعوام؛ وقد استغلّت ثرواتها النفطية والزراعية، وسخّرت قسماً منها في تمكين ذاتها، ونقلت القسم الباقي خارج الحدود. ويشهد الوضع الراهن في محافظات الجزيرة الثلاث: الرقة، ودير الزور، والحسكة، على تهافت تجربة ما تُسمّى الإدارة الذاتية؛ فهي لم توظّف عائدات موارد المنطقة من أجل التنمية وتوفير الخدمات وتطوير البنى التحتية. وتفتقر المنطقة (ثلث مساحة سورية) إلى المشافي والمدارس والماء الصالح للشرب والكهرباء، وتعيش أغلبية أهلها تحت خطّ الفقر. وبالإضافة إلى ذلك، لم ينجح هذا الجسم العسكري الغريب العابر للحدود في أن يبني علاقةً صحيةً مع أهل المنطقة، الذين ينظرون إليه على أنه قوة احتلال أجنبي ويطالبون برحيله، لا مكافأته ودمجه في أجهزة الدولة الجديدة؛ ذلك أنه تابع لحزب العمال الكردستاني التركي، ويُدار من جبال قنديل من قيادة الحزب المُشكَّلة من أكراد أتراك لا يهمهم استقرار سورية ووحدتها ومستقبل شعبها.
ينسحب الأمر نفسه على الشيخ حكمت الهجري في السويداء، الذي لجأ إلى التوراة كي يعلن دولته المستقلّة عن سورية، وتوّجها بمظاهرات ترفع صوره في المحافظة إلى جانب صور مجرم الحرب، صاحب حرب الإبادة في فلسطين، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في ظلّ العَلم الإسرائيلي. وبات قادة ما يُسمّى “الحرس الوطني” التابع له يباهون في وسائل الإعلام بالدعم الذي يتلقّونه من إسرائيل. أمّا أصحاب دعوات الانفصال في الساحل، فإن أقصى ما يبشّرون السوريين به هو عودة آل الأسد إلى الحكم. وبدلاً من أن يعتذر هؤلاء لملايين السوريين الذين قتل منهم نظام الجريمة قرابة مليون، وشرّد نحو عشرة ملايين، ودمّر نصف مدنهم، فإنهم يتآمرون على البلد ويعملون على إفشال التحوّل الجديد.
- العربي الجديد



























