ما كان التنوّع الاجتماعي في التجربة السورية، سبباً مباشراً أو محتملاً لأي انقسام، فالمجتمع السوري عرف عبر تاريخه الحديث، تعدداً دينياً ومذهبياً وإثنياً ومناطقياً، وعاش هذا التعدد ضمن أنماط تفاعل يومية من دون أن يتحول تلقائياً إلى حالة تصدّع عام. التحول الحاسم قد يكون وقع في طريقة إدراك هذا التنوّع وفي آليات تفسيره، لذا فإن ما تغيّر كان كيفية إصدار الأحكام على الاختلاف، لا وجود الاختلاف نفسه.
الحكم المسبق ضمن هذا المستوى، ما هو إلا نمطٌ مستقر من التفكير الجماعي، يقوم على اختزال الجماعات والأفراد في صفات ثابتة، وعلى ربط الانتماء الاجتماعي بمواقف سياسية أو أمنية مفترضة. هذه الآلية التي تختصر الواقع الاجتماعي في قوالب جاهزة، تؤدي مع الوقت إلى تراجع القدرة على التعامل مع المجتمع كشبكة علاقات متداخلة، وليحلّ محلها تصور مبسّط يقوم على الفرز.
كما يمكن النظر إلى الانقسام الاجتماعي إذا ما كان نتيجة لخلل مزمن في آليات الاندماج، حيث تفشل البُنى العامة في تحويل التعدد القائم إلى علاقات تكاملية بين الأفراد والجماعات، لذا فإن غياب مسارات الاندماج يجعل الاختلافات قائمة بذاتها، من دون أن تُترجم إلى أدوار أو وظائف متكاملة داخل المجتمع، ما يفتح المجال أمام تَحوّلها إلى خطوط فصل صلبة.
استمرار توصيف الأفراد والجماعات وفق انتماءات مسبقة يعيد إنتاج الانقسام بصيغ مختلفة، حتى عندما تتبدّل السياقات العامة، انطلاقاً من أن إعادة تنظيم المجال العام تتطلب إعادة ضبط اللغة، وإخراجها من وظيفة الفرز إلى وظيفة الوصف.
وضمن سياقات الانقسام يتحوّل الانتماء من إطار تفاعلي مفتوح إلى وسيلة وقائية، بحيث لا يعد الانتماء مجرد تعبير عن هوية اجتماعية، إذ يصبح أداة لتنظيم الثقة والوصول إلى الموارد الرمزية والمادية. هذا التحول يعيد بدوره ترتيب العلاقات الاجتماعية على أساس القرب والانغلاق، وليس على أساس المشاركة والانفتاح، ما يرسّخ الانقسام حتى في غياب صراع مباشر.
إن الفرق بين التنوّع والانقسام يُقاس بطريقة تنظيم الاختلافات، فالتنوّع يسمح بالتجاور ضمن قواعد مشتركة، في حين يقود الحكم المسبق إلى بناء تراتبية غير معلنة بين الجماعات. عديدة هي الحالات التي تشابه الحالة السورية، حيث لم يحدث الانتقال بشكل فجائي، وإنما عبر مسار تراكمي من تقنين التصنيفات، بحيث صارت المفردات المتداولة تحمل دلالات سياسية واجتماعية ثابتة؛ ومع كل مرحلة من هذا المسار، ضاقت مساحة التفاعل المشترك واتسعت دائرة الشك.
كما لا يقتصر الانقسام الاجتماعي على لحظة تشكّله الأولى، إنما يكتسب مع الزمن طابعاً اعتيادياً، فما يبدأ كاستجابة ظرفية لتوتر سياسي أو أمني يتحول تدريجياً إلى نمط تفكير مستقر. في هذه المرحلة، يصبح الانقسام جزءاً من التنظيم اليومي للعلاقات الاجتماعية، فالناس يمكن أن يتعاملون معه كمعطى قائم، وتُبنى القرارات الفردية والجماعية على افتراض استمراره، حيث تكمن خطورة هذا التحول في هدوئه، إذ يفقد المجتمع حساسيته تجاهه، ويتوقف عن رؤيته كخللٍ يحتاج إلى معالجة.
وفي البيئات التي تتسم بغياب الاستقرار، يميل الأفراد إلى البحث عن صيغ تفسير مبسطة للواقع، حيث يعمل الانقسام في هذا المعنى كآلية ذهنية لتقليل التعقيد، عبر تقسيم العالم الاجتماعي إلى فئات واضحة وسهلة القراءة. هذه الآلية قد لا تنبع بالضرورة من عداء متبادل، وإنما بالأصل من حاجة معرفية إلى الوضوح في إطار غامض، غير أن هذا التبسيط يمكن أن يتحول إلى بنية إدراكية تعيق أي مقاربة أكثر تركيباً للواقع.
في حين تبدو أي محاولة لإعادة بناء المجال الاجتماعي من دون مراجعة لغة الحكم محدودة الأثر، فاستمرار توصيف الأفراد والجماعات وفق انتماءات مسبقة يعيد إنتاج الانقسام بصيغ مختلفة، حتى عندما تتبدّل السياقات العامة، انطلاقاً من أن إعادة تنظيم المجال العام تتطلب إعادة ضبط اللغة، وإخراجها من وظيفة الفرز إلى وظيفة الوصف.
الدولة الحديثة تقوم على قواعد عامة تساوي بين الأفراد، وتفصل بين الانتماء والحقوق، لذا فإن تحقيق ذلك يمر عبر سياسات تعليمية وإعلامية وقانونية تعيد تعريف الفرد كمواطن كامل الحقوق.
نظرياً فإن الأفراد يميلون إلى تعزيز قيمة الجماعة التي ينتمون إليها عبر المقارنة مع جماعات أخرى، حتى في غياب صراع مادي مباشر. وضمن السياق السوري، أسهمت الظروف السياسية والاقتصادية في تعزيز هذا الميل، إذ تحوّل الانتماء من إطار اجتماعي مرن إلى أداة لتعريف الذات في بيئة غير مستقرة. والانقسام وفق هذا المنظور، يحتاج إلى سياق يسمح بتحويل الانتماء إلى معيار للثقة والشرعية.
أيضاً يمكن لنا قراءة الانقسام الاجتماعي في الحالة السورية من خلال مفهوم “الحدود الرمزية” كما طوّرته عالمة الاجتماع الأميركية ميشيل لامونت، حيث يوضح لنا هذا المفهوم أن المجتمعات تنقسم عبر خطوط رمزية غير مرئية تُرسم في الوعي الجمعي، وتُستخدم لتمييز “نحن” عن “هم”. هذه الحدود تنظّم الوصول إلى الاعتراف والشرعية والثقة، بحيث تتحول الحدود الرمزية في السياق السوري، من أدوات توصيف اجتماعي إلى آليات فرز سياسي، ما قد يجعل الانقسام يبدو طبيعياً ومبرراً ضمن المخيال العام، حتى قبل أن يُترجم إلى صدام مفتوح.
المرحلة الراهنة تمثل اختباراً لهذا المسار، فالسؤال المطروح يمكن أن يتعلق بمدى تغيّر أنماط التفكير التي حكمت العلاقات الاجتماعية والسياسية لسنوات. وعليه فإن استمرار منطق التصنيف، مهما اختلفت مبرراته، يعني بقاء المشكلة على مستوى أعمق من الظواهر السياسية، فإعادة فرز الأفراد أخلاقياً أو سياسياً أو اجتماعياً تعيد إنتاج البنية نفسها التي قادت إلى الانقسام.
المقاربة العملية لهذا التحدي ترتبط بمفهوم الدولة بوصفها إطاراً قانونياً ينظّم الاختلاف ويحدّ من تحويله إلى أداة إقصاء، فالدولة الحديثة تقوم على قواعد عامة تساوي بين الأفراد، وتفصل بين الانتماء والحقوق، لذا فإن تحقيق ذلك يمر عبر سياسات تعليمية وإعلامية وقانونية تعيد تعريف الفرد كمواطن كامل الحقوق.
- تلفزيون سوريا


























