أسباب العداء بين الإدارات الأمريكية المتعاقبة ونظام آيات الله في إيران كثيرة وقديمة، متكاثرة أيضاً ومتجددة، ويحسن القول إنها تعود إلى الأشهر الأولى التي أعقبت انتصار الثورة الإسلامية وإسقاط نظام الشاه سنة 1979؛ بل تكشفت تباعاُ وقائع تشير إلى أنّ أنساق التآمر الأمريكية ضدّ الثورة بدأت منذ الأسابيع الأبكر للاحتجاجات الشعبية العارمة ضدّ الشاهنشاهية، مطلع العام 1978. بذلك فإنّ السلوك الاستعدائي الراهن الذي يعتمده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضدّ النظام في إيران يندرج في نمط المواجهة ذاتها، حتى إذا ذهب أبعد في الاستفزاز اللفظي أو التهديد بالعمل الهدام العسكري والاستخباراتي؛ على وتيرة ما صار معهوداً في طرائق ترامب إجمالاً، وكلما اتصل الأمر ببئر نفط متدفق لتوّه أو كامن، هنا وهناك في أرجاء العالم.
وفي المقابل، ليست أسباب السخط على نظام آيات الله قليلة أو حديثة العهد لدى شرائح متعددة ومتنوعة في الشارع الشعبي الإيراني، بل تعاقبت مراراً حلقات الاحتجاج واسعة النطاق، لأسباب اقتصادية وسياسية واجتماعية وحقوقية واصلت ضرب جذورها في تربة خصبة؛ وقوبلت، على الدوام في واقع الأمر، بالبطش والخشونة واستخدام أقصى حلول العنف وأشدّ أدوات القمع. ولأنّ تراث العداء الأمريكي، بتكاتف تامّ ومباشر من دولة الاحتلال الإسرائيلي، اقترن من جانب النظام الإيراني بالإصرار على مبدأ «تصدير الثورة»، وإقامة أذرع وميليشيات مذهبية في لبنان والعراق واليمن، والتدخل في سوريا والجوار الخليجي، وتطوير برنامج نووي يذهب في تخصيب اليورانيوم إلى درجات بمثابة خطوط حمراء عند جبابرة الكون… فقد توجّب أن تخلّف العقوبات الخانقة المفروضة على طهران سلسلة عواقب اقتصادية ومعيشية تُثقل كاهل المواطن الإيراني، وتغذّي الغضب والاحتجاج والتظاهر والرفض و… الثورة على الثورة، كما قد يصحّ القول.
هذه الحال من التقابل، بين خصوم آيات الله في الخارج (الولايات المتحدة أولاً، ثمّ دولة الاحتلال، فالغالبية العظمى من الدول الغربية) وتيارات الاحتجاج والسخط والرفض والثورة في الداخل (نطاق اجتماعي واسع، متداخل، تنامى وتشعّب وتقاطعت مصالحه سنة بعد أخرى، وتفاقمت معاناته عقداً بعد آخر)؛ ليست، أغلب الظنّ، مرشحة لاستيلاد ديناميات فعلية مشتركة تجعل حراك الداخل رهناً بتحريض الخارج، وتُترجَم خلال زمن منظور إلى صياغات ميدانية فعلية يمكن أن تؤذي بنية النظام، أو تكسر عمارته الأمنية والسياسية والدينية/ العقائدية، وتضعه استطراداً على حافة انهيار مضطرد.
وأن يسيل لعاب ترامب وكبار مساعديه على ثروات إيران، أو أن يحلم بنيامين نتنياهو بإسقاط خصم أكبر على رقعة شطرنج «الشرق الأوسط الجديد»، وأن تدغدغ باريس وبرلين ولندن وروما آمالُ إزاحة هاجس نووي شرق أوسطي؛ أمر مختلف، في العمق والمنطق الجيو ـ سياسي السليم ومعضلات المنطقة القديمة ورمالها المتحركة المقيمة، عن أغراض تبسيطية من حيث الشكل، عسيرة عويصة من حيث المحتوى، مثل تغيير النظام في إيران، أو حتى تهذيب سلوك آيات الله في المنطقة، وفي سوق النفط، وفي بورصة البرامج النووية خارج نوادي الكبار عموماً وضمن سياق متفجر مثل «القنبلة النووية الإسلامية» على وجه الخصوص.
أسباب العداء بين الإدارات الأمريكية المتعاقبة ونظام آيات الله في إيران كثيرة وقديمة، متكاثرة أيضاً ومتجددة
وليس ببعيد ذلك الزمن الذي حلم فيه رئيس أمريكي أسبق مثل جورج بوش الابن بزعزعة استقرار إيران، إلى درجة تهديد نظام آيات الله، وذلك عن طريق «فقهاء» في أصول تحريك التظاهرات، وتسييس المطالب المعيشية والحقوقية والسياسية المشروعة؛ من دون الحاجة إلى استخدام الحديد والنار والقاذفات والصواريخ والبوارج، بإشراف من أمثال بول ولفوفيتز وريشارد بيرل ورهط المحافظين الجدد آنذاك. وأمّا أولى معضلات ذلك التخطيط فقد تلخصت في صعوبة التوصل إلى، ثمّ بلوغ وإدارة، مصالحة ميدانية ملموسة بين مطالب المتظاهرين المعيشية والإصلاحية المتقدّمة من جهة؛ وسلطات رئيس إيراني إصلاحي أصلاً وإنْ مقيّد الصلاحيات مثل محمد خاتمي من جهة ثانية، وإزاء سلطات مرشد الثورة الإسلامية الأعلى علي خامنئي حيث لا إرادة تعلو على ما يريد الوالي الفقيه.
معضلة أخرى أوقعت خبراء شؤون إيران في حيص بيص، وهي أنّ تلك الحقبة من الانشطار الثلاثي للحال في إيران انطوت على تطوّر محيّر، تمثل في دعوة التظاهرات إلى استقالة خامنئي وخاتمي معاً، وعلى قدم المساواة؛ وأنّ المطلب ذاك اعتنقته أيضاً مجموعة من 842 شخصية إصلاحية بارزة، ساجلت علانية بأنّ وضع أشخاص في موقع السلطة المطلقة الأقرب إلى الألوهية، هو «هرطقة واضحة تجاه الله»، و«تحدّ واضح لكرامة الإنسان»، وكانت تلك إشارة عدائية لمبدأ ولاية الفقيه هي الأوضح والأكثر جرأة منذ انتصار الثورة الاسلامية في إيران. كذلك لم يكن غريباً أن يضطرّ الرئيس الإيراني إلى امتداح المتظاهرين والشرطة في آن معاً، معتبراً أنّ من حقّ الشعب الاحتجاج، ومن حقّ الشرطة مواجهة الأشخاص الذين تعمدوا إساءة استخدام مثل هذه التظاهرات السياسية.
مكشوف من جانبه، وربما مفتضَح لدى قطاعات غير ضئيلة في قلب الحراك الشعبي الراهن في إيران، خطاب ترامب والشركاء، وقبله رؤساء أمريكيون آخرون وشركاؤهم، لاستغلال تطلّع أبناء إيران إلى ديمقراطية أوسع وأكثر تمدّناً، وفي الآن ذاته مطالبة التظاهرات بالاستيلاء على السلطة والمؤسسات. وكثيرة متعددة، غنية بالدروس والعبر، هي تجارب الشعوب مع مخططات أمريكية لاختراق صفوف المتظاهرين، وتجنيد عملاء، والتدخّل في تنظيم وتسيير التظاهرات بالمعني اللوجستي والمادّي. غير أنّ للحقيقة وجهها الآخر الأكثر أهمية، ورجال الدين الإيرانيون خير مَن يعرف أنّ هذه المطالب الإصلاحية ليست بنت اليوم، ولا هي من صنع الولايات المتحدة (وائدة تجربة رئيس الوزراء الإيرانيّ الوطني الديمقراطي محمد مصدّق)؛ بل هي تعود بجذورها إلى مطالع القرن الماضي من جهة أولى، وكان أبرز روّادها رجال الدين الإيرانيون أنفسهم من جهة ثانية.
وهم في هذا كله ليسوا طارئين على تاريخ إيران، ولن يكونوا آخر المكافحين من أجل مستقبل ديمقراطي أفضل. في عام 1911 لم يتردد فلاديمير إيليتش لينين، زعيم البلاشفة وقائد أوّل حكومة ثورية على الطراز الماركسي، في القول إنّ واحدة من أبرز علائم اليقظة الآسيوية تتبدّى بعمق في «حركة المشروطة»، أو التسمية الثانية للثورة الدستورية الإيرانية التي اندلعت عام 1905 ضدّ الشاه مظفر الدين. وتلك كانت انتفاضة قادها فقهاء ومشايخ شيعة بارزون من أمثال محمد الطباطبائي وعبد الله البهبهاني وكاظم الخراساني (بين أنسب ألقاب هذا الأخير أنه الأب المؤسس للدستور والنهضة والإصلاح السياسي في إيران) وعبد الله المازندراني ومحمد حسين النائيني…
في الصف المناهض، والذي كان يقود الماء إلى طاحونة الشاه عملياً، تمترس نفر من رجال الدين وآيات الله، استحقوا بالفعل تسمية «أنصار المستبدّة»، ولم يتحرّج النائيني في وضعهم ضمن فريق «عَبَدة الظالمين» و«علماء السوء» و«لصوص الدين» و«مُضلّي ضعفاء المسلمين». النائيني كان يستلهم جمال الدين الأفغاني وروحية كتابه «طبائع الاستبداد»، ولكن في ميدان سياسي فقهي شائك هو الإمامة الغائبة ومدى حقّ الأمّة في ولاية نفسها وتشكيل حكومة زمنية عادلة، بدل الركون إلى حكومة لازمنية مطلقة (ومستبدة بالضرورة، لأنها جزء من شعبة الاستبداد الديني حسب النائيني أيضاً).
ولعلّ انضمام تجار البازار إلى تظاهرات الاحتجاج يمثل نقلة نوعية كبرى، ليس لأنهم حلفاء آيات الله في السابق وينتفضون اليوم دفاعاً عن مصالح عابرة للطبقات فحسب؛ بل كذلك لأنّ أوان استئناف «الحركة المشروطية» قد آن كما يلوح، وتوجب أن يعيد التاريخ تدوير تلك الصفحة المشرقة.
كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
- القدس العربي

























