لم يمرّ على الولايات المتّحدة رئيسٌ أكثر وضوحاً من دونالد ترامب. قال بصريح العبارة إنّه يريد استعادة “النفط المسروق” في فنزويلّا. تلك هي المرّة الأولى التي يكون فيها النفط هدفاً صريحاً إلى هذا الحدّ في تحرّك عسكريّ أميركيّ.
المفارقة أنّ الاعتقال الهوليووديّ للرئيس المخلوع نيكولاس مادورو يأتي في زمن ما بعد حروب النفط. الولايات المتّحدة اليوم ليست هي نفسها أميركا السبعينيّات، حين اصطفّ الآلاف في الطوابير أمام محطّات البنزين بعدما جُنّ جنون الأسعار، ولا هي أميركا الثمانينيّات والتسعينيّات حين كان تأمين خطوط الإمداد عنواناً أساسيّاً من عناوين الحروب في الشرق الأوسط.
ما الذي أسال لعاب ترامب؟
أميركا اليوم مكتفية ذاتيّاً من الطاقة. هي أكبر منتج للنفط في العالم بمستويات قياسيّة تصل إلى 13.8 مليون برميل من الخام يوميّاً، وهي أكبر مصدّر للغاز الطبيعيّ المسال. فوق ذلك، ليست تكلفة الطاقة هاجساً مؤرقاً لها. أسعار الخام الأميركيّ دون الستين دولاراً للبرميل، وغالون البنزين يباع بنحو ثلاثة دولارات، وتكاليف الإنتاج آخذة في التراجع. يكفي أنّ تكلفة إنتاج النفط الصخريّ انخفضت خلال العقدين الماضيَين من نحو 70 دولاراً للبرميل إلى أقلّ من نصف هذا الرقم. فما الذي يُسيل لعاب إدارة ترامب في فنزويلّا إذاً؟
استراتيجية واشنطن في أميركا الجنوبيّة لها ارتباط مباشر بالتحوّل الجذريّ الذي أدخله ترامب على استراتيجية الطاقة الأميركيّة
للشركات النفطيّة الأميركيّة قصّة طويلة مع قطاع النفط الفنزويلّيّ. كانت تحتكر تطويره حتّى نهاية الحرب العالميّة الثانية، قبل أن يبدأ التأميم على مراحل. لكنّ الصراع الكبير وقع مع وصول اليساريّ هوغو شافيز إلى السلطة عام 1998، واتّخاذه خطواتٍ أكثر جذريّة للسيطرة على المشاريع التي تشارك فيها الشركات الأميركيّة الثلاث الكبرى “إكسون موبيل” و”كونوكو فيليبس” و”شيفرون”. أدّى ذلك إلى انسحاب الشركتين الأوليَيْن وبقاء الثالثة بشروط شافيز، ونشبت بعد ذلك منازعات تحكيميّة وقضائيّة ما تزال مستمرّة حتّى اليوم. لا يُخفي ترامب نيّته إلزام فنزويلّا بإعادة الأصول المصادَرة إلى الشركات الأميركيّة أو سداد التعويضات التي تتجاوز عشرة مليارات دولار لشركة “كونوكو فيليبس” وحدها.
لكنّ ثمّة ما هو أهمّ من هذا الجانب الاستثماريّ – الماليّ، ويمكن استخلاصه من “استراتيجية الأمن القوميّ” التي نشرها البيت الأبيض قبل أسابيع، والتي أفردت حيّزاً واسعاً للاستراتيجية الأميركيّة في “نصف الكرة الأرضيّة الغربيّ”. أطلقت تلك الاستراتيجية عنواناً ربّما يتردّد كثيراً في مقبل السنوات، وهو “ملحق ترامب على عقيدة مونرو” (The Trump Corollary)، وهو عنوان يعبّر عن الرغبة بإحياء “عقيدة مونرو” (Monroe Doctrine) الشهيرة التي أطلقها الرئيس الخامس للولايات المتّحدة جيمس مونرو عام 1823، وشكّلت بعد ذلك الإطار التاريخيّ للسياسة الخارجيّة لواشنطن بجعل الأميركيّتين حديقة خلفيّة يُمنع على الأوروبيّين التدخّل فيها.
ليس مستبعَداً أن يكون في صلب التفكير الاستراتيجيّ الأميركيّ محاصرة البرازيل، بدءاً من فنزويلّا، وربّما امتداداً إلى كولومبيا
الصّين محلّ الأوروبيّين
الجديد في “ملحق ترامب” أنّ الصين تحلّ محلّ الأوروبيّين في عقيدة منع التدخّل في الأميركيّتين. العبارة اللافتة في هذا النصّ بحرفيّتها: “سنمنع المنافسين من خارج النصف الغربيّ من القدرة على نشر قوّات أو قدرات تشكّل تهديداً، أو امتلاك أصول ذات أهميّة استراتيجيّة حيويّة في النصف الغربيّ”. وينطبق هذا التوصيف أوّلاً على حقول النفط الفنزويلّيّة. أكّد وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو ذلك بقوله: “لا نحتاج إلى نفط فنزويلّا، لكنّنا سنمنع أيّة قوّة أخرى من السيطرة عليه”، في إشارة إلى الصين بشكل خاصّ.

على أنّ خطورة “ملحق ترامب” في ما يتعلّق بأميركا الجنوبيّة أنّه يبدأ بفنزويلّا، لكنّه لا يتوقّف عندها. تشكِّل الأخيرة تشكّل بوّابة شماليّة حاكمة للبرازيل، القوّة العالميّة الصاعدة باقتصاد يصل حجمه إلى 2.2 تريليون دولار (بين أكبر 10 اقتصادات في العالم)، وبقطاع نفطيّ ضخم ينتج نحو 3.5 ملايين برميل يوميّاً من النفط والمكثّفات. معلوم أنّ ترامب لا يرتاح للرئيس اليساريّ لولا دا سيلفا، ولا لموقع البرازيل الأساسيّ في مجموعة “بريكس”. تنظر إدارته بعين الريبة إلى الاستثمارات الصينيّة الضخمة هنا، إذ تشكّل البرازيل ثالث أكبر وجهة للاستثمارات الصينيّة في العالم. في سياقٍ كهذا، لا غرابة في أنّ ترامب مارس ضغوطاً مباشرة على البرازيل لإطلاق سراح الرئيس السابق جايير بولسونارو، الذي صدرت بحقّه أحكام بالسجن لـ27 عاماً بتهمة التخطيط للانقلاب.
محاصرة البرازيل
ليس مستبعَداً أن يكون في صلب التفكير الاستراتيجيّ الأميركيّ محاصرة البرازيل، بدءاً من فنزويلّا، وربّما امتداداً إلى كولومبيا التي وجّه إليها ترامب تهديداً مباشراً. الجدير بالذكر أنّ الشركات الأميركيّة تستثمر أيضاً في غويانا المجاورة، التي اكتُشفت فيها ثروة نفطيّة هائلة في السنوات القليلة الماضية، ويدور صراعٌ للاستحواذ عليها بين “شيفرون” و”إكسون موبيل”.
لم يمرّ على الولايات المتّحدة رئيسٌ أكثر وضوحاً من دونالد ترامب. قال بصريح العبارة إنّه يريد استعادة “النفط المسروق” في فنزويلّا
الأخطر من كلّ ذلك أن يتّسع “ملحق ترامب” ليشمل الأصول الاستراتيجيّة الأخرى التي تستثمر فيها الصين في أميركا اللاتينية، بما فيها مناجم المعادن الحرجة والموانئ الاستراتيجيّة، مثل ميناء تشانكاي في البيرو وميناء بارانغوا في البرازيل.
الجدير بالملاحظة أنّ استراتيجية واشنطن في أميركا الجنوبيّة لها ارتباط مباشر بالتحوّل الجذريّ الذي أدخله ترامب على استراتيجية الطاقة الأميركيّة. على مدار العقود الماضية، تطوّر عنوان تلك الاستراتيجية من “أمن الإمدادات” الذي كانت لأجله تُنشر حاملات الطائرات وتُخاض الحروب في مناطق شتّى، إلى “الاكتفاء الذاتيّ” الذي طرحه جورج بوش الابن هدفاً استراتيجيّاً، ثمّ إلى “تحوّل الطاقة” (نحو الطاقات النظيفة بعيداً عن النفط والغاز) الذي كان عنواناً مركزيّاً لإدارة جو بايدن.
بعيداً عن كلّ ذلك، أعلن ترامب عنوانه الجديد، وهو “السيطرة الطاقيّة” (Energy Dominance)، في قطاعات النفط والغاز والفحم والنوويّ، والتخلّي عن مكافحة التغيّر المناخيّ، التي يسمّيها “الأيديولوجية الكارثيّة”.
هذا المزيج بين عقيدة تدخّليّة على أساس “عقيدة مونرو” وعقيدة صراع مباشر مع الصين في قطاعات الطاقة التقليديّة والمعادن يعني أنّ الحديقة الخلفيّة للولايات المتّحدة مقبلة على مرحلة غير مسبوقة من استعراضات القوّة الأميركيّة قد لا تكون فنزويلّا سوى باكورتها.
- أساس ميديا



























