لا أعتقد أن هناك كوردياً سورياً لا يدرك حقيقة النظام السوري البائد بعد فشله في تحييد الكورد عن الثورة السورية وبعد رفض قادة الأحزاب الكوردية الاستجابة لدعوة الرئيس الفارّ بشار الأسد، وأنا كنت أحدهم، حيث طلب اللقاء معي أربع مرات ولم ألبّ دعوته، فكان خياره أن استدعى واستنجد بحليفه السابق حزب العمال الكوردستاني.
يقيم مسلحو العمال الكوردستاني في جبال قنديل، ويتمركز قادته بين جبال قنديل وإيران، حيث يرتبط بعلاقات وثيقة مع جهاز الاستخبارات الإيرانية. وهكذا، لم يتردد حزب العمال لحظة واحدة في التجاوب مع دعوة النظام البائد، بل كانت فرصة للانتقام من الكورد وتشويه القضية، كما مارسها بحق شعبنا في كوردستان تركيا.
في البداية، اتبع أنصار الحزب “أسلوباً سلمياً” بمنع مظاهرات الكورد، حيث كان عددهم يقدر بالمئات، بينما الاحتجاجات الكوردية كانت بالآلاف، وعندما عجز أنصاره عن التصدي للاحتجاجات الكوردية بدأت مرحلة تشكيل الميليشيات تحت اسم (ypg)، وهي اختصار من كلمة كوردية ترجمتها العربية وحدات حماية الشعب، ثم الـ (ypj)، ومعناها وحدات حماية المرأة. مهمتهم منع الاحتجاجات الكوردية وإسكات الأصوات الحرة المنادية بالحرية وإسقاط النظام.
بدأت هذه الميليشيات بارتكاب المجزرة تلو الأخرى، من ذلك مجزرة آل شيخ نعسان في عفرين، حيث قتل أب وشابان بطريقة بشعة وتم سحل جثة أحدهم بالسيارة، ثم تلتها مجزرة تل غزال في كوباني، والتي راح ضحيتها ستة أشخاص، ثم مجرزة عامودا والتي راح ضحيتها سبعة أشخاص بدم بارد وبسيناريوهات هوليودية. وقتل ثلاثة أشقاء في قامشلو.
كما نفذه المليشيات المزيد من الاغتيالات، منها اغتيال المناضل نصر الدين برهك، عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني – سوريا، واختطاف المناضل بهزاد دورسن، عضو المكتب السياسي للحزب، والذي لا يزال مصيره مجهولاً.
وأنا شخصيا كنت على لائحة الاغتيالات قبل رفيقنا نصرالدين برهك، إلا أنني خرجت من سوريا هرباً من بطشهم ولا زلت غير قادر على العودة إلى مدينتي، فلقد توفى والداي ولم أستطيع أن أحضر دفنهما.
وفيما بعد، وفي 2015، تأسست “قسد”، وشكلت وحدات حماية الشعب والمرأة عمودها الفقري وقادتها الفعليين. لقد مارس هذا التنظيم من البطش والتنكيل والقمع بحق الكورد ما لم يمارسه النظام البائد، وتسبب في تهجير ما يمثل ثلث عدد الكورد في سوريا، عبر سياسات الترهيب والتجنيد الإجباري وأدلجة التعليم وقمع المختلف.
ولم يكتف بممارسة سياسة قمعية شديدة، بل تسبب في انتشار الإدمان على المخدرات، وكذلك انتشار الفقر في المناطق الكوردية رغم غناها بثرواتها. كان التنظيم يسيطر على مجرى نهرين كبيرين؛ هما الدجلة والفرات، وكذلك سد الطبقة، ومع ذلك كان ولا زال ثمة انعدام تام للكهرباء، واعتماد السكان على المولدات، وكذلك انعدام مياه الشرب في الحسكة منذ حوالي عشر سنوات، والاعتماد على شراء الماء غير الصالح للشرب من الصهاريج.
إن الإيرادات الضخمة لمناطق شرق الفرات من حيث البترول والزراعة والثروة الحيوانية والمعابر كانت كافية لتأمين حياة كريمة لكل سكان سوريا، إلا أن المنطقة تعيش في حالة فقر مدقع، حيث انتشر الفساد وتجارة المخدرات واختطاف القاصرين وحفر الأنفاق في كل المدن والقرى، وكذلك بمليارات الدولارات من قوت الشعب.
أضف إلى ذلك دخولهم المناطق العربية كدير الزور والرقة بصفة محتل وسعيهم إلى تشويه مجتمعاتهم من خلال نشر أفكار تتناقض وقيم المجتمع وفرض فلسفات خاوية دون مراعاة عادات المجتمع وتقاليده.
ومن المفارقات الغريبة أن حزب العمال كان يعتبر أحد الأذرع العسكرية لنظام طالما تنكر لوجود الكورد ومارس بحقهم كل أشكال الاضطهاد على مر العقود، بينما نراهم اليوم يعارضون نظاماً أقر بوجود الكورد كمكون أصيل، وبلغته وهويته وثقافته، بموجب مرسوم رئاسي، الأمر الذي يؤكد بأن لا علاقة لهذا التنظيم بالقضية الكوردية، وإنما بالبحث عن السلطة وامتيازاتها وأجندتها التي لا تمت للقضية بتاتاً.
آن الاوان أن ترتفع الأصوات عالياً ليغادروا بلادنا دون وداع، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من تركتهم السيئة والمدمرة. عودوا إلى كهوفكم ، لقد انتهى عقدكم الوظيفي المشروط…فالتاريخ يسجل ولن يرحم جرائمكم بحق شعبنا وقضيته العادلة وان العدالة والتاريخ سيحاسبكم ولو بعد دهر.
- الثورة السورية



























