أصبحت نتائج مؤشّرات الرأي العام أساسية في إقرار السياسات؛ فهي تتيح معرفة واسعة بمطالب الشعب في قضاياه كافة، ويفترض بالسلطات الاستعانة بها لتجنب المشكلات، ومنعاً لتعمقها وتحولها إلى أزمات تستدعي تغيير السلطة بأكملها. شمل “المؤشر العربي” الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات لهذا العام حول سورية أكثر من 500 سؤال في مختلف القضايا، وبلغ حجم العينة المستطلعة 3600 شخص من مختلف المحافظات والأديان والتفاوت الثقافي. وبالتالي، يحظى بنصيب كبير من المصداقية. وإذا كان المركز يؤكّد أن مصداقيته تصل إلى 98% لاعتماده على معايير دولية، فلنا أن نقول إنها أقل من ذلك قليلاً؛ ومع هذا، تظل هناك أرقام دالة على الاتجاه العام للرأي والوعي في سورية، ولنقرأ بعض تلك الأرقام.
يرى 74% من المستجيبين أن شمول العدالة الانتقالية يجب أن يكون لكل المتورطين في الجرائم، في حين رأت نسبة 22% أن تقتصر على المتورّطين من مسؤولي النظام القديم، علماً أن بيان تشكيل هيئة العدالة الانتقالية قصر أمر المحاكمات على المتورطين من مسؤولي النظام فقط. أيضاً، جاء “المؤشّر” على ضرورة استقلال القضاء وتوليه مسؤولية المحاسبة. واللافت أن 59% من السوريين لا يعرفون طبيعة عمل هذه الهيئة، وهو رقم صادم؛ إذ يُفترض أن تكون أغلبية السوريين منشغلة بمعرفة أعمالها، وجبر الضرر، وتخليد الذكرى، وضمان عدم تكرار الجرائم.
نالت الوطنية السورية أرقاماً عالية، وهذا يستدعي الكثير من التفكير والتأمل، لا سيما بعد ثورة وحروب ومجازر، والكثير مما يقال عن الطائفية والانقسام المجتمعي الكامل في سورية، وزعم أن لا أحد يقبل الآخر! فقد أيد 80% وجود أحزاب وتيارات وطنية، و75% تيارات قومية وعربية، و65% تيارات وأحزاب ليبرالية، ولم تتجاوز نسبة تأييد الأحزاب الإسلامية 61%. أيضاً، رفضت نسبة كبيرة بلغت 87% التشكيك في وطنية أي فرد ينتقد السلطة، علماً أن 90% يصنفون أنفسهم على أسس مذهبية ودينية وإثنية، مقابل 8% لا يصنّفون أنفسهم وفق هذا. وهذا الرقم (90%) لا يتناقض مع نسبة الـ80% المؤيدة الأحزاب الوطنية، بل يفيد بأن التنوع الديني لا يعني أبداً التناقض مع الهوية الوطنية. لنلاحظ أيضاً أن نسبة تتراوح بين 75% و78% لا تمانع وجود جيران من أديان وقوميات ومذاهب وثقافات مختلفة. ونضيف كذلك أن 95%، وهو رقم هائل، يعارضون فرض أنماط اجتماعية وثقافية ومعيشية على الآخرين، وفقط 4% أيدوا هذا! وضمن هذا السياق، يفضل 66% فصل الدين عن السياسة، مقابل 30% يفضلون الربط بينهما.
يرى نصف السوريين أن الأمور تسير في الاتجاه الصائب، بينما يرى 35% أنها تسير في الاتجاه الخاطئ
أيضاً، أفاد المؤشر بأن 74% يفضلون نظاماً ديمقراطياً يضمن التعددية السياسية، وتداول السلطة، وفصل السلطات، بينما لا تتجاوز نسبة تأييد أي من الأنظمة الأخرى 9%. ومن الجدير بالذكر أن نسبة 55% تقبل تولي حزب سياسي ما السلطة في حال حصل على الأصوات التي تؤهله لذلك في انتخابات حرّة ونزيهة، وهذا يتضمن القول إن الانتخابات قضية أساسية يقتضيها النظام الديمقراطي وبشكل منتظم، مع رفض أي شكل للسلطة لا يأتي عبر الديمقراطية أو الصندوق. الديمقراطية بذلك أصيلة في الوعي السوري، وهي استجابة لنضالات السوريين قبل الثورة وبعدها. وأرقام “المؤشّر” أعلاه تقول إن السوريين مؤهلون للتحول الديمقراطي، وليس في نهاية المرحلة الانتقالية فحسب، بل منذ لحظة وصول السلطة إلى دمشق عام 2024، وهو ما رُفض وقتها.
تشبه الأرقام أعلاه، إلى حد كبير، أرقام المؤشّر العربي لعام 2025 أيضاً، وهو ما يؤكد وجود اتجاهات ثابتة نحو الديمقراطية والوطنية و”العلمانية” لدى السوريين، وأن لديهم تصالحاً مع التنوعين، الديني والقومي، وأن كل المشكلات التي تحال إلى هذا التنوع طارئة. ويعزو “المؤشّر” أسباب التوترات المذهبية أو الدينية إلى التدخلات الخارجية بنسبة 50%، وهذا يعني أن الخمسين الأخرى تتعلق بالأسس المذهبية نفسها؛ ومع ذلك، فهي نسبة ليست بكبيرة. ووفقاً للأرقام، ليست أصيلة بل ترتبط بأحداث معينة تؤدي إلى تجييش طائفي أو قومي في لحظة فارقة كما هو الحال مع المجازر، وهي نتاج سياسات السلطة بالتحديد وليست قضايا مستقرة في الوعي. يمكن الاستنتاج هنا أن الطائفية، والأصولية، وحكم الاستبداد، هي قضايا مرفوضة، وأن أغلبية السوريين يفضلون حكماً وطنياً، ديمقراطياً، علمانياً، وبما لا يتعارض مع مذاهبهم وطوائفهم ودياناتهم وقومياتهم، ولكن من دون تسييس الأخيرة.
توضح أرقام لافتة بعض المشكلات الاقتصادية؛ إذ يؤكد 42% وجود تحديات اقتصادية مثل “البطالة، والفقر، وسوء الأوضاع المعيشية”، وأفاد 40%، وهو رقم كبير، بأن أسرهم تتلقى تحويلات مالية، سواء كانت شهرية أو غير منتظمة. ويرى 52% أن السياسة الاقتصادية لا تعبر عن آرائهم، بينما يرى 44% أنها تعبر عنها، ونتيجة لذلك، عبر 29% عن رغبتهم في الهجرة، وجدير بالذكر هنا أن 30% يؤكدون أن دخلهم لا يلبي احتياجاتهم. وفيما يخص الرعاية الصحية، يجد 55% أنها سلبية، بينما يراها 45% إيجابية. وهناك رقم لافت يتعلق بالفساد؛ حيث يحمل 88% انطباعاً بأن الفساد موجود وبدرجات متفاوتة، بينما يؤكد 9% فقط أنه غير منتشر.
جهد كبير يمكن أن تستفيد منه ليس السلطة فحسب، بل مختلف القوى السياسية والمدنية والفاعلون الاجتماعيون والثقافيون
لا تعني الأرقام أعلاه غياب مؤشرات أخرى، ولكن ما أشرت إليه يمثل الأساس العميق لشكل الوعي؛ ومع ذلك، هناك 55% يرون أن دخلهم يغطي احتياجاتهم دون أي ادخار، بينما 13% فقط يدخرون. ويشير 62% إلى أن التعليم إيجابي، بينما يراه 23% فقط سلبياً. ووجد 66% أن السياسة الخارجية تعبر عنهم، بينما خالفهم في ذلك 28%. وقيّم 58% الأداء الحكومي بأنه جيد بسبب مكافحة السرقات، ومحاربة الإرهاب، وبسط سلطة الدولة. أيضاً، يرى نصف السوريين أن الأمور تسير في الاتجاه الصائب، بينما يرى 35% أنها تسير في الاتجاه الخاطئ. ووصف 68% الوضع الأمني بأنه جيد أو جيد جداً، و63% يرون الوضع السياسي كذلك. وتبدو الأرقام في هذه الفقرة تحديداً مشيرة إلى الموقف السياسي أكثر من مناقشتها القضايا البنيوية الأساسية، كما في الفقرات السابقة.
في كل الأحوال، هذا جهد كبير يمكن أن تستفيد منه ليس السلطة فحسب، بل مختلف القوى السياسية والمدنية والفاعلون الاجتماعيون والثقافيون؛ حيث تُبدّد هذه الأرقام الكثير من التعميمات غير الصائبة، لا سيما في قضية الطائفية، أو العلاقة بين الطوائف والمذاهب والقوميات، وكذلك ما يُشاع عن وجود تفضيلات “شعبية عارمة” لنظام إسلامي مثلاً. إن علوّ صوت الفئات الأكثر طائفية يغطي على الأصوات الوطنية والديمقراطية و”العلمانية”، ويحجب أصحاب الرؤية المستنيرة من الأديان كافة، والذين يعترفون بالتنوع وفقاً للأرقام، ويرفضون ممارسة الضغوط الاجتماعية على المختلفين معهم في الدين والمذهب والقومية والثقافة. هذه هي سورية بكل بساطة، فهل تستعين السلطة وبقية القوى بمثل هذه المؤشّرات وتُعيد صياغة سياساتها وفقاً لها؟
- العربي الجديد























