آلت محافظتا دير الزور والرقة إلى سيطرة دمشق، وبقيت محافظة الحسكة تحت سيطرة قسد حتى كتابة هذه السطور. إلا أن هذه الوضعية مؤقتة بموجب الاتفاق الجديد الذي وقّعه الشرع، وينصّ على سقف أدنى لقسد مما كان في اتفاق العاشر من آذار. فالاتفاق الجديد الذي يدفن سابقه واضح لجهة غياب الشراكة السياسية بين الجانبين الموقّعين عليه، لصالح دمج عناصر قسد كأفراد ضمن سلطة المركز. وكان المطلب الرئيسي لقيادة قسد أن تُدمج قواتها ككتلة لها نوع من الاستقلالية ضمن الجيش وقوات الأمن.
إذاً، ما لم تحدث تطورات دراماتيكية، قد لا يطول الوقت قبل إسدال الستار على قسد وباقي المنظومة العسكرية لحزب الاتحاد الديموقراطي الكردي. وحتى بقاء قسد لبعض الوقت في الحسكة لن يكون له الثقل الذي كان لها أثناء السيطرة على المحافظات الثلاث. والحسابات لا تقتصر على المساحة الواسعة التي خسرتها مؤخراً، فهناك آبار النفط والغاز التي خسرت إيراداتها، ما يجعلها أكثر بكثير من قبل رهْن المساعدات الأميركية، وتالياً توجهات واشنطن، التي لم تمانع في شن العملية العسكرية التي أخرجت قسد من حيين في حلب، ثم من ريف حلب وصولاً إلى حدود الحسكة.
جدير بالتذكير أن ترامب في ولايته الأولى كان عازماً على الانسحاب من سوريا، وتراجع تحت ضغوط الحلقة الأمنية التي كانت ترى في البقاء مكسباً أكثر من تكاليفه. ذلك أيام حكم الأسد، أما وقد سقط الأخير، وهناك حكم بديل على علاقة جيدة مع واشنطن وحلفائها، فلن يلاقي الانسحاب اعتراضاً في دوائر القرار الأميركية. على سبيل المثال، أثناء التطورات السورية الأخيرة انسحبت القوات الأميركية من قاعدة في العراق، وحدث ذلك بصمت تام، ومن المحتمل حدوث ذلك في سوريا قريباً.
ولا يخطئ أنصار السلطة الذين رأوا في التطورات الأخيرة رسالة لا تقتصر على أكراد سوريا، بل تذهب إلى آخرين طامحين إلى الانفصال عن المركز، إما عبر انفصال تام أو لا مركزية موسعة جداً. وبالطبع لا تزال فرضيات أخرى تلقى الرواج، تقوم بمعظمها على رغبات أصحابها بلا سند واقعي. منها مثلاً أن انكفاء قسد يمهد لفيدرالية بعد إعادة الرقة والدير بأغلبيتهما العربية، وأن هذه الفيدرالية ستُطبّق أيضاً في الساحل والسويداء. إلا أن رواج الأقاويل يشي بإفلاس سياسي، وبتعويل على مجهول يُحاك في الخفاء، مبنيٌّ على عدم تصديق السلوك المعلن لقوى دولية وإقليمية ليس إلا.
وكان التنظير لتقسيم سوريا قد لقي رواجاً بعد سقوط الأسد، خصوصاً بعد مجازر الساحل ثم السويداء، أيضاً من دون انتباه إلى عدم تأثير تلك الانتهاكات على السياسات الدولية. جدير بالتذكير أيضاً أن قوى دولية، منها أميركا، وقوى إقليمية عديدة كانت مستعدة لإعادة تدوير الأسد والتطبيع معه بعد ارتكابه مجازر كبرى وإدانته في المحافل الدولية. أما تغيير الخرائط فمن الخطأ الظنّ أنه يحدث بسهولة، أو أن القوى الفاعلة ترغب فيه، أو تدفع في اتجاهه. وفي التاريخ القريب هناك تجربة إقليم كردستان في العراق، إذ مُنع استقلال الإقليم بعد استفتاء حاز فيه مؤيدو الاستقلال أغلبية لا جدال فيها، مع التنويه بأن الإقليم يحظى بحكم ذاتي قريب عملياً من الاستقلال.
صحيح أن الحدود الحالية لدول المنطقة رُسمت قبل قرن بإرادات دولية، والصحيح أيضاً أن الإرادات الدولية غير متوفرة لإعادة رسم خرائط المنطقة. وتجارب الاحتراب الداخلي في العديد من الدول، إذا كانت تشير إلى أزمات في التعايش بين جماعاتها، فهي تؤكد في المقابل على أن خيار التقسيم لم يكن واراداً، ودونه إرادات دولية، مثلما دونه المزيد من إراقة الدماء بين الجماعات التي ستقاتل كلّ واحدة منها للاستحواذ على نصيب من الأرض والثروة. وفي حالات نادرة جداً أثبت الانفصال أن مقولة “نريد ديكتاتوراً من جماعتنا” لا تصنع فرقاً حقيقياً، وهو ما حدث في سوريا المقسّمة خلال السنوات الماضية بين سلطات أمر واقع غير ديموقراطية. في السنوات ذاتها رأى السوريون كيف استخدمت قوى الخارج الفصائل العسكرية السورية، بمختلف تناقضاتها، بعيداً عن أي هدف وطني، وكان يكفي أن تتفاهم قوى الخارج لينصاع الداخل على النحو الذي كان فاقعاً بقوة في اتفاقيات خفض التصعيد.
من الخطأ بعد التطورات الأخيرة عدم رؤية توجهات إدارة ترامب في المقام الأول، وقد أكّدت في العديد من المناسبات على “سوريا موحَّدة”، وعلى دعمها مشروع اندماج. الرسائل الأميركية غير بعيدة عن المطالبات الداخلية بالفيدرالية أو اللامركزية، أي أن واشنطن لا تتبنى هذه المطالبات ولا تشجّع عليها. وفضلاً عن مزاج ترامب الشخصي، من المنطقي للإدارة الأميركية، وللعديد من قوى الخارج، أن تفضّل التعامل مع قوة محلية واحدة منضبطة على التعاطي مع قوى متنافرة، ما لم يكن للقوة الخارجية مصلحة مباشرة في الإبقاء على الانقسام. وبقاء جيب منعزل هنا أو هناك لن يغيّر في المنحى العام، بل ستكون إعادته إلى المركز مسألة وقت.
لكن ستبقى المشكلة مزمنة إذا بقي الذين سينضوون مُكرَهين تحت حكم المركز على قناعاتهم بأن الحل الوحيد هو بالانفصال عنه. فهذا التصور يستثني سلفاً إمكانيات التغيير ضمن المركز نفسه. القناعة بحتمية الانفصال ستساهم في صنع قضايا من نوع “قضية درزية” و”قضية علَوية” وبالطبع ثمة “قضية كردية جاهزة”، والواضح أن أدبيات هذه “القضايا” تستند إلى أفكار حركات التحرر العائدة لزمن مضى، والتي انتعشت في ظروف استعمارية مختلفة عن الصراعات الداخلية حالياً.
نعود للتأكيد على أن الانفصال، حتى إذا كان ممكناً على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية…، هو قضية مشتركة، ما يقتضي أولاً اتفاقاً بين مختلف الأطراف كي لا تدخل في حرب أهلية لا تُعرَف نهايتها. أيضاً، الانفصال ليس شأناً داخلياً على الإطلاق، ما يقتضي توفر البيئة الدولية المساعدة عليه، وذلك لا يعني قطعاً أن يحصل أي طرف على دعم خارجي مؤقت بطبيعته، أي لا يتبنى فيه الخارج بشكل واضح الطموحات الانفصالية.
يبقى أن هناك خياراً غير مفكَّر فيه، هو تعاون القوى ذات المصلحة المشتركة من مختلف الجماعات الأهلية، أي على الضد مما جُرِّب بدرجات متفاوتة في الماضي القريب والبعيد وأوصل السوريين جميعاً إلى هذا الدرك من الانقسام. ينطلق هذا الخيار من قناعة مختلف الأطراف بحتمية التعايش، ومن أن عقلنة العيش المشترك هي أولوية مستدامة، وهي التي توجّه الأفكار نحو أفضل السبل لتحقيقه، فلا يكون هناك محرمات تتعلق بالنظام السياسي بوصفه وسيلة للعيش المشترك وضمانة للأفراد أيضاً.
سوريا، بهذا المعنى، ليست معطى بديهياً، بل تتأسس مجدداً بمجموع الإرادات المشتركة لسوريين لا ينتظرون من أية سلطة أن تقدّم لهم ما يشتهون، خصوصاً وهم منقسمون كما تشتهي أية سلطة. قد يبدو هذا مستحيلاً في ظل الانقسامات الدموية الراهنة، لكن التفكير فيه يبدأ من مقارنته بسيناريوهات ليس لها حظ أوفر من النجاح، لا في سوريا ولا في دول الجوار. أليست الواقعية، بحسب مقولة شهيرة، هي في طلب المستحيل؟
- المدن

























