الاحتجاجات تتزايد في إيران وتنتشر في شكل مستمر في أنحاء الجمهورية ومدنها الكبرى، ولا يزال من المبكر الحكم على مآلاتها، إلا أن طبيعة الاحتجاجات وأهدافها والشرائح الاجتماعية المشاركة فيها تشير إلى أنها تشكل تهديداً حقيقياً لاستمرار النظام الإيراني، وباعتقادي أن ذلك أمر مرجح خصوصاً بعد مراقبة الديناميات التي تتحرك فيها، وحدود الرد عليها، فهذه هي المرة الأولى التي تكون فيها القاعدة الاجتماعية للاحتجاجات هي قاعدة النظام ذاتها.
في الواقع، عاشت إيران منذ انتصار ثورة عام 1979 ستة حركات احتجاجية على الأقل، فشلت جميعها أن تتحول إلى ثورة تهدد بقاء النظام:
في (1979 – 1980)، شهدت إيران احتجاجات نسائية ترفض السياسات الدينية والاجتماعية التقييدية التي اتبعها النظام وفرض الحجاب، لكن الاحتجاجات لم تتحول إلى احتجاجات شعبية واسعة، وتوقفت. و20 في حزيران/يونيو 1981 اندلعت احتجاجات في عدة مدن تقف خلفها قوى سياسية، في شكل رئيسي منظمة مجاهدي خلق الإيرانية وأطراف معارضة أخرى، احتجاجاً على قرار إقالة الرئيس بانيسدر، شارك فيها آلاف المتظاهرين، لكنها أخمدت بالعنف وأدت إلى سقوط قتلى واعتقالات كثيرة.
حصلت في التسعينيات عدة حركات احتجاج لأسباب اقتصادية في بعض المدن، لكنها كانت ضعيفة ومحلية وانتهت بسرعة، إنما عام 1999 وقعت أشهر الاحتجاجات وهي التي قام بها الطلاب في طهران. انتشرت في مدن أخرى بسبب إغلاق صحيفة إصلاحية. كانت المطالب تتركز حول حرية التعبير والإصلاح، وأيضاً قمعت الاحتجاجات بعنف.
وفي عام 2009 قامت الحركة الخضراء التي أطلقها أنصار المرشحين الإصلاحيين للانتخابات الرئاسية، احتجاجاً على نتائج الانتخابات وتدخل المحافظين فيها، شارك ملايين في الاحتجاجات في طهران ومدن أخرى، وشكلت تهديداً للنظام، ولكنها قمعت بقسوة، وانتهت كالعادة بقتلى ومعتقلين، ونظراً لانتشارها وحجم المشاركة فيها اعتبرت أهم احتجاجات شكلت تهديداً للنظام منذ عام 1979،
وعندما اندلعت الثورة السورية عام 2011 قدم النظام خبرته في قمع الحركة الخضراء لنظام الأسد، كما يقول الجنرال حسين همذاني، قائد الحرس الثوري في سوريا (2012-2015) في مذكراته “رسائل الأسماك”.
في أيلول/سبتمبر 2022 اندلعت احتجاجات بعد مقتل سيدة إثر اعتقالها من قبل “شرطة الأخلاق” بسبب مخالفة قواعد الحجاب تحولت إلى احتجاجات واسعة ضد القمع والتمييز ضد المرأة، وبشكل وأوسع ضد النظام السياسي نفسه، وشملت مشاركات ضخمة في المدن الإيرانية، وردّت السلطات بقمع شديد، لكن الاحتجاجات استمرت أشهراً إلى أن أخمدت.
يمكن ملاحظة أن جميع الاحتجاجات الكبيرة التي قامت خلال السنوات السابقة يجمعها أمران: النخبوية، فمن قام فيها نخبة سياسية أو مسيسة أو فئات اجتماعية محدودة، الأمر الثاني أنها لا تحظى بتوافق شعبي عموماً، خلافاً للاحتجاجات الحالية، فهي انطلقت أولاً من البازار، القاعدة الاجتماعية للنظام، كما أن القضية التي دفعتها (تدهور اقتصادي حاد) للاحتجاج تحظى بموافقة واسعة، ما يجعلها أخطر من أي حركة احتجاج سابقة.
كما أن ثمة سياقاً سياسياً إقليمياً ودولياً مضاداً للنظام الإيراني، فمن جهة، هناك الهزيمة الساحقة التي مني بها في سوريا، وأيضاً في سياق انتهاك غير مسبوق للسيادة الإيرانية بعد تعرض إيران لقصف أميركي وإسرائيلي مدمر شمل المفاعلات النووية والترسانة العسكرية.
فيما تصدر إدارة ترامب تهديدات متنوعة للنظام الإيراني بعد اعتقال الرئيس الفنزويلي وتجاوز كل القواعد الدولية، والتلويح بأعمال تستهدف القيادة الإيرانية إذا قمعت الاحتجاجات بعنف، ما يدفع مزيداً من الشرائح الإيرانية للانخراط، ويضعف قدرة النظام الإيراني على الرد، ما سيؤدي إلى توسعها بالضرورة.
وبغض النظر عن التهديد الأميركي الذي يهدف للتأثير على الاحتجاجات ومدها بالوقود والأمل، فإن إمكانية قمعها من قبل النظام الإيراني نفسها مستحيلة؛ لأنها جاءت من القاعدة الاجتماعية للنظام نفسه، فأي عمليات قمع ستكون بمثابة إطلاق الرصاص على قدمه، لأنها ستدفع مزيداً من الشرائح في هذه القاعدة الاجتماعية للتضامن والخروج إلى الشوارع.
ثمة أمر آخر يجدر التنويه إليه، وهو أن البدائل السياسية تتبلور، فثمة مقترحات تبدو مقبولة على نطاق واسع تتعلق بالمرحلة الانتقالية، بينها ابن شاه إيران المخلوع، لكن رمزية الأمر بعد ثورة على حكم والده قد لا تحظى بالإجماع المناسب، فيما يرجح أنها إذا تمت فستتم بشكل تفاوضي داخلي، ولن يكون ثمة إمكانية لاستخدام العنف المفرط لما سبق وأشرت إليه.
في الواقع، شكلت احتجاجات البازار “فرصة سياسية” التقطها الناشطون والقوى السياسية المناهضة للنظام، ونقلوها إلى نطاق أوسع، عبر تفسيرها بشكل بسيط سياسياً، فالمشكلة المتفاقمة التي يواجهها البازار هي نتيجة سياسات النظام، و بالتالي فعلاجها يتطلب تغييراً من داخله.
وبما أن التغيير غير ممكن، فالتحول إلى تغيير النظام أمر محتم، وهذا وسع من الشرائح المنضمة للاحتجاجات، وبما أن الحلول تتطلب سياسات طويلة الأمد في اقتصاد منهك ويعاني من الأزمات الداخلية والعقوبات الدولية، فإن فرص امتصاص الحركة الاحتجاجية شبه معدومة، وفي حال لجأ النظام إلى زج مؤيديه في مواجهة المحتجين فإنه يخاطر بخسارة المزيد منهم، خصوصاً إذا صاحب ذلك عمليات قمع ولو محدودة، وهي تحدث الآن بالفعل وعمليات القمع هذه ستؤدي إلى توسيع التضامن واضعاف دعم النظام.
هذه ديناميات معروفة في دراسات الحركات الاجتماعية، وريثما يحدث ما بات احتمالاً قوياً في إيران، أعني دخول النظام في حالة فقدان السيطرة والبدء بالعد العكسي لسقوطه، فإنه يجب أن يتم بحث السيناريوهات المحتملة لسقوط النظام وارتدادها على سوريا، باعتبار أننا معنيون بسورية أولاً.
فإذا سقط النظام الإيراني دون تسليم السلطة عبر انتقال سياسي سلس على أساس تفاوضي، فإن استمرار وحدة البلاد سيكون أمراً مشكوكاً فيه، وعلى رأس الاحتمالات هو تأسيس إقليم كردي شمال غرب إيران، يشمل محافظات كردستان وكرمانشاه وعيلام وأجزاء من محافظتي همدان ولرستان.
وإذا حدث هذا فسيشكل خطراً على أمن تركيا القومي بشدة، ويغذي الطموحات الانفصالية الكردية في جنوبها الشرقي، واستشعار هذا الخطر ستكون له انعكاسات على سوريا، حيث سيكون على رأس أولويات تركيا إنهاء الخطر الذي يشكله تنظيم قسد على أمنها، وهذا قد يسرع من مسار الحل العسكري.
سيكون الأمر مختلفاً في حال تم انتقال السلطة في شكل هادئ، حيث سيقلل من النزعات الانفصالية، أو سيحد منها عبر سياسات احتواء وبقاء السيطرة على المؤسسات الأمنية والعسكرية قائمة. ولذلك، إذا غامر النظام باستخدام الحرس الثوري والجيش فإنه يسوق البلاد للتقسيم في شكل مؤكد، إذا ما فشل في قمع الثورة كما هو متوقع.
وفي كل الأحوال، بالنسبة لسوريا فإن استشعار التغييرات القادمة، وإعداد السيناريوهات المناسبة أمر ضروري وعاجل.
- الثورة السورية






















