من يتحدّث باسم السوريين اليوم؟ السلطة الجديدة، أم القوى السياسية، أم الأصوات المُرتفعة على وسائل التواصل الاجتماعي؟ … السؤال ضروري في بلد سقط نظامه السابق، بينما لا يزال نظامه الجديد يتشكّل، وسط إرث ثقيل من القمع والحرب والتهجير، ومخاوف على وحدة الأرض والمجتمع والسيادة، لكنّه يقود إلى سؤال أكثر أهمية: هل يمنح الانتصار على الاستبداد صاحبه الحقّ في تحديد شكل الدولة، أم أنّ شرعية الحكم تبدأ من الالتزام بالمطالب التي ثار السوريون من أجلها؟
من هذه الزاوية يستحق استطلاع المؤشّر العربي في سورية أن يُقرأ (شمل 3600 مُستجيب من مختلف المحافظات، بين 28 سبتمبر/ أيلول و15 أكتوبر/ تشرين الأوّل الماضي، والذي نفّذه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالتعاون مع المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة)، إذ قيمته السياسية في أنّه يُعيد الناس إلى النقاش حول مستقبلهم، ويضع أمام السلطة تصوّراً لِما ينتظرونه من النظام الجديد، بعيداً عن افتراض أنّ إسقاط النظام السابق يعني تفويضاً مفتوحاً لمن أسقطه.
اكتسب أحمد الشرع شرعية الثائر المُنتصر، الذي ارتبط اسمه بالتخلّص من نظام حكم السوريين بالخوف، وهذه شرعية لها وزنها العاطفي والسياسي، لكن شرعية الثورة لا تتحوّل تلقائيّاً إلى شرعية مؤسّسات، ولا تمنح أيديولوجيا المُنتصر حقّ احتكار الدولة، فالانتصار يفتح باب التأسيس، أمّا الحكم فيحتاج إلى عقد يحدّد الحقوق والصلاحيات، ويجعل السوريين أصحاب الدولة وشركاء في تقرير مصيرها، فماذا تقول إجاباتهم عن ملامح هذا العقد؟
تقول أولاً إنّ الحرية لم تكن شعاراً عابراً، إذ يختار 74% نظاماً ديمقراطيّاً تعدّدياً لسورية، ويرى 76% أنّ الديمقراطية أفضل من غيرها، ويقبل 55% وصول حزب يختلفون معه إلى السلطة عبر انتخابات حرّة، عند ذلك يصبح استكمال الإطار الدستوري وقانون الأحزاب وضمان التنافس والمُساءلة استحقاقات تأسيسية، فالثورة التي دفعت هذا الثمن الهائل للخلاص من احتكار السلطة تستحق مؤسسات تضمن ألا يتكرّر الاحتكار تحت راية جديدة.
تقول ثانياً إنّ السوريين يريدون حماية الدولة والمجتمع من الحكم الديني الإجباري، على غرار نماذج سادت فيها حركات دينية وفرضت أيديولوجيتها على الناس. فتأييد 66% فصل الدين عن السياسة يمكن فهمه بوصفه طلباً لدولة مدنية، تتأسّس فيها الحقوق على المواطنة، وتُحمى فيها الحرية الدينية والتعدّدية، ولا تخضع مؤسساتها لحركة دينية أو لتفسير يحتكر أصحابه الحقيقة، هذه قراءة سياسية للإجابة، وليست حكماً على تديّن المجتمع، فالمواطن يستطيع أن يكون مُتديناً، وأن يرفض في الوقت نفسه أن تصبح عقيدة الحاكم معياراً لحقوقه.
تكتسب هذه القراءة قوّة إضافية من رفض 95% فرض نمط حياة أو ثقافة معينة على أبناء منطقتهم، وهي رسالة شديدة الوضوح إلى كلّ من يتخيّل أنّ الانتصار العسكري يمنحه سلطة إعادة تشكيل الناس على صورته؛ فالسوريون الذين تحمّلوا عقوداً من الإكراه يعرفون كلفته، ومن حقّهم أن يختاروا حياتهم، وأن يختلفوا، وأن يشعروا بأنّ المجال العام يتسع لهم، فالدولة التي تحمي التنوّع أقدر على صيانة وحدتها.
تقول ثالثاً إنّ العدالة الانتقالية من أسس الشرعية المُقبلة، إذ يؤيّد 74% محاسبة جميع المتورطين في الانتهاكات، وليس مسؤولي النظام السابق وحدهم، هنا يضع المجتمع قاعدة أخلاقية وسياسية بالغة الأهمية، فالضحية لا تفقد حقّها بسبب هُويّة الجاني، والجريمة لا تصبح مقبولة لأنّ مُرتكبها يقف في المعسكر المُنتصر، ذلك أنّ إنصاف المظلومين وضمان المُحاكمات العادلة يمنعان تحويل المظالم إلى ثارات، ويمنحان المصالحة الوطنية مضموناً يستطيع الناس الوثوق به.
يمتدّ هذا العقد إلى السيادة أيضاً، فالغضب من الدور الإيراني لا يحجب الخطر الإسرائيلي، إذ يضع 61% إسرائيل في موقع التهديد الأوّل لأمن سورية، مقابل 20% لإيران، ويعارض 80% الاعتراف بإسرائيل، و74% اتفاقاً معها من دون استعادة الجولان، وتتبدّى أهمية هذه النتائج في أنّها تكشف لنا حدود الرهان على أنّ إنهاك السوريين سيدفعهم إلى قبول أيّ تسوية، فالسلوك الإسرائيلي في الجنوب يعمّق سؤال السيادة، وأيّ تفاوض يحتاج إلى مرجعية وطنية وحقوق واضحة وتأييد شعبي.
هذه الأرقام التي يضعها المؤشّر أمام الحكم الجديد تعطيه مؤشّرات وإشارات مهمّة في تأطير ما يريده السوريون، وما يحدّد نظرتهم إلى سؤال الشرعية الدستورية والسياسية؛ وهو يجيب عن السؤال الأهم: كيف تتحوّل شرعية التخلّص من الماضي إلى شرعية بناء المستقبل؟
- العربي الجديد






















