نقاط عدة تستحق الوقوف عندها مطوّلاً، في حديث وزير الاقتصاد والصناعة، الدكتور محمد نضال الشعار، مع الإخبارية السورية، قبل يومين. فالوزير كان مباشراً في ملفات اقتصادية هامة. وموارِباً في أخرى، بصورة مثيرة للجدل.
أولى النقاط الملفتة كانت في تحفّظ الوزير حيال الانعكاسات الإيجابية الفورية على خزينة الدولة وعلى معيشة عموم السوريين، جراء عودة محافظات الجزيرة السورية بمواردها المائية والباطنية والزراعية، لسيادة الدولة المركزية. وخلافاً لما ألمح إليه بـ”صناعة الوهم”، أوضح الوزير حجم التحديات الكبيرة التي يجب التصدي لها في تلك المحافظات، تحديداً على صعيد إعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة بشدة، سواء فيما يتعلق بالموارد المائية أو الموارد النفطية والغازية أو الخدمات المتعلقة بحياة السكان هناك. الأمر الذي يجعل الترويج الذي جرى من جانب مسؤولين في الحكومة، ونشطاء إعلاميين، في الآونة الأخيرة، لنظرية “مليارات الدولارات” الآتية قريباً إلى خزينة الدولة، محض خيال، ورفعاً لسقوف تطلعات الناس بصورة غير حكيمة، ستكون نتائجها عكسية على صعيد شعبية السلطة، حينما يتضح أن هذا “الترويج” كان دعائياً، وبأفق زمني قصير.
وسبق أن وقع مسؤولون في “العهد الجديد”، منذ سقوط نظام الأسد، في هذه المعضلة. الترويج الدعائي غير المدروس، بصورة ترفع سقوف تطلعات الناس، ليُصاب الشارع لاحقاً بخيبة، سرعان ما تتحول لمشاعر استياء. فتحفّظ المسؤول قبل إطلاق الأرقام المتفاءلة، غير المستندة إلى معطيات مؤكدة، أفضل بمرات من إعطاء جرعات أمل بتحسّن قريب، لا يتحقق بالمدى الزمني المأمول، لاحقاً.
ولم ينفِ الشعار القيمة الاستراتيجية الناجمة عن عودة الموارد الغنية لمحافظات االجزيرة لسيطرة الدولة، بوصفها ركيزة التنمية الاقتصادية المنتظرة. لكن هذه الموارد تحتاج لعناية فائقة كي تُستغل بالصورة السليمة اقتصادياً، خصوصاً في ظل الاستباحة التي عانت منها في 15 سنة مضت، والتي تسببت في ضرر شديد لجدوى الاستثمار في كثيرٍ من هذه الموارد، اليوم، خصوصاً النفطية منها. لذا، فالترويج لإيرادات مباشرة بالحجوم التي تم الحديث عنها (20 مليار دولار)، تبدو مناسبة لأفق زمني بعيد، لا قريب أو حتى متوسط.
وقد دفعت السلطة سريعاً ثمن هذا الترويج “الدعائي” غير الحكيم. إذ تفاقم استياء السوريين على خلفية ملف أسعار الكهرباء، مع تعليقات كثيفة في وسائل التواصل تتحدث عن وفر مرتقب في إيرادات الدولة جراء عودة ثروات الجزيرة. وأن ذلك أحد الأسباب التي توجب إعادة النظر في تسعيرة الكهرباء المرفوضة شعبياً.
في محطة أخرى من حديثه، تناول الوزير الشراكات بين الدولة والقطاع الخاص، بوصفها إنهاءً لدور الدولة في العملية الإنتاجية، والذي كان “بلاء” وسبباً أساسياً للفساد، حسب وصفه. وقد أوضح باقتضاب أن آلية هذه الشراكات تقوم على منح القطاع الخاص حرية إدارة أصول الدولة المُستثمَرة، مقابل حصول الدولة على حصة من الإيرادات، مع وجود رقابة من طرف ثالث (شركات تدقيق). وقد عقدت وزارة الاقتصاد بعضاً من صفقات الشراكة تلك، لكنها افتقدت إلى الشفافية حول التفاصيل الدقيقة للعقود، وخلفية الشركات التي حظيت بهذه العقود. والأهم، ما الآلية التي يتم بموجبها منح استثمار أصلٍ من أصول الدولة لصالح مستثمر محدد؟ إذ لم نسمع بأية مناقصة بهذا الخصوص. كما لم يتم الحديث في أي من هذه العقود عن مصير العمالة في المنشآة الحكومية المُستثمَرة!
الملفت أن الوزير أقرّ في محطة لاحقة من حديثه أن استعادة ثقة قطاع الأعمال الدولي -البنوك الدولية تحديداً- ببيئة الأعمال في سوريا، بعد عقود من المقاطعة والعقوبات، تتطلب تقديم تعاملات أو صفقات نظيفة تلتزم بكل شروط الشفافية وقواعد مكافحة غسيل الأموال، المتعارف عليها دولياً. ولا نعرف إن كان الوزير في هذا التصريح يلمح إلى عجزه عن الالتزام بتلك القواعد لأسباب خارجة عن إرادته، أم أنه يناقض نفسه، بشكلٍ ما! فالصفقات التي عقدتها وزارته، ومؤسسات حكومية أخرى، خلال 10 أشهر من عمر الحكومة الحالية، لا تحظى “بكل شروط الشفافية”، التي أشار إليها الوزير.
الملفت أن الشعار يعتقد أن عمل وزارته كان يمكن أن يكون أفضل لولا قيود كثيرة عانوا منها. وقد أرجع تلك القيود إلى إرث النظام البائد من قوانين وقرارات مجحفة وغير مجدية نهائياً، كان قد تم تصنيعها لخدمة أطراف وفئات معينة، إلى جانب شح السيولة والموارد الاقتصادية. والتساؤل هنا: مع كل التركيز الاستثنائي للصلاحيات في قبضة رئيس الجمهورية، ما الذي يمنع الوزير أن يرفع للرئيس طلبات بتعديل المراسيم والقوانين التي تعيق عمل وزارته؟!
في محطة أخرى من حديثه، وصَّف الشعار الاقتصاد السوري بأنه “اقتصاد حر موجّه”. بمعنى رفع القيود عن عمل القطاع الخاص، مع دور توجيهي للدولة بصورة تخدم الاحتياجات التنموية الأكثر أولوية في الحالة السورية الراهنة. وهي النقطة التي من الصعب تلمسها في تجارب العقود المبرمة بين الدولة وشركات القطاع الخاص. إذ يبدو اتجاه تلك العقود وفق مبدأ “ما يطلبه المستثمرون”، لا ما تحتاجه أولويات التنمية في البلاد.
في الختام، نتفق مع الوزير بأن الانتعاشة المعيشية التي يأمل السوريّ أن يشعر بها قريباً، ستكون نتاج مسار طويل وعصيب ونتائجه تظهر بشكل تراكمي وتدريجي. وأن على جميع السوريين أن يسهموا في إنجاح هذا المسار. لكن يبقى أن المأسسة والحوكمة والشفافية في أداء الدولة، مسؤولية السلطة وحكومتها. لا مسؤولية الشارع. وهو ما يبدو بشكل جلّي، أنه الركن الهش في أداء مجمل السلطة التنفيذية في سوريا، خلال أكثر من عام.
- المدن






















