رغم أنها لم تقترب بعدُ من نطاق الحجم والاتساع الذي بلغته تظاهرات احتجاج شعبي سابقة في إيران، سنوات 2022 و2019 و2009، فإن الموجة الراهنة تنذر بمزيد من التصعيد واتخاذ وجهات غير مسبوقة، سواء لجهة مساحاتها الاجتماعية والسياسية والمناطقية داخل إيران، أو في تفاعلاتها الخارجية لدى أطراف تتحين كل فرصة متاحة للإضرار بالنظام.
فعلى الأصعدة الداخلية، فإن انطلاق شرارة الاحتجاجات بمبادرة من فئات التجار وانتشارها في الأسواق قبيل التحامها مع الشباب والطلاب في الجامعات، يبدو عنصراً نوعياً جديداً ضمن اعتبارات عديدة، بالنظر إلى أن «البازار» الإيراني، والمديني منه بصفة خاصة، كان على الدوام حليف أجهزة الحكم والسلطات الدينية المختلفة. كذلك فإن مطالب الاحتجاج ترتدي هذه المرة بعداً سياسياً وإصلاحياً صريحاً، يتجاوز المشاق الشعبية المعتادة حول غلاء الأسعار وندرة المواد وتفاقم التضخم وفقدان العملة الوطنية أكثر من نصف قيمتها أمام الدولار الأمريكي.
وصحيح أن التظاهرات عمت قرابة 170 نقطة احتجاج وشملت نحو 40 مدينة على امتداد 25 محافظة من أصل 31، ولكن اللافت أيضاً أنها تركزت أكثر في مناطق غرب إيران التي تتسم بكثافة سكانية لمكونات الكرد وقبائل اللور، مما يسبغ عليها بعداً ديموغرافياً يخص الأقليات. ومن بين 16 قتيلاً ضحايا الاشتباكات مع قوى الأمن الإيرانية، سقط اثنان في مدينة قم ذات الرمزية الدينية والسياسية والتاريخية العالية داخل المنظومة العقائدية الشيعية، والكتلة الثيوقراطية داخل بنية السلطة على حد سواء، بما قد يفيد انحسار سطوة المتشددين في صفوف آيات الله.
وعلى صعيد خارجي ليست الاحتجاجات بعيدة زمنياً عن سياقات العدوان الإسرائيلي ـ الأمريكي على منشآت طهران النووية وبعض مرافقها الخدمية الحيوية، كما أنها تقترن عملياً بتهديدات متجددة من دولة الاحتلال الإسرائيلي ومساندة من البيت الأبيض، هذا عدا عن الخلفيات الراهنة لاختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو واقتياده إلى أمريكا. صحيح أن لعاب الرئيس الأمريكي قد لا يسيل دعماً لمطالب شعبية إيرانية كما سال طمعاً في نفط فنزويلا، ولكن نزوع الهيمنة والمغامرة والطيش ليست صفات غائبة تماماً عن ردود أفعال دونالد ترامب.
ورغم أن نبرة رجال الحكم في طهران، المرشد الأعلى مثل الرئيس الإيراني، بدت أقل حدة في توصيف التظاهرات وأكثر تفهماً لبواعثها الاقتصادية والمعيشية، فإن أعداد الضحايا والمعتقلين لا تطمئن إلى سلوك أجهزة الأمن عموماً والحرس الثوري خصوصاً. وإذا كان الاتعاظ بتجارب الماضي في مواجهة احتجاجات عارمة سابقة يتوجب أن يكون في طليعة خيارات معالجة التظاهرات الحالية، فإن متغيرات المشهد الداخلية والإقليمية والدولية يتوجب أن تأخذ مكانها البارز في حسابات السلطة.
ذلك لأن إيران لا تفتقر إلى عقوبات خانقة إضافية، ولا تسمح أوضاعها الداخلية بصبّ الزيت على نيران شعبية مشتعلة أصلاً، فكيف إذا شكلت خيارات كهذه ذرائع لشنّ عدوان جديد لا صلة البتة تجمع بين أغراضه وبين مطالب الشعب في شوارع إيران.
- القدس العربي


























