لا تُفهم الاتفاقات، في عالم السياسة، بوصفها نصوصاً قانونية معزولة عن سياقها، وإنما تظهر كحصيلة لمسارات طويلة أعادت ترتيب موازين القوة والشرعية معاً. ومن هذه الزاوية تحديداً، لا يمكن قراءة الاتفاق بين الحكومة السورية وقسد إلا باعتباره لحظة تتويج لمسارٍ معقّد انتهى بتراجع شرعية قسد على مختلف المستويات، مقابل صعودٍ متدرّج ومركّب لشرعية الدولة سياسياً وإدارياً وعسكرياً.
فعلى امتداد السنوات الماضية، استندت قسد إلى معادلة ثلاثية: دعم خارجي كثيف، وظيفة أمنية مرتبطة بملف تنظيم داعش، وإدارة أمر واقع في جغرافيا واسعة من شمال وشرق البلاد. غير أن هذه المعادلة بدأت تتآكل تباعاً، ليس سياسياً فحسب، وإنما عسكرياً أيضاً. فالمهمة الدولية التي شُكِّلت من أجلها هذه القوة استُنفدت عملياً، وتحول الدعم الخارجي من تفويض مفتوح إلى إدارة حذرة للمخاطر، فيما تكشّفت في الميدان هشاشتها القتالية خارج مظلة الإسناد الخارجي، وانكشاف بنيتها عند أول اختبار جدي، بما أفقدها قدرة الردع التي طالما استندت إليها.
وإلى جانب ذلك، أظهرت تجربة الحكم المحلي محدوديتها في إنتاج الاستقرار والخدمات، وتزايد الاحتكاك بينها وبين محيطها الاجتماعي، ولا سيما في البيئات العربية، ما خصم من رصيدها المحلي، وعرّى في آنٍ واحد تراجع قوتها العسكرية وهشاشة شرعيتها الشعبية معاً.
في المقابل، أعادت الدولة السورية بناء عناصر شرعيتها على مراحل متراكبة. سياسياً، عبر استعادة قنوات التواصل الإقليمي والدولي، وإعادة إدراج نفسها بوصفها طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي معادلة تخص سوريا. إدارياً، من خلال إعادة تشغيل مؤسسات الدولة خارج منطق المركز المعزول، واستعادة القدرة على إدارة الملفات الخدمية والأمنية في مناطق متزايدة الاتساع. وعسكرياً، عبر انتقال واضح من منطق الاستنزاف الطويل إلى منطق الحسم المرحلي، بما أعاد للدولة موقع المبادرة لا ردّ الفعل. هذا التراكم لم يكن استعراض قوة، وإنما إعادة تعريف دقيقة لمن يملك حق القرار السيادي ومن يتحمل كلفته.
ثم إن جملة من الأحداث المفصلية جاءت، خلال الأسابيع الأخيرة، لتسرّع الوصول إلى الاتفاق. من توسّع سيطرة الدولة غرب الفرات، مروراً إلى تحييد ملفات النفط والحدود من يد قسد، وصولاً إلى إعادة ضبط ملف السجون والمقاتلين الأجانب. وهذه كلها عوامل سحبت من يد قسد أهم أوراق الضغط والابتزاز السياسي. وفي الوقت نفسه، بات واضحاً أن الاستمرار في إدارة كيانٍ موازٍ للدولة لم يعد يحظى بالتسامح الدولي ذاته، خصوصاً في ظل تحوّل الأولويات الإقليمية نحو الاستقرار ومنع التفكك.
ولم تكن هذه التطورات لتجري في فراغ، ولا لتُقرأ بوصفها شأناً محلياً معزولاً. فالنظام الدولي كان وما يزال يراقبها بدقة، ويرصد مساراتها وتقاطعاتها، ليس من باب المتابعة الإعلامية، وإنما لأنها تقع في قلب لحظة إقليمية شديدة السيولة. ومع تسارع التغيرات في الشرق الأوسط، وتحوّل خرائط النفوذ والتحالفات، بات ما يجري في سوريا يُقرأ كجزء من إعادة ترتيب أوسع للمنطقة، حيث تُختبر قدرة الدول على استعادة وظائفها السيادية، وتُعاد صياغة معايير الشرعية والاستقرار.
في هذا السياق، لم تعد المقاربات الدولية تحتمل الكيانات الرمادية أو السلطات المؤقتة، وإنما تميل بوضوح نحو دعم الإطار الدولتي القادر على الضبط والإدارة ومنع الانفلات، وهو ما منح دمشق هامشاً متزايداً للتحرك بوصفها مرجعيةً وحيدة قابلة للاستدامة.
من هنا أيضاً جاء الاتفاق بوصفه تسوية سياسية ذات سياقٍ إقليمي قبل أن يكون إجراءً أمنياً محلياً. فهو يحمل في جوهره إيجابيات واضحة تتمثل في توحيد المرجعية السيادية، وإنهاء الازدواجية الإدارية والأمنية، وفتح الباب أمام دمجٍ مؤسسي يضع السلاح تحت سلطة الدولة، وإعادة تعريف الحقوق ضمن إطار دستوري جامع. كما أنه يخفف من احتمالات الصدام المباشر، ويمنح مناطق الشمال والشرق فرصة انتقال حقيقية من منطق الإدارة المسلحة إلى منطق الدولة.
تجدر الإشارة إلى أن سلوك الدولة في هذه المرحلة لم يعد سلوكاً دفاعياً تقليدياً، وإنما بات يحمل ملامح فكرٍ سياسي وعسكري اقتحامي، يقوم على الحضور المباشر في النقاط الحساسة، وليس على إدارتها عن بُعد. وفي هذا السياق، يمكن قراءة وصول مدير الأمن الداخلي في حلب إلى قلب عين العرب، ليس بوصفه زيارة بروتوكولية أو رسالة استعراضية، وإنما كتجسيدٍ عملي لمنطق الدولة حين تقرر أن تكون حاضرة بنفسها، حيث اعتادت الفراغات أن تُدار بالوسائط. وهذا النوع من الحضور يعكس تحولاً في العقيدة الأمنية والسياسية معاً يقول إن الدولة لا تلوّح بالقوة، لكنها لا تتردد في الاقتحام السيادي حين تقتضي الضرورة، ولا تنتظر إذناً لتأكيد مرجعيتها على أرضها.
وعليه، فإن الاتفاق مع قسد لا يجب أن يُقرأ بوصفه تنازلاً أو منّةً من طرف على آخر، وإنما باعتباره اختباراً أخيراً للانتقال من منطق الأمر الواقع إلى منطق الدولة. فالدولة قدّمت التسوية بوصفها خياراً عقلانياً يحفظ الاستقرار ويغلق أبواب المواجهة، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن هذا الخيار ليس مفتوحاً إلى ما لا نهاية. ذلك أن احتمال نكث الاتفاق، إن وقع تحت ضغط الحسابات العابرة للحدود، لن يُواجَه بجولة تفاوض جديدة، وإنما بقرار حاسم أُعدّت له شروطه السياسية والعسكرية والإقليمية سلفاً.
وإذا التُقطت هذه الفرصة، فإنها ستكون بداية مسار استقرار طويل يُعاد فيه دمج الجغرافيا السورية ضمن إطار سيادي واحد. أما إن أُهدرت، فإن ما يليها لن يكون إلا فصلاً أخيراً تُكتب فيه نهاية الكيانات المؤقتة، ليس بمنطق الغلبة وحده، وإنما بمشروعيةٍ إقليمية ودولية كاملةٍ مواكِبة، وبعد استنفاد كل فرص التسوية. وعندها فقط، ستُغلق هذه الصفحة، وتُكتب الجغرافيا السورية بيد الدولة وحدها.
- الثورة السورية



























