يسهل معه تخطي تعقيدات القانون الدولي، والإفلات من ذلك البطء العقيم؛ عندما يقرر ترامب فهو يطيح كل تلك الاعتبارات، ويتصرف بلا ضوابط أو ادعاءات وأقنعة، كما فعل قبل شهور في إيران، ثم أخيراً في فنزويلا. و”أخيراً” هذه ليست نهاية المطاف، فهو قد هدد كولومبيا وكوبا وغرينلاند بعمليات مماثلة، فوق تهديده نائبة الرئيس الفنزويلي (الذي اختُطف إلى نيويورك) بعواقب قد تكون أوخم مما لاقاه سلفها مادورو.
بطبعه المعروف، لم يقصّر ترامب في المواكبة الإعلامية للعملية العسكرية التي أودت بمادورو، وحرص على إظهار بأسه في اتخاذ القرار، ثم قدرة القوات الأميركية على تنفيذه بلا خسائر. ليخرج في النهاية، كما شاء لنفسه، بصورة القادر بلا حدود، والذي يصعب التكهّن بأفعاله، وهو ما يوجب الانصياع له مسبقاً. أما خروجه عن سياسته السابقة المعلنة، التي تنص على عدم التدخل لتغيير الأنظمة، فكان من السهل عليه التراجع عنها، بل من المرجح بشدة أن يفضّل لنفسه صورة الزعيم غير المبدئي، فهذه الصورة تكرّس القناعة الخاصة بصعوبة التكهّن بأفعاله.
يحب ترامب الظهور كشخص مفتون بنفسه، وما دام هو كذلك يرى من البديهي أن يُفتَن الآخرون به؛ الأقوياء ثانياً لأنه نموذج أعلى للقوة، والضعفاء أولاً لأنه يجسّد أمامهم القوة القصوى التي يتمنون حيازتها. ولا يُستغرب، بموجب القسمة الدولية، أن ينال إعجاباً في منطقتنا التي تعاني من ضعف واستضعاف، ليكون نموذجاً للقوة التي يتمناها هؤلاء الضعفاء، ومنهم الناقمون على السياسات الليبرالية الغربية طوال عقود مضت. ولا غرابة تالياً في أن تكون شعبية ترامب في المنطقة تفوق شعبيته في أميركا والغرب عموماً، تساعد على تفشي شعبيته قلة الأصوات ذات الحس النقدي وقلة جمهورها.
وقد تكون الإشارة ضرورية إلى ثقافة شائعة في المنطقة تمجّد القوة والأقوى، ثم تحتقر ضمناً الضعفاء، وتجد ركيزة لها في تسلط أقوياء محليين لا يقيمون أدنى اعتبار للقوانين، خصوصاً تلك التي يُفترض بها حماية الفئات الأضعف. كأن ترامب، بخروجه عن النموذج الغربي المعهود، يشبهنا، ويستحق الحفاوة لكونه كذلك، ويحقق لنا انتصاراً على النموذج في عقر داره!
أصحاب الحفاوة لا يكترثون بأن ما فعله ترامب في فنزويلا لن يتوقف عند ما هو معروف تقليدياً لجهة قدرة الكبار على التعدي على القوانين الدولية، بل سيعزز فكرة عدم أهمية هذه القوانين بالمطلق. أن يكون مادورو فاسداً يستحق التنحية شأن مختلف عن سلوك أحادي لقوة عظمى تنحّيه، حتى إذا أخذنا في الحسبان تعذّر حصول توافق دولي على التدخل وتنحيته، فالقاعدة نفسها تبيح تنحية الرئيس الأوكراني زيلينسكي من قبل بوتين، أو حتى من قبل ترامب نفسه إذا رأى أنه يعيق إبرام اتفاق السلام الذي يسعى إليه، ولو تضمّن التنازل عن قسم كبير من أوكرانيا لبوتين.
لا ضرورة للتذكير بأن القوى الدولية الكبرى لم تتدخل لتنحية مجرم جزّار مثل بشار الأسد، واستُخدمت الأمم المتحدة كمنصة لعرقلة العديد من القرارات الدولية رغم أن سقفها كان دون التدخل العسكري في سوريا. فاستخدام القوانين الدولية ذريعة لعدم التدخل هنا هو صنو الدعس عليها هناك، لأن القوي الذي يُظهر انصياعه للقوانين، فقط عندما تتناسب مع سياساته وأطماعه، يدلل على عدم احترامه لها حتى عندما يتظاهر بذلك.
ما يؤدي إليه هذا المسار تلقائياً هو تغليب القوة على الحق، ليكون اللهاث وراء القوة ضرورة للحماية أو للهيمنة، ما يعني أن على البلدان الضعيفة السعي وراء امتلاك القوة العسكرية من أجل الحماية أولاً، وهذا على الضد من الدعوات التي تنبذ العنف، وتدعو إلى الاستثمار في السلام. أما داخلياً فسيكون تغليب منطق القوة، كما كان دائماً، على حساب الضعفاء، ومنهم المفتونون بعظمة ترامب وقوته.
وكان قولٌ من أقوال الأخير قد قوبل باستحسان على السوشيال ميديا العربية، عندما تمنى “عيد ميلاد سعيداً للجميع، بما في ذلك الحثالة من اليسار”. وقد يُردّ بعض الاستحسان إلى السمعة السيئة التي وُصِم بها اليسار العربي لجهة فشله، وأيضاً إلى ما بدا كأنه تلازم بين اليسار والاستبداد في العديد من التجارب في الإقليم والعالم. إلا أن معظم المعجبين بأقوال ترامب تغريهم القوة، ومنها قوى الاستبداد التي لا تكون على شاكلة اليسار، وهم بهذا يتلاقون مع ترامب في أن مشكلته مع اليسار ليس كونه استبدادياً في هذا البلد أو ذاك، بل لم يقصّر في إبداء إعجابه بمستبدين على غرار بوتين أو حاكم كوريا الشمالية.
لا ينتبه كثر، أو لا يريدون الانتباه، إلى أن العلّة في الاستبداد والديكتاتورية لا في اليسار نفسه، وإلى أن اليسار الديموقراطي في معظم التجارب الغربية الناجحة كان له دور أقل ما يُقال عنه إنه تأسيسي. تلزم فقط نظرة متأنية إلى أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، لرؤية تناوب اليمين واليسار على الحكم في بلدانها. ولا بأس في نظرة أكثر تعمقاً للانتباه إلى أن التناوب لم يكن بسبب فشل أحدهما الذي يؤدي إلى معاقبته انتخابياً، ليفشل الآخر… وهكذا. الأهم هو ما تحقق على الصعيد الكلي في تلك البلدان، ويمكن وصفه بأنه ناجم عن سياسات رأسمالية واشتراكية متناوبة، حيث انصرفت الأولى إلى الإنتاج والنمو، وانصرفت الثانية إلى توزيع الدخل والدور الاجتماعي للدولة مع لجمٍ محسوبٍ لمعدل النمو.
وكما توصف القوانين بأنها تحمي الضعفاء أولاً فإن سياسات اليسار كانت تكمل ذلك المفهوم القانوني، من خلال تمكين الضعفاء اجتماعياً وسياسياً. وفي الواقع لا يبقى ثمة أهمية للقوانين بحد ذاتها ما لم تكن هناك سياسات تمنع الاستقواء على الضعفاء، فالعبرة ليست إطلاقاً في نصوص القوانين وحدها، والدول التي تجعل مواطنيها ضعفاء اقتصادياً وسياسياً يصبح فيها احترام القوانين في أدنى درك. هذا أيضاً فحوى الافتتان بترامب، إما من أقوياء محليين في منطقتنا، أو من ضعفاء اقتصادياً واجتماعياً وحقوقياً بما يكفي لئلا يدركوا مصالحهم، ثم تُستخدم الشعبوية كغطاء لاستقواء الأقوياء وجهل الضعفاء.
بالطبع لن نعدم مَن يدافع عن الافتتان بترامب، بحجة أنه الأقوى والمنتَخب ديموقراطياً أيضاً، ويكاد لا ينقص هذا الدفاع سوى التنظير للترامبية بوصفها نهاية التاريخ. لكن التاريخ لم يبدأ ولن ينتهي اليوم، ولعل نظرة إضافية إلى عهود الازدهار والرفاه المتكامل في الغرب تكشف عمّا يريد ترامب وأمثاله طمسه.
- المدن



























