غابت السياسة في سوريا أيام النظام البائد وحضرت بدلاً عنها البروبوغندا السياسية: فقد كان ظاهر الحياة السياسية في سورية أن كل شيء على ما يرام: برلمان منتخب، وأحزاب تجمعها الجبهة الوطنية التقدمية، ومنظمات واتحادات ونقابات!
إشارات مهمة تدلّ على وجود فعاليات سياسية، يقدمها النظام لزواره كدلائل على وجود حياة سياسية طبيعية في الفضاء العام السوري.
كيف كان يتم تنظيم هذه المظاهر السياسية لتنتج أيديولوجية تخدم النظام وتصب في خانته؟
تلك كانت لعبة حافظ الأسد، حين نجح في إفراغ هذه العناصر السياسية من محتواها وجعلها تسير في مركب المخابرات والحزب القائد اللذين كانا يسيطران على كل شيء؛ فيحددان من يفوز ومن يخسر ومن يصل ومن يغيب، وماذا يقول وأين يسير؟
الوصفة كانت سهلة ومجربة من أنظمة استبدادية أخرى، حيث يمكن إنتاج النموذج الأسدي الخاص: شراء الولاءات، والإكثار من الخطابات، وربط مصالح تلك الواجهات “السياسية” بمصالح تتقاطع مع عمل الدولة، حيث يرضي أولئك الأشخاص ويصنع مستبداً صغيراً في كل مؤسسة، يرتكب من الفساد ما يرتكبه، ويسير في ظل نظام داخلي يرسخ سلطته ويقدم ثمناً لتلك السلطة: الولاء والخطابات الجوفاء وبيع الأوهام للجمهور الذي يمثله، وتقديس القائد والقسم باسمه.
تتقاطع مصالح الفرد مع مصالح الجماعة الخاصة، مع مصالح القائد؛ فيجلس قادة المنظمات وأعضاء مجلس الشعب عشرات السنوات على كراسيهم؛ ماداموا يفيدون ويستفيدون، ويعملون سماسرة بين أصحاب القرار والشعب الخائف. هذا نموذج في العمل السياسي البربوغندي أفرزته الأنظمة الاستبدادية يقدم مؤسسات سياسية شكلية: أحزاب لها مقار وسيارات وأنظمة داخلية، ومجلس شعب يعقد اجتماعات دورية ودورات انتخابية، ومنظمات تمثل شرائحها!
لا تبنى البلدان على الأحادية: أحادية القائد والحزب والكفاءة؛ بل تبنى على التعددية والتنوع والتداول، وكي لا تحدث خضات كبيرة في أثناء التغيير والتبادل..
اليوم كيف يتجنب السوريون تكرار تلك التجربة الفاشلة؟ وكيف يمكن أن يستعيدوا الفعل السياسي بصفته فعلاً مؤثراً وإيجابياً وليس حالة عدائية تجاه السلطة؟
أولاً: لا بدّ من استعادة تعريف السياسة على أنها مشاركة شعبية في بناء البلد، وليست فعلاً في وجه السلطة، أو فعلاً لإنتاج الأيديولوجية! وأنها حاجة ومستند من مستندات بناء البلد، وأن حضورها في الفضاء العام فيه خير للبلد والسلطة والمواطن.
ثانياً: فصل السلطة عن الأيديولوجية، فالسلطة جهاز تنفيذي وليست مكاناً للاحتكار أو الاستغناء عن الآخر أو الاكتفاء بالذات، هي مكان مفضل للخبرات واستقطاب الأكفأ، وكلما نجح الإداري أو صاحب القرار في بناء مؤسسة ذات استدامة عالية كان في ذلك بناء للبلد، وكلما ربط المنتج بشخصه أو بأيديولوجيته فإن بناءه بناء متهالك سيزول برحيله، وبالتالي هذا لا يبني بلداً، سوريا متخمة بالأيديولوجية، وهي بخاجة للعمل السياسي المنتج!
ثالثاً: لا تبنى البلدان على الأحادية: أحادية القائد والحزب والكفاءة؛ بل تبنى على التعددية والتنوع والتداول، وكي لا تحدث خضات كبيرة في أثناء التغيير والتبادل، لا بدّ من بناء أجيال من الكفاءات وتدريبها لتستلم الراية في كل المجالات، لا يبقى إلا البلد، ما عدا ذلك يأتي ليعمل ويخدم ثم يسلم الراية إلى معمرجي جديد!
فالسياسة وفقاً لحنة آرنت مجال التعددية، حيث يتجلى الناس مواطنين أحراراً يتفاعلون في الفضاء العام.
رابعاً: المعارضة حاجةٌ للسلطة، وهي جزء من بناء البلد، لذلك فإن تشجيعها وإفساح المجال لكي تعيش حياة طبيعية أفضل من خنقها، أو تغييبها، ولن تعيش حياة طبيعية من دون أن تتوفر لها عناصر قانونية تمكِّنها من العمل، بل إن كثيرا من البلدان الديمقراطية تمنح الأحزاب المعارضة مساعدات مالية كي تبقى فاعلة، ويكون هناك حضور للصوت الآخر، نتحدث عن المعارضة السياسية ذات البرامج والمطالب، ولا نتحدث عن الهرمونات المعارضاتية أو معارضة الشتائم أو التخريب أو الانفصال!
خامساً: فتح المجال أمام العمل الحر للإعلام، بعد وضع مواثيق شرف تضمن ألا تكون الكلمة سبباً في انهيار البلد، أو حدوث فتن بين الشرائح المكونة له، خاصة في البلدان التي مرت بمراحل نزاع طويلة وفيها تعدد ديموغرافي وعرقي وإثني مخيف كما هي الحالة السورية.
سادساً: شعور المواطنين بالأمان والثقة في الفضاء العام من أجل ممارسة طبيعية للعمل السياسي، ولا يتحقق هذا الشعور إلا بالقوننة، وليس بترك العرف أو الصمت والعمل في ظله، لأنه قابل لتفسيرات شتى أو أن يُسْحَب في أي لحظة يرتئيها صاحب القرار. إن هناك تاريخاً طويلاً لعدم الشعور بالثقة ين المواطن السوري والعمل بالفضاء العام نتيجة سلوك السلطات السابقة، وكسر مثل هذه الحالة يحتاج إلى القوننة واستعادة الثقة بين الدولة والمواطن! انسجاماً مع مقولة برنارد كريك في كوزن السياسة “فن التعايش في ظل اختلاف دائم”، وتُمارَس لحل النزاعات دون عنف!
من المهم في سوريا الجديدة دعوة الناس من قبل السلطة للمشاركة في صياغة الشأن العام، وليس الانسحاب منه؛ كي يتشارك السوريون في المسؤوليات والحقوق والواجبات للوصول إلى بناء مواطنة تدفع السوري إلى مزيد من الانتماء إلى بلده..
سابعاً: نشر الوعي السياسي، وتشجيع العمل السياسي من قبيل السلطة ومؤسساتها كبديل عن الانشغال بالهويات الفرعية الضيقة، التي ليس مطلوباً التخلي عنها بقدر ضرورة إعادتها إلى حجمها الطبيعي، من حيث كونها معطى ثقافياً أو اجتماعياً أو مؤثراً بالشخصية وتكوينها، أما إيلاؤها مركزية كبيرة وجعلها هي المعبِّر الرئيس عن الشخص قد يدفعه للتقوقع في داخلها والاستغناء عن سواها، وهذا يحتاج إلى وقت طويل. ليس بالدعوة إلى التخلي عنها فحسب بل من خلال خلق بدائل جاذبة ومؤثرة ومفيدة تسحب مركزيتها في حياة الأفراد.
أحلَّ النظام البائد القمع بدلاً من العمل السياسي، والأمن السياسي بدلاً من السياسة، والاحتكار وتسويق الزعامات، بدلاً من بناء المؤسسات، وهذه كلها دروس في الفشل ينبغي لسورية الجديدة أن تتعلم منها، وأن تتجنبها وتفيد منها.
من المهم في سوريا الجديدة دعوة الناس من قبل السلطة للمشاركة في صياغة الشأن العام، وليس الانسحاب منه؛ كي يتشارك السوريون في المسؤوليات والحقوق والواجبات للوصول إلى بناء مواطنة تدفع السوري إلى مزيد من الانتماء إلى بلده، والمشاركة في بنائه، بدلاً من الاختفاء أو الانزواء أو الاعتكاف أو الاعتزال!
- تلفزيون سوريا


























