تدخل سوريا مرحلة دقيقة من إعادة بناء مؤسساتها بعد سنوات طويلة من التفكك والعزلة، وتبرز وزارة الخارجية بوصفها إحدى أكثر المؤسسات حساسية، لأنها الواجهة التي ستتقدم بها البلاد نحو العالم. غير أن التعيينات الدبلوماسية الأخيرة أثارت نقاشاً واسعاً، ليس بسبب الأشخاص الذين تم تعيينهم، بل بسبب الطريقة التي تمت بها، وما تكشفه من رؤية السلطة لطبيعة الدولة التي تريد تشكيلها في هذه المرحلة الانتقالية.
فالمشكلة لم تكن يوماً في أسماء المعيّنين، ولا في خلفياتهم الاجتماعية أو السياسية. لم يقل أحد إن فلاناً لا يستحق أن يكون في الصين أو إن آخر لا يليق به تمثيل سوريا في ألمانيا. الاعتراض الحقيقي كان على غياب أي آلية واضحة أو شفافة للتعيين. لم تُعلن مسابقة، لم تُحدَّد معايير، لم يُفتح باب الترشّح. ما جرى كان تعيينات مباشرة بلا إطار مؤسسي، في سابقة لا تنسجم مع أي نموذج إداري محترف، ولا مع خطاب سلطة تقول إنها تريد بناء دولة جديدة.
الدبلوماسية، في جوهرها، مهنة تقوم على تراكم الخبرة والمعرفة. لا تكفي الحماسة ولا الخلفية السياسية ولا السلوك الجيد، ولا يمكن اختصار المسار الدبلوماسي بدورات سريعة أو بقدرة على الخطابة. في الأعراف الدولية، يمرّ الدبلوماسي بمسار طويل داخل الوزارة وفي بعثاتها، يبدأ من الملحق وينتهي بالسفير، مروراً بدرجات متصاعدة تمنحه القدرة على إدارة الملفات الحساسة، وفهم البروتوكول، والتفاوض، وقراءة البيئة السياسية للبلد المضيف. القفز فوق هذا المسار، وتعيين أشخاص بلا خبرة في مواقع قيادية، يعني عملياً إلغاء الفكرة الأساسية بأن الدبلوماسية اختصاص لا يُعوَّض بالنيات الطيبة.
حين تُدار الخارجية بمنطق “أهل البيت”
لكن الإشكال لا يقف عند حدود الخبرة. فطريقة إدارة الملف الدبلوماسي نفسها تكشف عن منطق مختلف عن منطق الدولة. حين تُدار وزارة الخارجية من قبل أشخاص لم يعملوا يوماً في السلك الدبلوماسي، يصبح معيار الكفاءة ثانوياً، ويحلّ محله معيار الثقة الشخصية والولاء التنظيمي والقرابة. في مثل هذا السياق، لا يعود السؤال: من هو الأقدر على إدارة سفارة معقّدة مثل برلين أو واشنطن؟ بل يصبح: من هو الأقرب ولاءً إلى السلطة؟ وهكذا تتحول الوزارة إلى فضاء مغلق، يُستبعَد فيه أصحاب الخبرة لأن وجودهم يحرج من يدير الوزارة، في حين يُفضَّل الأقل خبرة لأنهم أكثر قابلية للضبط والسيطرة.
ويزداد المشهد تعقيداً حين تمارس الوزارة أدواراً ليست من اختصاصها أصلاً، عبر “الأمانة العامة للشؤون السياسية” التي أنشأها الوزير الشيباني في آذار العام الماضي ومنحها سلطة التدخل في النشاطات السياسية والثقافية والنقابية داخل البلاد، من دون أي سند قانوني أو دستوري. فحين تنشغل الوزارة بأدوار سياسية وثقافية ونقابية داخلية لا تمتّ لعملها الدبلوماسي بصلة، يتراجع الاهتمام بالملفات الخارجية، وتضعف القدرة على بناء جهاز محترف قادر على تمثيل سوريا في العالم.
تعيين أبناء المسؤولين… بين القرابة وتضارب المصالح
وتزداد الشبهات حين تتكرر ظاهرة تعيين أبناء المسؤولين في مواقع دبلوماسية حساسة، خارج أي مسار مهني أو منافسة شفافة. الانتماء العائلي ليس تهمة، ومن الطبيعي أن تضم العائلات السورية كفاءات عديدة، لكن حين يُعيَّن ابن وزير مباشرة في منصب سفير أو قائم بالأعمال، ينتقل الأمر من “القرابة الطبيعية” إلى تضارب المصالح وتوريث النفوذ.
إن استمرار هذه الممارسات ستكون له آثار عميقة على السياسة الخارجية السورية: ضعف في التفاوض مع الدول الكبرى، وارتباك في إدارة الملفات الحساسة، وفقدان ثقة العواصم المؤثرة، وشعور بالإقصاء لدى شرائح واسعة من السوريين، وتغذية الانقسام داخل النخب. الأخطر من ذلك أنه يرسّخ انطباعاً بأن السلطة تُدار بعقلية الفصيل لا الدولة، وأن المؤسسات تُبنى على الولاء لا على الكفاءة.
في موازاة ذلك، يبرز سؤال مشروع طرحه كثير من السوريين: لماذا تم تجاهل الدبلوماسيين المنشقين؟ فهؤلاء يملكون خبرة تمتد لعقود، وتمرّسوا في إدارة السفارات، ويدركون تفاصيل العمل الدبلوماسي، ودفع بعضهم ثمن انشقاقه غالياً. معظهم لبى دعوة الوزارة للعودة والعمل فيها، وتركوا أعمالهم في بلدان اللجوء، ودخلوا إلى مبنى الخارجية على أمل أن يكونوا جزءاً من عملية إعادة البناء. لكنهم وجدوا أنفسهم بلا مهمة حقيقية، بعد انتظار امتد لأشهر من دون أي تكليف، المهمة الوحيدة التي كلفوا بها هي التقاط صورة جماعية مع وزير الخارجية أراد من خلالها القول إن “الجميع عاد”، فيما لم يتعدَّ وجودهم الفعلي داخل الوزارة حدود تلك الصورة. وفي المقابل، جرى الدفع بأشخاص بلا مسار مهني إلى مواقع قيادية، في مفارقة لا توحي بوجود رؤية مؤسسية، بل برغبة في تشكيل جهاز خارجي يقوم على الولاء والانتماء الضيق، لا على الكفاءة والخبرة.
يقول البعض إننا “دولة ناشئة” لا تملك ترف انتظار خمس سنوات أو أكثر لتخريج جيل جديد من الدبلوماسيين، وإن الضرورات تفرض تعيين من هو متاح اليوم ولو لم يمرّ بالمسار المهني الطبيعي. لكن تجارب دول خرجت من أنظمة عنصرية أو شمولية، من جنوب أفريقيا بعد الفصل العنصري إلى دول أوروبا الشرقية بعد الشيوعية، أظهرت أن الطريق ليس في حرق المراحل أو تجاوز الخبرة، بل في بناء نموذج مهني مختلط يقوم على:
– الاستفادة القصوى من الكفاءات الموجودة، بما فيها الدبلوماسيون المنشقون الذين أثبتوا استقلاليتهم ودفعوا أثماناً شخصية وسياسية.
– فتح مسار واضح لتدريب جيل جديد يبدأ من الداخل، من العمل في الإدارات والبعثات الصغيرة، لا من القمة.
– إنشاء معهد دبلوماسي جدي يقدم تدريباً حقيقياً، نظرياً وعملياً، لا دورات شكلية للاستهلاك الإعلامي.
– تدرّج وظيفي ملزِم يربط كل منصب بخبرة محددة ومسار سابق، بحيث لا يُقفز مباشرة إلى المواقع القيادية من دون رصيد مهني.
إن ما تحتاجه سوريا اليوم، هو إعادة تعريف وظيفة الدبلوماسية في مشروع الدولة الجديدة. فالدول تُبنى بمؤسسات مهنية قادرة على تمثيل مصالحها في عالم شديد التعقيد والتنافس. وإذا كانت السلطة جادة في فتح صفحة جديدة، فإن أول اختبار حقيقي على صدقية هذا الادعاء هو طريقة بناء الجهاز الدبلوماسي: هل يُبنى بمعايير مهنية شفافة، أم يُعاد تشكيله بمنطق الولاء؟ فالدبلوماسية هي مرآة الدولة أمام العالم، وأي خلل فيها سينعكس فوراً على صورتها ومكانتها، في ساحة لا يمكن فيها إخفاء العيوب ولا تجميلها بالشعارات.
- المدن


























