ما يلفت الانتباه أنّه لم يتطرّق في مقالته هذه إلى التطوّرات التي تجري في شمال شرقيّ سوريا، وكأنّ إسرائيل نفضت يدها من الأكراد، وسلّمت بالتأثير الأميركيّ المنفرد والنفوذ التركيّ الكامل في هذه المنطقة. من جهة أخرى، كان هنغبي صريحاً عندما أقرّ بحالة عدم اليقين بشأن مستقبل الاحتجاجات في إيران، وسياسة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، وبقدرة إسرائيل المحدودة على التأثير في الجبهة الإيرانيّة وفي غزّة بعد الانتقال إلى المرحلة الثانية.
يبدو أنّ إسرائيل صارت اليوم في موقع الانتظار لما سيحصل في إيران، فيما يراهن رئيس مجلس الأمن القوميّ فيها على التأثير في الوضعين اللبنانيّ والسوريّ. كيف يقرأ هذين الملفّين؟
التّصعيد سيّد الموقف على جبهة لبنان
يعترف هنغبي بأنّ التقدّم على المسارين اللبنانيّ والسوريّ يحتاج إلى انخراط أميركيّ قويّ، من خلال السفير الأميركيّ لدى تركيا توم بارّاك. لم يُخفِ، في الوقت ذاته، أنّ الطموح الإسرائيليّ على الجبهة اللبنانيّة كان كبيراً، وأنّ الهدف الأساسيّ هو “استثمار اتّفاق وقف إطلاق النار الذي وُقّع في تشرين الثاني 2024 لدفع لبنان نحو الانضمام إلى مسار التطبيع والسلام”.
يعكس التقويم الذي عبّر عنه في مقالته حيال الوضع في لبنان صورة معقّدة، إذ اعتبر أنّ الدولة اللبنانيّة فشلت في نزع سلاح “الحزب” تنفيذاً لبنود الاتّفاق مع إسرائيل، بسبب الضعف البنيويّ في الجيش، وخشية الرئيس جوزف عون وحكومته من الانزلاق إلى حرب أهليّة.

اعتبر أيضاً أنّ “الحزب”، على الرغم من الضربات التي تلقّاها، ما يزال قادراً على ردع خصومه في الداخل عن اتّخاذ خطوات سياسيّة جريئة.
الخلاصة التي انتهى إليها عن الوضع اللبناني هي “غياب أيّ تقدّم عمليّ في الحوار الثلاثيّ بقيادة الولايات المتّحدة الأميركيّة”، مؤكّداً أنّ استمرار التموضع الإسرائيليّ في الجنوب لن يتغيّر، وأنّ التصعيد بات أكثر واقعيّة من التوصّل إلى تفاهمات.
يجادل رئيس مجلس الأمن القوميّ الإسرائيليّ في مخاوفه من أن تتحوّل سوريا إلى دولة تابعة لتوجّهات الرئيس التركيّ رجب طيّب إردوغان
آمال هنغبي على المسار السّوريّ كبيرة
يقرّ هنغبي بأنّ المسار السوريّ واعد، وبأنّه اقترح على حكومته القيام بخطوة سياسيّة كبيرة للتوصّل إلى اتّفاق أمنيّ شامل بين إسرائيل وسوريا. يكشف أنّ المسار السوريّ يمرّ بمرحلتين: الأولى تنظيم الترتيبات الأمنيّة المشتركة بين إسرائيل وسوريا، والثانية انضمام سوريا إلى اتّفاقات أبراهام.
يضيف أنّه، من خلال الحوار الذي أجراه مع مسؤولين سوريّين كبار، اقتنع بإمكان إيجاد حلول عمليّة لكلٍّ من المبادئ التي تتمسّك بها إسرائيل، وهي ثلاثة أساسيّة:
– حماية أبناء الطائفة الدرزيّة القاطنين قرب حدودنا مع سورية.
– ضرورة منع تمركز قوى دوليّة معادية لإسرائيل في مناطق تهدّد حرّيّة عملنا في ساحات بعيدة.
– ضمان نزع السلاح من منطقة جنوب سوريا، من ضمن مفهوم الدفاع عن مستوطنات الجولان.
يجادل رئيس مجلس الأمن القوميّ الإسرائيليّ في مخاوفه من أن تتحوّل سوريا إلى دولة تابعة لتوجّهات الرئيس التركيّ رجب طيّب إردوغان، إذ كتب أنّ “الطريقة الأنجع لإحباط مثل هذا السيناريو هي تعظيم الفائدة المتوقّعة لسوريا من الارتباط بمبادرة الرئيس ترامب للسلام في الشرق الأوسط، ومن التعاون مع إسرائيل”.
تفتح الرهانات على سوريا الأسئلة التالية: هل تتحوّل آمال هنغبي إلى أوهام، وتنتقل سوريا إلى التصعيد كما هو الحال في لبنان؟
تكمن الآمال التي يعقدها على إحراز تقدّم أو اختراق على المسار السوريّ في أنّ الحكومة السوريّة لن تطرح مسألة السيادة الإسرائيليّة على هضبة الجولان في سياق الترتيبات الأمنيّة على الحدود، نظراً لعدم وجود أمل لتحريرها ولموقف ترامب الحاسم من هذا الموضوع. يُتوقّع أن تطرح الحكومة السوريّة انسحاب القوّات الإسرائيليّة من المناطق التي احتلّتها عام 2024.
في هذا السياق، يعتقد هنغبي بإمكان “الحلّ القائم على إيجاد نقطة توازن مثلى بين الوجود الإسرائيليّ داخل الأراضي السوريّة، وبين تنفيذ فعليّ لإجراءات تضمن المصالح الأمنيّة الحيويّة لإسرائيل”.
يراهن هنغبي، في خلاصة مقالته، على الوقت، وعلى أهميّة وضع “سورياً أوّلاً” في صدارة العمل السياسيّ قبل اقتراب موعد الانتخابات النيابيّة المقبلة.
أخيراً، تفتح الرهانات على سوريا الأسئلة التالية: هل تتحوّل آمال هنغبي إلى أوهام، وتنتقل سوريا إلى التصعيد كما هو الحال في لبنان؟ هل من يصدّق أنّ إسرائيل مهتمّة بحماية الدروز بعد التخلّي عن الأكراد في شمال شرقيّ سوريا؟ هل طار وهم الانفصال الذي ينادي به الشيخ حكمت الهجري؟ هل إبعاد تركيا عن التأثير في عمل إسرائيل في الساحات الأخرى، انطلاقاً من الجغرافيا السوريّة، أمر سهل وممكن؟
الأشهر المقبلة ستكشف المستور.
* أستاذ العلوم السياسيّة في الجامعة اللبنانيّة.
- أساس ميديا



























