بعد مرور أكثر من عام على سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، لم يغب ملف المنشقين عن هذا النظام، سواء كانوا عسكريين أو سياسيين، أو إعلاميين، أو موظفين في جهاز الدولة الإداري، عن المشهد، فيما الإدارة الجديدة لم تول هذا ملف المنشقين عن نظام الأسد ما يستحق من اهتمام يليق بالخبرات التي يمتلكها هؤلاء، والتي من شأنها مساعدة الدولة في مواجهة تحديات المرحلة الانتقالية التي تمرّ بها البلاد.
تعيينات تهمّش المنشقين عن نظام الأسد
وسُلّط الضوء أكثر على هذا الملف أخيراً مع ظهور تعيينات دبلوماسية في عدد من السفارات السورية بدول فاعلة في الملف السوري، خلت من دبلوماسيين مشهود لهم بالكفاءة والخبرة، كانوا انشقوا عن النظام السابق وانخرطوا في العمل المعارض. وأثارت هذه التعيينات استياءً في الشارع السوري انعكس في وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً لجهة اعتماد الإدارة السورية الجديدة على أسماء شابة لم تتدرج في العمل الدبلوماسي، وإهمال الدبلوماسيين المنشقين، رغم أن العدد الأكبر منهم أبدى الاستعداد للعودة إلى العمل سواء في الإدارة المركزية أو في السفارات السورية في الخارج. وعاد عدد منهم بالفعل إلى بلدان كانوا لجأوا إليها خلال سنوات الثورة، بسبب عدم إسناد مهام لهم رغم اعادتهم إلى العمل أواخر العام الماضي ومنح البعض منهم لقب سفير. وكذا الحال في الحقل الإعلامي، فالمئات من الصحافيين والعاملين في الحقل الإعلامي الذين انشقوا عن أجهزة نظام الأسد الإعلامية، لم يجدوا لهم مكاناً في المنظومة الإعلامية الجديدة.
العدد الأكبر من الدبلوماسيين المنشقين أبدى الاستعداد للعودة إلى العمل سواء في الإدارة المركزية أو في السفارات السورية في الخارج
في الجانب العسكري، تؤكد وزارة الدفاع السورية أنها أعادت آلاف الضباط الذين انشقوا عن جيش نظام الأسد إلى العمل، بيد أن الواقع يشير إلى أن أغلب قادة الفرق العسكرية والألوية في الجيش السوري الجديد، ليسوا من الضباط المنشقين بل هم أشخاص مدنيون كانوا انخرطوا في العمل المسلّح ضد النظام البائد، وشكّلوا فصائل ومجموعات مقاتلة شاركت في حرب طويلة الأمد وانتهت بإسقاط النظام في ديسمبر 2024. ولكن العميد عبد الله الأسعد رأى في حديث مع “العربي الجديد”، أن وزارة الدفاع في الحكومة “تعاطت مع ملف الضباط المنشقين بما يتناسب مع الأوضاع التي تمر بها البلاد”، مشيراً إلى أن عدداً منهم “موجود اليوم في الأكاديميات العسكرية والإدارات حسب خبراتهم”. وأضاف: “عددٌ منهم منخرط اليوم في التخطيط التدريبي والقتالي الذي تحتاجه التشكيلات في الجيش السوري الجديد”. وأشار الأسعد، وهو أحد الضباط الذين انشقوا عن نظام الأسد، إلى أن عدداً من الضباط المنشقين “موجودون اليوم في التشكيلات بمختلف صنوف الأسلحة، رؤساء استطلاع وعمليات والتدريب الاستراتيجي لخوض العمليات العسكرية”.
وانشق عن نظام الأسد عددٌ كبير من الموظفين في الدولة، بعضهم كان يتولى مفاصل مهمة في القرار، لعل أبرزهم رياض حجاب الذي كان رئيس مجلس الوزراء وهو من أرفع المناصب في الدولة، ولكنه لم يظهر في واجهة المشهد رغم مرور أكثر من عام على إسقاط النظام، بل لم ينقل مكان إقامته إلى سورية. وفي سلك الأمن الداخلي، يُقدّر عدد المنشقين عن وزارة الداخلية ما بين عامي 2011 و2020، بنحو 600 ضابط، قالت الوزارة أواخر العام الماضي إنها بصدد إعادة إدماجهم في مؤسسات الدولة، وفقاً لاختصاصاتهم المهنية.
ولم يتبوأ أعضاء الائتلاف الوطني السوري (الذي حلّ نفسه)، أبرز الكيانات السياسية التي كانت معارضة لنظام الأسد، مناصب رفيعة في الحكومة، فضلاً عن المنصات السياسية التي كانت فاعلة إبّان سنوات الثورة.
عامل الثقة غائب
ورأى مصدر مطلع في العاصمة دمشق، في حديث مع “العربي الجديد”، أن “عامل الثقة يعدّ السبب الرئيسي في عدم اعتماد الإدارة السورية الجديدة على المنشقين، خصوصاً في دوائر اتخاذ القرار”، مشيراً إلى أن الإدارة “تدرك حاجتها في الوقت الراهن للكفاءات الإدارية، لكنها لم تبلور حتى اللحظة رؤية واضحة للاستفادة من المنشقين”. وأشار إلى أن وزارتي الدفاع والداخلية “وضعتا المنشقين الذين عادوا إلى العمل في مراكز التدريب والأكاديميات العسكرية والأمنية”، مضيفاً “ربما هذا يعد حلّاً معقولاً للاستفادة منهم”. وأشار إلى أن عدداً من المنشقين سواء كانوا عسكريين أو مدنيين “استقروا في بلدان اللجوء ولم تعد لديهم القدرة أو الرغبة في العمل”، لافتاً إلى أن “هناك ضباطا منشقين باتوا اليوم في مرحلة عمرية لا تسمح لهم بالعمل الميداني أو قيادة تشكيلات عسكرية”.
يُقدّر عدد المنشقين عن وزارة الداخلية ما بين عامي 2011 و2020، بنحو 600 ضابط
وبرأي المصدر، “هناك قرارات عدة اتخذتها الحكومة الحالية وسبّبت استياء في الشارع ومنها رفع تكلفة الطاقة الكهربائية إلى حدّ لا يحتمله المواطن، ما كانت لتُتخذ لو كان هناك إداريون في مراكز القرار لديهم دراية كافية بالأمر”، معتبراً أنه “كان يجب التدرج في مسألة رفع الأسعار وإبقاء الدعم لمحدودي الدخل في البلاد”. وأضاف أن “منطق الدولة يتطلب توسيع دائرة الثقة وعدم الاعتماد على موظفين من لون سياسي واحد”، مشيراً إلى أن سورية “تمر بمراحل صعبة، أصحاب الكفاءات والخبرة قادرون على اتخاذ القرارات التقنية التي تساعد في تجاوزها”.
وفي السياق، رأى الدبلوماسي داني بعاج، في حديث مع “العربي الجديد”، أن الحكومة السورية “لديها الرغبة في إعادة المنشقين إلى الوزارات والمؤسسات”، مشيراً إلى أن المنشقين “قادرون على جسْر الهوة بين الجيل الجديد الذي دخل إلى العمل الحكومي في الوزارات وبين موظفي النظام البائد”. وتابع: “الموظفون الموجودون من أيام النظام السابق لديهم السياق والمعلومات حول القوانين والإجراءات الإدارية، بينما الموظفون الجدد ما زالوا في طور التعلم والتدرب، والمنشق لديه الخبرة، وفي الوقت ذاته كان بعيداً عن المنظومة الفكرية لنظام الأسد”.
داني بعاج: يجب الانتقال من دائرة الثقة بالشخص إلى دائرة الثقة بالمنظومة والنظام
وبرأي بعاج، فإن الإدارة السورية الجديدة بصدد إبقاء القرار السياسي في الوقت الراهن “مركزياً وضمن دائرة ضيّقة مع الاعتماد على خبرات المنشقين التقنية، وهذا ما يؤخر عودتهم”. واعتبر أن “على الإدارة إيجاد الأمكنة المناسبة للمنشقين للاستفادة من خبراتهم”، مشدداً على وجوب “الانتقال من دائرة الثقة بالشخص إلى دائرة الثقة بالمنظومة والنظام سواء في الاختيار والتوظيف والمراقبة بالأداء”. وبحسب بعاج، فإن “الدولة يجب أن تجدد نفسها وتكون لديها القدرة على توظيف الأشخاص بطريقة صحيحة، مع آليات رقابة لضبط الأداء”. وبرأيه، فإن الحكومة اليوم “في موقف صعب”، لأنه مطلوب منها تحقيق كل ذلك بمرحلة زمنية قصيرة، ويجب عليها وضع الطريقة الأمثل لتحسين الأداء بالاعتماد على الكفاءات الوطنية.
من جهته، قال الباحث في المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، محمد السكري، في حديث مع “العربي الجديد”، إن “هناك عدداً كبيراً من المنشقين عادوا إلى عملهم في مؤسسات الدولة”. وأعرب السكري عن اعتقاده بأن هذا الملف “تدريجي”، مشيراً إلى وجود “أعباء تقنية وتنظيمية متعلقة بسمات المرحلة الانتقالية في عامها الأول”. كما أعرب عن اعتقاده بأن “وتيرة الاعتماد على المنشقين سترتفع في المرحلة المقبلة، فالدولة تريد استقطاب الكوادر إذ لا يمكن الاعتماد فقط على الكوادر التي كانت في المناطق التي تسيطر عليها الفصائل التي كانت تعارض نظام الأسد في ريف حلب وإدلب”. ورأى السكري أن “تحسين الجودة الحوكمية في الدولة لا يكمن فقط في استقطاب المنشقين، بل في استقطاب الكفاءات السورية بشكل عام وخصوصاً الشباب في الخارج والذين تعلموا في جامعات مرموقة”. وأوضح أن “السؤال ليس فقط عن المنشقين، بل يشمل التكنوقراط السوريين بشكل عام. كل سوري لديه القدرة والكفاءة من حقّه أن يكون في المكان المناسب بالدولة، سواء كان منشقاً أو شاباً راكم خبرات خلال سنوات الثورة”.
- العربي الجديد


























