الحوار الثاني
سوريا. . . إنساننا ” هو الميزانيَّة “
بينما وقف العالم مذهولاً أمام خزانة سورية خاويةً من العملات الصَّعبة، ورثتها الحكومة الجديدة عن عهد تفنَّن في ‘ تأميم الفقر’ وتصدير اليأس، غاب عن المحلِّلين على اختلاف مشاربهم الرَّقم الأهمّ في ميزانيَّة الدَّولة السُّوريَّة الجديدة: الإنسان السُّوريُّ.
ندرك نحن – السُّوريّين- أنَّ الوجع الَّذي نعيشه اليوم ليس مجرَّد نقص في الغذاء والوقود أو دمار في الجسور والمباني، بل هو معركة استعادة ‘ السِّيادة على المستقبل ‘ بعد ستِّين عامًا من اختطافها على يد لصوص العصر. وندرك جليًّا أنَّنا لا نبني دولة من الرُّكام فحسب، بل نعيد تعريف معنًى ‘ الوطن ‘؛ فسوريا اليوم لا تقاس بما تملكه في مصارفها المنهوبة، بل بما يملكه سوريُّو الشَّتات والدَّاخل من إرادة لضخِّ شريان الحياة في جسد الدَّولة الوليدة، متحدِّين الألغام الأمنيَّة والمشاريع الانفصاليَّة، ليثبتوا للعالم أنَّ ‘ سوريا الواحدة ‘ هي المشروع الاستثماريُّ الأكبر والوحيد القابل للحياة “.
(أناشيد لرؤية وطنيَّة لترميم الإنسان وبناء السِّيادة)
هذا النَّصِّ هو ” بيان استقلال نفسيّ ” يعلن انتصار الكرامة على الحطام. يحمل لغةً تخترق جدار اليأس لتصنُّع من ” الوجع السُّوريِّ ” منصَّةً للوثوب، لا خيمةً للعزاء.
هو حوار وجدانيّ بين ” الدَّولة السُّوريَّة الجديدة ” وبين ” الإنسان السُّوريِّ “، محوِّلين البشر من عبء ديموغرافيّ إلى ” الميزانيَّة السِّياديَّة ” الَّتي لا تنضب:
نشيد سوريا: العبور من ” اقتصاد النَّهب ” إلى ” ميزانيَّة الأرواح “.
1- النَّشيد الأوَّل: الإنسان هو الذَّهب الَّذي لا يصدأ:
أيَّتها الدَّولة الوليدة، كفِّي عن التَّحديق في قعر الخزائن المصمتة وفي غبار الأرصدة المنهوبة، فثروة الأمم لا تقاس بما أودعه اللُّصوص في مصارف الغربة، بل بما أودعته السَّماء في جينات هذا الشَّعب.
أيَّتها الدَّولة: انظري بعمق إلى تلك الوجوه الَّتي صفعها موج المتوسِّط ولم تغرق أحلامها، وإلى الأيدي الَّتي شقَّت صخر الدَّاخل بأظافر الصَّبر ولم يكسرها ذلُّ الجوع. إنَّ هذا ” السُّوريِّ ” المنهك جسدًا، والمتَّقد روحًا، هو ” ميزانيَّتك السِّياديَّة ” الَّتي لا تنهار بانهيار العملات؛ إنَّه الكيمياء القادرة على تحويل رمل البادية القاحل إلى واحات تكنولوجيا، وتحويل أنين ” الجبل ” في السُّويداء من جرح نازف إلى قصيدة صمود أزليَّة، وتحويل رماد حلب من أطلال صامتة إلى ورشات عمل تضجُّ بضجيج الحياة.
الرِّسالة للدَّولة: اجعلي من ” الاستثمار في العقل السُّوريِّ ” عقيدةً أمنيَّةً عظمى؛ فالعقل السُّوريِّ حين يتحرَّر من أصفاد الخوف، يتحوَّل إلى ” رادار ” يكشف مشاريع التَّفتيت، ويصبح هو ” المصرف الوطنيُّ ” الأضخم الَّذي يموِّل نفسه بذكاء الانتماء وعرق الوفاء.
- النشيد الثاني: ترميم الروح.. السيادة تبدأ من الداخل
إن السيادة يا وطني ليست حدوداً صماء، بل هي “إنسان” ينام ملء جفونه وهو يوقن أن ظهره مسنودٌ بوطن، لا بسوط جلاد.
أيتها الدولة لا تطلبي من السوري أن يرفع لكِ أعمدة المجد وهو مكسور الخاطر، أو مثقوب الروح بمرارة الزنازين. إن “الروح المحطمة” هي الثغرة الأمنية الوحيدة التي لا تملك كل رادارات العالم سدها، بينما “الروح المرممة” هي الحصن الذي لا يُخترق.
الدولة كـ “حضن” لا كـ “قيد”: يجب أن تكون الحكومة هي “المُعالج الأكبر”.
عندما يشعر المواطن أن كرامته هي “خط أحمر”، وأن القانون هو “الحضن” الذي يُؤْويه وليس “القيد” الذي يخنقه؛ حينها فقط سيذوب الجليد عن قلبه، وسيفيض ولاؤه لترابكِ عفوياً.
حوار الكرامة: قولي للسوري بصدق: “أنت لست رقماً عابراً، أنت شريك في القرار”. هذه الكلمات هي “المغناطيس” الذي سيعيد مليارات المغتربين قبل أن تفعل ذلك قوانين الاستثمار الصماء.
3- النشيد الثالث: تحويل “المنافي” إلى “روافد”
لقد وزّعت الستون عاماً العجاف السوريين على جهات الأرض الأربع، ظناً منها أنها تقتلع جذورهم، لكنها لا تدري أنها صنعت لسوريا اليوم “أذرعاً وارفة” تغطي بقاع الأرض، هؤلاء الذين استعصوا على الغرق والذوبان، هم اليوم “المصرف المعرفي” الأضخم الذي ينتظر لحظة العودة.
الدبلوماسية الوجدانية: خاطبي السوري في المنافي كـ “سفير للروح السورية”. اجعلي من نجاحاتهم في الطب والبرمجة والذكاء الاصطناعي “ميزانية تقنية” تُحقن في جسد الدولة .
الشتات كـ “احتياطي استراتيجي”: لا تنتظري القروض الدولية المشروطة، بل استدعي “رأس المال الوجداني”؛ فالسوريون مستعدون لضخ ملياراتهم حين يلمسون أن الدولة تحولت من “جباية” إلى “رعاية” .
4- النشيد الرابع: درع الوجدان ضد سموم التفتيت
عندما يصبح الإنسان هو “الميزانية”، تذوب الفوارق الوهمية في بوتقة الواحد، ويكون الرد على أطماع الغرباء في تمزيقنا، وعلى رأسهم من يتربصون بـ “جبلنا” في السويداء، ليس بحشد الأسلحة فحسب، بل بحشد “المواطنة”، فإن “الترميم الوجداني” هو الجدار الذي تتحطم عليه أوهام التقسيم.
وحدة القلوب سياج الجغرافيا: الدولة الجديدة لا تقدم نفسها كـ “حامية” لمكون ضد آخر، بل كـ “جامعة” للكل تحت سقف الحقوق المتساوية. عندما يدرك المواطن في الجبل وفي الساحل وفي الشرق أن أمانه الوجودي هو جزءٌ من ثراء الهوية السورية الكبرى، عندها سيتحول هو نفسه إلى “درع” يرفض سموم الانفصال، فنحن – السوريين- أقدر على أن نحارب التفتيت بجعل الانتماء لسوريا “امتيازاً” لا يمكن التنازل عنه.
خاتمة الأناشيد:
القيامة السورية.. حين ينهض الإنسان ينهض الوطن
يا أركان الدولة، لا تقلقوا من “الصفر” في الحسابات البنكية، طالما أن “واحدنا” يساوي أمة. إن العبور من اقتصاد النهب إلى اقتصاد العقول يبدأ بقرار واحد: “أن نحترم هذا الإنسان حتى يذهل العالم”.
لقد انتهى زمن “الرعية” المذعورة، وبدأ زمن “المواطن الشريك” الذي يبني وطنه بحب.
أيتها الدولة ثقي بأن سوريا اليوم لا تُبعث من جديد، من بريق الذهب أو آبار النفط، بل تُبعث من دموع الفرح في عيون العائدين، ومن عرق الجباه السمراء التي ترفض الانكسار. لقد بدأت القيامة السورية، وهي قيامةٌ لن تتوقف حتى يعود الإنسان السوري سيداً في وطنه، ومبدعاً في أُمته، وصانعاً لحضارةٍ لا تغيب عنها الشمس.
- كاتب سوري


























