حركة حماس، المنبثقة من تنظيم “الإخوان المسلمين”، في خصام مع معظم دول المنطقة والعالم لأسباب متعدّدة، بالإضافة إلى خصومة داخليّة حادّة مع السلطة الوطنيّة. بات دعم “الحزب” محصوراً بإيران بعد سقوط نظام الأسد في سوريا، وفي الداخل حضور فاعل، خصوصاً في الوسط الشيعيّ. بدورها، تواجه إيران أزمات بالجملة في الداخل ومع الخارج.
لا مستوطنات في لبنان
ثمّة تباين فعليّ بين الجبهتين اللبنانيّة والفلسطينيّة. استطاع “الحزب” تحرير الجنوب عام 2000، ثمّ عاد الاحتلال بعد حرب الإسناد. دافع “الحزب” العقائديّ متّصل بالتزامه الدينيّ المرتبط بالوليّ الفقيه، وفق ما بيّن الشيخ نعيم قاسم في كتابه عام 2002.
في فلسطين، أولويّة إسرائيل القضاء على حلّ الدولتين، ثمّ يأتي التوسّع في الجولان ومحيطه. أمّا في جنوب لبنان، الذي احتلّته إسرائيل لأكثر من ثلاثة عقود، فلم تُنشئ مستوطنة واحدة، خلافاً لما فعلت في فلسطين والجولان. تأتي المسألة الأمنيّة-العسكريّة في صدارة الأجندة الإسرائيليّة في لبنان، وليس التطبيع الذي لم يكن مطروحاً في اتّفاق 17 أيّار 1983 أو في الترسيم البحريّ الأخير، علماً أنّ الفارق واضح بين وضع حدّ للنزاع العسكريّ والتطبيع.
لم يبقَ من النزاع العربيّ-الإسرائيليّ المعهود، بشقّه العسكريّ، سوى العنوان. أمّا الشقّ السياسيّ فقد أصبح أكثر حضوراً وأوسع دعماً عالميّاً من أجل قيام دولة فلسطينيّة
الطموحات التوسّعيّة للحركة الصهيونيّة معروفة، إلّا أنّ الهدف الأوّل لإسرائيل في المرحلة الراهنة هو فلسطين، لا سيّما أنّ قدراتها محدودة، وهي مضخّمة بسبب دعم أميركا. مشروع إسرائيل الكبرى ومعه الشرق الأوسط الجديد ليسا أفضل حالاً من مشروع الوحدة العربيّة فيما مضى ووحدة الساحات في السنوات الأخيرة. الوعود جائزة، والأيديولوجية متاحة، إلّا أنّ الواقع المتخيَّل مغاير للوقائع.
جهازية كاملة في سوريا؟
بعد حرب 1973 تبدّلت معالم النزاع بين إسرائيل ومصر وسوريا، ولاحقاً مع منظّمة التحرير جرّاء اتّفاق أوسلو في 1993، وكذلك مع الأردن في 1994. يختلف التصدّي العسكريّ للاحتلال داخل فلسطين شكلاً ومضموناً عن المواجهة العسكريّة من لبنان، وتحديداً بعد عام 2000. أمّا الذرائع فلا حدود لها، سواء لتحرير الأسرى، كما حصل في 2006، أو لتحرير مزارع شبعا ومحيطها، أو “لإشغال” إسرائيل في الحرب الأخيرة. الواقع أنّ الحرب التي خاضها “الحزب” بعد 2006 بجاهزيّة كاملة وإصرار وقعت في سوريا.
لا ينتهي الجدال في الدوافع، وخصوصاً عندما تكون خلفيّاتها دينيّة، أو عندما يسود اعتقاد أنّ إسرائيل على طريق الزوال وأنّ غاية الحرب ليست التصدّي للاحتلال فقط بل وللإمبرياليّة. أمّا الكرامة الوطنيّة فتخضع لانتقائيّة واضحة. الكرامة الوطنيّة في لبنان متّصلة حصراً بالاحتلال الإسرائيليّ، ولا مكان لها عندما تتحكّم سوريا بكلّ مفاصل القرار في البلاد. ولا اعتبار للكرامة الإنسانيّة بعدما احتجزت المصارف جنى عمر الناس وتلاشى الضمان الاجتماعيّ. وكذلك السيادة، فهي متكاملة الأوصاف عندما ترسل إيران المال والسلاح المتطوّر ويحمل سفيرها جهاز اتّصال يديره “الحزب”، بينما في المقابل السيادة منتهَكة حصراً على يد أميركا وسواها.
المسؤوليّة على عاتق أصحاب الدّار
في الماضي، ساهم النزاع مع إسرائيل في توحيد العرب، وتحديداً بعد هزيمة 1967، بينما هزائم اليوم في غزّة ولبنان باتت حافزاً لموقف عربيّ جامع تجاه إيران. اللاءات الثلاث والمصالحة السعوديّة-المصريّة في مؤتمر الخرطوم في 1967 أضحت “نَعَماً” عربيّة واحدة اليوم لدولة فلسطينيّة قابلة للحياة. في السابق، كان لبنان ساحة مشرّعة الأبواب برضى إقليميّ ودوليّ. انتهت وظائف هذه الحقبة وجدواها لأسباب تتخطّى لبنان.
الطموحات التوسّعيّة للحركة الصهيونيّة معروفة، إلّا أنّ الهدف الأوّل لإسرائيل في المرحلة الراهنة هو فلسطين، لا سيّما أنّ قدراتها محدودة، وهي مضخّمة بسبب دعم أميركا
قبل نصف قرن أو أكثر كانت فرنسا بقيادة ديغول وأميركا بقيادة جونسون ونيكسون، وانتقلت إسرائيل من قيادة بن غوريون ورابين إلى بيغن ونتنياهو، وإيران من الشاه إلى الوليّ الفقيه، وقبل سنة سقط نظام الأسد وانقطع النفوذ الإيرانيّ في سوريا. والسلسلة تطول. تبدّلات وازنة شهدها العالمان العربيّ والإسلاميّ ودول الغرب والشرق لأسباب متنوّعة. في المقابل، بقيت حرب لبنان-إسرائيل على حالها، ومعها الذرائع المتوارَثة.
واقع الأمر أنّ مشروع استعادة الدولة في لبنان مطروح، بمعزل عن مطالبات الجهات الخارجيّة، وذلك انسجاماً مع تحوّلات المنطقة والعالم: من أميركا إلى مصر والمملكة السعوديّة، ومن إيران وإسرائيل إلى تركيا ودول الاتّحاد الأوروبيّ وسواها. تكمن الترجمة العمليّة لهذه الوقائع في احتكار الدولة القدرات العسكريّة في الداخل وتجاه الخارج، مثلما هي حال الدول جميعها.
الإنكار ممكن، والشعارات لا تنضب، إلّا أنّ اعتداءات إسرائيل متواصلة والتعافي الداخليّ متعثّر. أمّا المسؤوليّة فتقع في نهاية المطاف على عاتق أصحاب الدار، حكّاماً ومحكومين، لا سيّما أنّ العالم، القريب والبعيد، تتجاذبه مصالح وغايات متبدّلة تتجاوز لبنان ومعادلاته المتشابكة.
- أساس ميديا






















