أثارت التعيينات الأخيرة في وزارة الخارجية داخل الساحة السورية موجة واسعة من الجدل والنقاش العام، وهو جدل لم يتوقف عند أسماء المعينين فحسب، بل امتد ليشمل “فلسفة التعيين” ذاتها في هيكلية الدولة الجديدة، حيث تتركز الانتقادات اليوم حول غياب المعايير المهنية الواضحة، وصغر سن بعض الكوادر التي كُلفت بمهام دبلوماسية جسيمة، فضلاً عن المخاوف من عودة “شبح المحسوبية” وصلات القرابة كعامل حاسم في تولي المناصب السيادية. إننا أمام تساؤل جوهري: هل نبني دولة مؤسسات تقوم على الكفاءة، أم نستنسخ آليات الإدارة القديمة بوجوه جديدة؟
الواقع أن هذه الانتقادات ليست وليدة اللحظة، بل هي صدى لمخاوف متراكمة من تكرار الأنماط الإدارية التقليدية التي تعتمد على “التزكية والولاء” بدلاً من “الاستحقاق والخبرة”. في الدولة المنشودة، يُفترض أن تكون المسطرة التي يُقاس بها المرشح للمنصب العام هي الكفاءة المعرفية والنزاهة الأخلاقية، مع شرط إضافي حاسم وهو عدم التورط في انتهاكات النظام المخلوع. لكن الصورة الراهنة تعكس آليات قرار تبدو محصورة في دوائر ضيقة، حيث تتم بعض الاختيارات بعيداً عن أعين الرقابة العامة أو المسابقات الوظيفية الشفافة، مما يفتح الباب للتأويلات حول غياب تكافؤ الفرص.
يستند المدافعون عن التعيينات الأخيرة إلى التاريخ النضالي للأشخاص المعنيين وتجربتهم الميدانية في الشمال السوري، مع التشديد على نزاهتهم الشخصية وما حققوه من تحصيل علمي رغم ظروف قاهرة. لا خلاف على هذه المعطيات ولا على حجم التضحيات الميدانية، غير أن الإشكال السياسي يبقى مطروحاً: هل تكفي السيرة الحميدة وحدها لإدارة ملفات بالغة الحساسية كالعاصمة الأميركية واشنطن وغيرها؟
إن الدبلوماسي في هذه المرحلة هو وجه الثورة والدولة معاً، وهذا يتطلب تكويناً معرفياً تراكمياً لا يمكن اختزاله في “النية الحسنة” أو النضال الميداني
العمل الدبلوماسي ليس مجرد منصب تشريفي، بل هو فن يتطلب إتقان لغة الحوار الدولي، وفهم بروتوكولات معقدة، وامتلاك شبكة علاقات قوية. إن الدبلوماسي في هذه المرحلة هو وجه الثورة والدولة معاً، وهذا يتطلب تكويناً معرفياً تراكمياً لا يمكن اختزاله في “النية الحسنة” أو النضال الميداني، فالدبلوماسية علم يُدرس وتجربة تُصقل بالوقت، وليست هبة تهبط فجأة بموجب قرار تعيين.
اليوم، يروج البعض لفكرة مفادها أن الولاء والنزاهة هما الأساس، أما “الخبرة فيمكن اكتسابها لاحقاً”. هذا المنطق قد يصلح كترضية أخلاقية، لكنه انتحار إداري. فالدولة لا تُدار بالتدريب خلال العمل في مناصب حساسة، والخطأ الدبلوماسي أو الإداري في هذه المرحلة قد يكلف البلاد فرصاً استراتيجية لا تُعوض.
ومن أخطر الظواهر التي ترافقت مع هذه التعيينات هي شبهة الإقصاء على أساس جغرافي. فليس صحيحاً، ولا ينبغي أن يكون، أن الوطنية السورية محصورة فيمن عاش في بقعة جغرافية معينة (مثل إدلب ومحيطها) قبل عام 2024 فالتشكيك في ولاء السوريين الذين عاشوا خارج هذه المناطق هو لغم يهدد الوحدة الوطنية.
ينبغي على الحكومة الآن أن تثبت أنها لكل السوريين، وأن المعيار الوحيد للثقة هو القانون والكفاءة. وبناء الثقة بين الدولة والمواطن يبدأ عندما يشعر الدبلوماسي في دمشق، والطبيب في حلب والرقة والصحفي في درعا والمغترب في أوروبا، أن أبواب الخدمة العامة مفتوحة له بناءً على ما يحمله في رأسه من علم، لا على ما يملكه من وسائط أو تزكيات.
لا شك أن بناء الدولة الحديثة يتطلب “ثورة إدارية” لا تقل أهمية عن الثورة السياسية، تقوم على تفعيل المسابقات العامة، وتحييد الرغبة في الاستئثار بالسلطة، وإرساء مبدأ “الرجل المناسب في المكان المناسب”.
إذا أرادت الحكومة اليوم أن تكسب رهان الاستمرارية والشرعية، فعليها أن تدرك أن المواطن لن يقبل بـ “الولاء” بديلاً عن “الأداء”. إن الطريق الأسلم لتعزيز دور الدولة هو إقناع الناس بأن الكفاءة هي المصعد الوحيد للمناصب.
- تلفزيون سوريا



























