في ظل التدهور الاقتصادي المستمر الذي تعيشه سوريا منذ سنوات، يبقى الخبز المادة الأكثر حساسية في حياة المواطنين، ليس فقط لكونه غذاءً أساسيًا، بل لأنه مؤشر مباشر إلى مستوى الاستقرار المعيشي والأمن الغذائي.
ومع دخول العام 2026، تتزايد المخاوف الشعبية من أي تغييرات قد تطال سعر ربطة الخبز أو وزنها، خاصة في ظل تراجع الدخول وارتفاع تكاليف المعيشة.
خلال عام 2025، شهدت أسواق الخبز تفاوتًا كبيرًا بين المحافظات من حيث السعر والجودة والتوفر، نتيجة اختلاف مستويات الدعم، وتعدد الجهات المشرفة، إضافة إلى تأثيرات الجفاف وارتفاع أسعار الوقود والقمح عالميًا.
هذا الواقع جعل الخبز عبئًا يوميًا على شريحة واسعة من الأسر، خصوصًا في المناطق الخارجة عن منظومة الدعم الحكومي الكامل.
ومع استمرار الاعتماد الجزئي على المساعدات الدولية، يبرز تساؤل أساسي حول مدى قدرة هذه التدخلات على تأمين استقرار طويل الأمد، أو ما إذا كانت مجرد حلول إسعافية تؤجل الأزمة دون معالجتها جذريًا.
دعم الخبز من WFP
أكد مدير المخابز في سوريا محمد الأعرج، في تصريح إلى جريدة “المدن”، أن هناك دعمًا حاليًا من برنامج الأغذية العالمي (WFP) ومنظمات الأمم المتحدة يغطي أربع محافظات رئيسية، وهي السويداء، إدلب، درعا، ودير الزور. ويهدف هذا الدعم إلى تخفيف الأعباء في هذه المناطق المتضررة من الظروف الاقتصادية والأمنية السابقة.
أما بالنسبة لباقي المحافظات، فقد أكد الأعرج أنه سيتم الحفاظ على الرغيف التقليدي من دون تغييرات جذرية، مع التركيز على الاستقرار في التوزيع والأسعار.
وفي تفاصيل خاصة بمحافظة إدلب، أوضح الأعرج أن المطاحن والأفران العامة والخاصة ستبيع ربطة الخبز بسعر 2500 ليرة سورية، أو ما يعادل 10 ليرات تركية، لمدة ستة أسابيع ابتداءً من الأول من كانون الثاني2026.
وأشار إلى أن الربطة كانت سابقًا تباع بـ10 ليرات تركية مقابل وزن 650 غرامًا، لكن مع التعديلات المؤقتة أصبحت أصغر حجمًا، ما يعادل عمليًا نصف الكمية السابقة تقريبًا. ووصف هذا الإجراء بأنه دعم مؤقت لمواجهة التحديات الراهنة.
ويعبّر مواطنون سوريون في مناطق متعددة عن آراء متباينة تجاه هذه الإجراءات المؤقتة، مشيرين إلى أنها قد تخفف الضغط بشكل محدود وعلى المدى القصير، لكنها لا تعالج جوهر المشكلة، بل تنقل عبئها إلى المستهلك من خلال تقليص الكمية أو تفاوت الأسعار.
الدعم غير شامل ومؤقت
أحمد يسري، مواطن من إدلب، يقول لـ”المدن”: الدعم المؤقت يساعد قليلًا، لكن تقليص الوزن يعني أننا نشتري الربطة بالسعر نفسه ونحصل على كمية أقل.
وأضاف: “مع ارتفاع الأسعار عامة واعتمادنا شبه الكامل على الاستيراد، يصبح الخبز عبئًا إضافيًا على الأسرة. نحتاج حلولًا طويلة الأمد، مثل دعم الزراعة المحلية، لا إجراءات جزئية.”
من جهته، يوضح خالد الرفاعي، وهو مواطن من درعا لـ”المدن” أن الدعم في بعض الأفران جيد ويخفض السعر إلى 2400–2500 ليرة، لكن في أفران أخرى يبقى السعر 4000 ليرة أو أكثر، ما يخلق تفاوتًا غير عادل. الدعم مؤقت وغير شامل.
وأضاف: “مع ارتفاع تكاليف الوقود والطحين، نخشى عودة الأسعار للارتفاع. المطلوب توزيع عادل للدعم وحلول هيكلية حقيقية.”
ويرى خبراء اقتصاديون محليون أن هذه التدابير المؤقتة تخفي مشكلات أعمق، أبرزها ضعف الإنتاج المحلي نتيجة الجفاف وارتفاع تكاليف الطاقة، محذرين من أن الاعتماد المتزايد على المساعدات الخارجية يجعل الأمن الغذائي هشًا أمام أي تقلبات دولية أو مناخية. ومع نهاية 2025، تتزايد المخاوف من تقليص الدعم الدولي، الأمر الذي قد يفاقم انعدام الأمن الغذائي لملايين السوريين خلال العام الجديد.


























