تركز جولات التفاوض الجديدة على إعادة إحياء اتفاقية فضّ الاشتباك الموقعة عام 1974 بين سوريا وإسرائيل (غيتي)
ملخص
لا تبدو الجولة الحالية من المباحثات مجرد اتفاق عسكري تقليدي، بل تُعتبر خطوة لاختبار توازنات القوى الإقليمية، حيث يختبر كل طرف مدى استعداد الآخر للتنازل أو التعاون ضمن ضوابط دقيقة قد تحدد مستقبل الاستقرار في سوريا لسنوات مقبلة.
في تطور لافت على مسار العلاقات السورية – الإسرائيلية، استضافت العاصمة الفرنسية باريس أمس الثلاثاء، جولة جديدة من المباحثات بين ممثلين عن الجانبين، في محاولة لاستئناف النقاش حول اتفاق أمني يهدف إلى خفض التوتر.
واجتمع في اللقاء كل من سفير إسرائيل لدى واشنطن، والسكرتير العسكري لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلى جانب رئيس مجلس الأمن القومي. وأكدت مصادر إسرائيلية أن المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف يتولى قيادة الجانب الأميركي في هذه المباحثات.
في المقابل، أوضح مصدر حكومي سوري أن جولات التفاوض الجديدة تركز على إعادة إحياء اتفاقية فضّ الاشتباك الموقعة عام 1974 بين سوريا وإسرائيل، التي جاءت عقب حرب السادس من أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، بهدف الفصل بين القوات المتحاربة وفك الاشتباك بين الطرفين.
وعلى وقع هذه المحادثات التي جرت في باريس، أكدت وزارة الخارجية الأميركية، في بيان صادر عقب الاجتماعات، أن الطرفين تعهدا بـ”إرساء ترتيبات دائمة في مجالي الأمن والاستقرار”. وأفادت أن الجانبين قررا إنشاء آلية اندماج مشتركة – خلية اتصالات متخصصة – لتسهيل التنسيق الفوري والمستمر لتبادل المعلومات الاستخباراتية، وخفض التصعيد العسكري، والانخراط الدبلوماسي، وفرص التعاون التجاري، تحت إشراف الولايات المتحدة. مضيفة أن هذه الآلية ستكون بمثابة منصة لمعالجة أية نزاعات بسرعة والعمل على منع سوء الفهم بين الطرفين.
موازين القوى
في ما يتعلق بدوافع هذه المباحثات قال المحلل السياسي نبيل شوفان، إنها تختلف من طرف لآخر في ضوء التطورات التي أعقبت سقوط بشار الأسد. موضحاً أن دمشق تطرح مطلباً واضحاً يتمثل في انسحاب إسرائيلي كامل إلى ما قبل تلك التطورات. فالقوات الإسرائيلية توغلت في تسع نقاط داخل الجولان ومحافظة القنيطرة، وسيطرت على قمة جبل الشيخ ذات الأهمية الاستراتيجية.
وأضاف شوفان أن دمشق تعتبر استعادة هذه الأراضي حقاً وطنياً غير قابل للتفاوض، إلى جانب مطالبتها بضمان احترام سيادتها وعدم تدخل إسرائيل في شؤونها الداخلية، مع التأكيد على العودة إلى اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، أو الاستناد إلى روحها، باعتبارها مرجعية أمنية لتنظيم العلاقة بين الطرفين.
في المقابل، يوضح شوفان، ترفض إسرائيل الانسحاب من النقاط التي سيطرت عليها قبل التوصل إلى اتفاق سلام شامل وتطبيع كامل للعلاقات. مشيراً إلى أن تل أبيب تطالب بضمانات أمنية في الجنوب السوري تشمل نزع أية أسلحة ثقيلة، وإقامة ما تصفه بـ”حزام أمني” على طول الشريط الحدودي.
وبحسب المقاربة الإسرائيلية، فإن هذه المنطقة العازلة المقترحة تمتد من جنوب محافظة السويداء وحتى أطراف دمشق، وتُدار كمنطقة منزوعة السلاح لمنع دخول قوى تعتبرها إسرائيل معادية أو وصول أسلحة نوعية إليها. كما تحضر في هذا السياق، وفق شوفان، مسألة “حماية الأقليات”، إذ تشير إسرائيل إلى أحداث العنف والانتهاكات التي شهدتها مدينة السويداء بحق الأقلية الدرزية التي تربطها علاقات وثيقة بدروز إسرائيل. مشيراً إلى أن إسرائيل تسعى كذلك إلى فتح ممر آمن يمتد من أراضيها باتجاه السويداء، وهو مطلب ترفضه دمشق بشكل قاطع.
وأكد المحلل السياسي أن للولايات المتحدة دوافعها الخاصة في هذه المفاوضات، فالرئيس الأميركي يريد إنجازاً قبل الانتخابات النصفية. موضحاً أن الإدارة الأميركية، وفق ما أورد موقع “أكسيوس”، تقترح اتفاقاً أمنياً جديداً يتمحور حول هندسة تنفيذية تشمل منطقة اقتصادية منزوعة السلاح وخلية تنسيق في عمّان بهدف استقرار الجبهة، وربما تمهيد مسار أوسع في الشرق الأوسط.
ويرى شوفان أن باريس تُعد منصة مريحة لهذه الوساطة الحساسة التي تجمع المفاوضين السوري والإسرائيلي والأميركي، إذ تمنح شرعية أوروبية للنتائج وتتيح إمكانية مراقبتها. كما تتمتع فرنسا بعمق تاريخي في سوريا وتحارب تنظيم “داعش”، ويُنظر إلى حضورها على أنه يحدّ من احتكار واشنطن للحلول، ويخلق توازناً يقلل من التنافس التركي – الإسرائيلي على شكل المرحلة الانتقالية في البلاد.
طموح وقلق
وبخصوص السيناريوهات المحتملة بعد المفاوضات، يرى شوفان أن من غير المرجح أن يتوصل الجانبان إلى اتفاق جديد ثابت وقوي يتماشى مع طموحات الإدارة الأميركية، مشيراً إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يقود حكومة يمينية، غير متحمس لهذه المفاوضات. لكن إذا ضغطت واشنطن فقد يؤدي ذلك إلى التوصل لـ”آليات أمنية” تدريجية، أي خطوات تنفيذية لبدء ترتيبات خفض التصعيد.
وأوضح أن هذه الخطوات قد تشمل فتح قنوات تنسيق ولجان فنية وتبادل خرائط وقواعد اشتباك، وربما تنفيذ انسحابات على شكل إعادة تموضع مشروطة بمراحل وضمانات تقدمها دمشق في الجنوب، سواء على مستوى نزع السلاح، أو ترتيب الحدود، أو حتى في ملف محافظة السويداء. مؤكداً أن الطرح الأميركي الحالي لا يتوقع أن يلقى اتفاقاً سياسياً كبيراً، مع بقاء القضايا الكبرى مؤجلة مثل التطبيع أو مستقبل الجولان الذي اعترف به ترمب كأرض إسرائيلية. وهذا ما يرجحه الطرح الأميركي غير المتفائل في الوقت الحالي بتوقيع سياسي كبير مع بقاء القضايا الكبرى مؤجلة.
ويخلص شوفان إلى أن السيناريو المرجح هو اتفاق جزئي ومرحلي يتضمن تفاهمات تنفيذية قد تصطدم بتفاصيل دقيقة مشابهة لما يحدث حالياً في لبنان، مثل تحديد من ينسحب أولاً، وكيفية نزع السلاح، وحل الملفات المحلية مثل السويداء، مع احتمال أن يمتد هذا النموذج لاحقاً إلى مناطق أخرى في الشمال وعلى الساحل.
وحول ما إذا كان الاتفاق جزءاً من استراتيجية أوسع لترتيب الوضع في جنوب سوريا وتقليص النفوذ الإيراني، أشار شوفان إلى تقرير موقع “واللا” الإسرائيلي، الذي أفاد بأن إيران تُتهم، وفق تقديرات أمنية إسرائيلية، بالعمل مع أطراف معادية تستهدف الرئيس السوري أحمد الشرع. وهذا الاتهام عُرض خلال اجتماع الحكومة السورية الأخير كتبرير أمني لقرار إسرائيل الإبقاء على وجودها العسكري في جبل الشيخ والمنطقة الأمنية المحاذية كخط دفاع أول، مستندة إلى ما وصفته بـ”دروس” حرب السابع من أكتوبر. مؤكداً في الوقت نفسه أن نفوذ إيران في سوريا تقلص إلى حد كبير.
أميركا وإسرائيل
المحلل السياسي طارق وهبي، يقول إن الولايات المتحدة منذ سقوط النظام السابق في سوريا تسعى لاستقطاب النظام الجديد لمصلحتها، مدركة أن مستقبل سوريا سيمر عبر مصالح أميركا في إعادة الإعمار، وبشكل متواز لضمان أمن إسرائيل. مضيفاً أن واشنطن فتحت كل الأبواب للرئيس الشرع، واستمعت إلى المطالب السورية في محاولة لدعم الانطلاقة الجديدة للنظام القائم، والاستفادة من الفرص الاقتصادية والاجتماعية الحالية في سوريا.
وأشار وهبي إلى أن الملف الأمني، المرتبط بما تعتبره إسرائيل استراتيجية الأمن القومي، دفع إلى إعادة النظر في الحدود السورية، كما هو واضح من التصريحات السابقة لوزير الخارجية السوري، الذي اعتبر أن الأفضل لكلا الطرفين العودة إلى اتفاقية الهدنة عام 1974، مع التأكيد على وحدة الأراضي السورية. مشيراً إلى أن أي تغيير في الجولان قد يبعد إمكانية استعادة السيادة على تلك الأراضي.
وأوضح أن الأهم في الوقت الحالي هو تشكيل لجنة أمنية مشتركة بحضور أميركي تكون مسؤولة عن حل أية نزاعات أو مشكلات أمنية تطرأ مستقبلاً، وهو ما يشكل أولوية للطرفين. أما المرحلة التالية فتتعلق باستعادة المواقع المحتلة في جبل الشيخ، على رغم أن إسرائيل تسعى لضم هذه المواقع ضمن ما تصفه باستراتيجية الأمن القومي الخاصة بها.
وحول ما إذا كان الاتفاق بمثابة اتفاق جزئي، أو تفاهم موقت، مما يعد استمراراً للمشاورات من دون نتائج واضحة، يقول وهبي إنه في الوقت الحالي يعد الاتفاق جزئياً لأن لدى سوريا شكوكاً كبيرة حول الدفع بالمكون الدرزي للانفصال عن محيطه السوري، والإيحاء لبعض القادة الروحيين بأن إسرائيل تريد حمايتهم، علماً أنها تستعمل أفراد هذه الطائفة في لواء مهم جداً هو “لواء جولاني”.
ويوضح المحلل السياسي أن سوريا لا ترغب أبداً في هذا التدخل الإسرائيلي لدى المكونات الطائفية التي تشكل النسيج الديموغرافي السوري. مؤكداً أن أميركا تصر، وبالتحديد السفير توم باراك، على أهمية الاستمرار في المفاوضات مما يدل على انخراط أميركا في عملية خفض الاحتقان السياسي والعسكري بين الطرفين.
خلاصة القول، بحسب اعتقاد وهبي، أن النتائج مهمة، وأولها أن تكون اللجنة المشتركة لمراقبة الحدود السورية – الإسرائيلية قد شكلت، ولديها جدول أعمال يأخذ بعين الاعتبار الحساسيات السياسية لكلا الطرفين. موضحاً أن “الاتفاق هو بحد ذاته استراتيجية، لأن كلا الطرفين السوري والإسرائيلي لديه مطالب مرتبطة بمصالحه”.
ويرجح وهبي أن الملف السوري قد يكون الأكثر تسهيلاً على رغم تعقيداته، كما أن إسرائيل تحاول الضغط على المفاوض السوري، ولكن أميركا تريد تلبية الطلبات السورية لأن من الواضح أن دمشق تستعمل الاستجابة إلى المطالب الأميركية كحافز لبدء الإعمار وتشغيل الدولة السورية عبر معايير خارج أي منطق إرهابي أو تكتل سياسي يهدد إسرائيل.
بوابة الحوار
على رغم التعقيدات والخلافات المستمرة بين دمشق وتل أبيب، تبدو باريس اليوم منصة لإحياء الحوار الأمني بين الطرفين، تحت إشراف أميركي يسعى لضمان التوازن وتقليل الاحتكاك المباشر.
ويشير محللون إلى أن نجاح هذه المبادرة لا يعتمد فقط على التوافق بين الجانبين، بل يرتبط بقدرة واشنطن على ممارسة الضغط والتنسيق، مع مراعاة مصالح إسرائيل وأولويات سوريا، في وقت يظل النفوذ الإيراني محدوداً. وهذا الوضع يجعل الجنوب السوري بمثابة ساحة اختبار للسياسة الإقليمية، وفرصة لبناء نموذج أمني يمكن تكراره لاحقاً في مناطق أخرى.
وفي المجمل، لا تبدو الجولة الحالية من المباحثات مجرد اتفاق عسكري تقليدي، بل تُعتبر خطوة لاختبار توازنات القوى الإقليمية، حيث يختبر كل طرف مدى استعداد الآخر للتنازل أو التعاون ضمن ضوابط دقيقة قد تحدد مستقبل الاستقرار في سوريا لسنوات مقبلة.
في ضوء ما سبق يبقى السؤال: هل ستتحول هذه الجولة الأمنية إلى نموذج يُحتذى به في سوريا، أم أنها ستظل مجرد تسريبات سياسية على الورق؟ وهل يمكن لهذا الحوار أن يحوّل الخلافات الإقليمية إلى تفاهم عملي، أم أن الحدود السورية – الإسرائيلية ستظل مسرحاً للتوتر المستمر؟
- إندبندنت



























