ملخص
إذا أراد الشرع إكمال التحرك العسكري بحل مسألة الدروز والمطالبة في السويداء بحكم ذاتي وحتى بالانفصال فإنه في حاجة إلى تخلي إسرائيل عن لعبتها في حماية الدروز، وبالتالي دفع ثمن كبير لهذا التخلي. والشيخ حكمت الهجري محكوم بأن يفكر في الدرس الأميركي مع الكرد والدروس الإسرائيلية في التخلي عن الذين عملوا معهم في الصراع العربي- الإسرائيلي عندما جاءت دول الأكثرية العربية إلى اتفاقات السلام. ولبنان ليس خارج الدرس الأميركي، ولا العرب ولا إسرائيل.
مشروع “قوات سوريا الديمقراطية” انتهى، لكن الكرد باقون كمواطنين لهم حقوق وقومية لها ثقافة وتراث. ومن الخطأ والخطر إعادتهم إلى الوضع الذي كانوا يرددون فيه المثل الكردي الشهير “ليس للكرد صديق سوى الجبال”. ولا مفاجآت في “سوريا الجديدة” منذ وصول “هيئة تحرير الشام” إلى دمشق في فراغ نظام انهار وهرب رأسه، وتخلى قادة جيشه عن جنودهم، وتراجع الروس عن حمایته، وتبخر الحرس الثوري الإيراني و”حزب الله” وبقية الفصائل المرتبطة بإيران والمدافعة عن “الجسر السوري” للمشروع الإقليمي الإيراني تحت عنوان الدفاع عن نظام آل الأسد، واندفعت تركيا في دعم المسار من إدلب والسلطة الجديدة ولحقت بها أميركا.
كان واضحاً منذ ما بعد مجازر الساحل أن اتفاق مارس (آذار) بين الرئيس أحمد الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي جاء بالاضطرار لا بالخيار، وأن تطبيقه يصطدم بموقفين متعارضين من الدولة المركزية والدولة الفيدرالية. وكان واضحاً أيضاً أن إخراج قوات “قسد” من حي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب ليس رداً على خروق بل قرار سياسي يحل العقدة بالقوة والذهاب في الحملة العسكرية إلى النهاية غرب الفرات وشرقه على أساس مبدأ خلاصته: ما بدأ بالقوة على الطريق من إدلب إلى دمشق يكتمل بالقوة في بقية المناطق.
وما ساعد في اتخاذ القرار وتنفيذه يمكن اختصاره بأربعة أمور. الأمر الأول هو خطأ قادة “قسد” في قراءة التحولات وإصرارهم على مطالب يستحيل على دمشق قبولها، وتجاهل أنهم يحكمون منطقة حيوية أكبر من حجمهم الديموغرافي تشكل ثلث مساحة سوريا، وأن حلفاءهم من رجال العشائر العربية ينتظرون الفرصة للانفكاك عنهم وإنهاء التحكم الكردي بالمدن والقرى العربية في محافظات دير الزور والرقة والحسكة. والثاني هو قوه الدفع التركية وراء التحرك العسكري الذي قاده الشرع والفرصة التي جاءت على ساعة الرئيس رجب طيب أردوغان للتخلص مما يسميه “خطر الإرهاب الكردي” وإصراره على اعتبار “قسد” فرعاً من “حزب العمال الكردستاني” وقيادته في جبل قنديل، على رغم إعلان زعيمه المسجون في جزيرة إمرالي التركية عبدالله أوجلان التخلي عن السلاح والكفاح المسلح. والثالث هو رهان الرئيس دونالد ترمب على الرئيس أحمد الشرع في مهمتين حيويتين بالنسبة إلى أميرکا: العداء مع إیران بعد إخراجها من سوريا، والتفاوض على اتفاق سوري- إسرائيلي. والرابع هو الدعم العربي والأوروبي للرئيس الشرع وسوريا الجديدة.
والموقف الأميركي المتغير ليس فقط درساً للكرد بل أيضاً للشرع نفسه كما للدروز والعلويين ولكل العرب وحتى لإسرائيل. فالكرد الذين تعلموا الدروس الصعبة مع الكبار منذ الانقلاب على “معاهدة سيفر” التي أعطت لهم حق تقرير المصير وإقامة دولة وفرض “معاهدة لوزان” التي حرمتهم الأرض وهذا الحق، جاءهم الدرس الأميركي المكرر في فيتنام وأفغانستان: التحالف معهم مجرد وظيفة في محاربة “داعش”. ولم يكتم السفير الأميركي في تركيا والموفد إلى سوريا توم براك القول إن “الوظيفة انتهت بعد عشر سنين من التحالف” بعدما انضمت سوريا الى التحالف الدولي لمحاربة “داعش” والإرهاب.
والرئيس الشرع يعرف أن الدعم الأميركي القوي له هو من أجل دوره في إبقاء إيران وفصائلها خارج سوريا، والسعي لاتفاق مع إسرائيل والانضمام إلى “اتفاقات أبراهام” وتطبيق ما طلبه مجلس الأمن حول الانفتاح الداخلي في قرار إخراج الشرع ووزير داخليته من لائحة الإرهابيين. وأي خلل في ذلك يقود إلى تبدل في الموقف الأميركي من النقيض إلى النقيض.
وإذا أراد الشرع إكمال التحرك العسكري بحل مسألة الدروز والمطالبة في السويداء بحكم ذاتي وحتى بالانفصال فإنه في حاجة إلى تخلي إسرائيل عن لعبتها في حماية الدروز، وبالتالي دفع ثمن كبير لهذا التخلي. والشيخ حكمت الهجري محكوم بأن يفكر في الدرس الأميركي مع الكرد والدروس الإسرائيلية في التخلي عن الذين عملوا معهم في الصراع العربي- الإسرائيلي عندما جاءت دول الأكثرية العربية إلى اتفاقات السلام. ولبنان ليس خارج الدرس الأميركي، ولا العرب ولا إسرائيل.
والسؤال هو: ماذا بعد الحل العسكري وبعض الحل السياسي لمسألة “قسد” عبر اتفاق جديد. والجواب مطلوب من دمشق وكل القوى السورية والعربية والدولية التي ترفع شعار وحدة سوريا أرضاً وشعباً. فإذا كان بالإمكان توحيد سوريا بالقوة بعد 14 عاماً من حرب دمرت البلد وقسمت الأرض والناس وأحدثت خروقاً في النسيج الاجتماعي للسوريين، فإن الرهان على القوة وحدها يعني ترك البلد مجموعة قنابل موقوتة. والمهم ليس فقط سحب الفتيل للحؤول دون انفجار القنابل بل أيضاً تنظيف البلد من القنابل السياسية التي يأتي بها الظلم والقمع.
وما تركه بشار الأسد خلفه يكفي لكي تبادر الإدارة الجديدة إلى الانفتاح والمشاركة. فسوريا الموحدة تحت سلطة ضيقة تبدو أقرب إلى “الإمارة” منها إلى “الجمهورية”. والمرحلة الانتقالية في غياب اليقين حولها هي سؤال تتعدد الأجوبة عنه. فالمرحلة الانتقالية ليست وضع السوريين في حال انتظار لخمس سنوات بل وضعهم في ورشة عمل سياسي واقتصادي وثقافي لبناء ما يجب الانتقال إليه. ومن دون ذلك فإن المرحلة الانتقالية تبدو كأنها مراحل للانتقال مما سماها أبو بكر ناجي “إدارة التوحش” إلى “التمكين”. وهذا ما يعرف الجميع أن سوريا بطبائع الأمور، ليست مستعدة للتسليم بسلطة سلفية جهادية. وليس من المعقول تجاهل تاريخ الثورة السورية وإهمال مئات الألوف من الذين تظاهروا وطالبوا بالحرية والخبز في نظام ديمقراطي لدولة مدنية ودفعوا الثمن في السجون والقبور.
يقال إن ألكسندر المقدوني سأل الحكماء: “أيهما أبلغ، الشجاعة أم العدل”؟ وجاء الجواب: “إذا عملنا بالعدل نستغني عن الشجاعة”.
- إندبندنت



























