صدم السفير الأمريكي إلى تركيا ومبعوث الإدارة الأمريكية الخاص إلى سوريا توم برّاك الجميع، عندما اعترف صراحة بأن احتلال الولايات المتحدة للعراق هو نموذج للقضايا التي ينبغي عدم تكرارها. فأمريكا التي استثمرت ما يقارب الثلاثة ترليونات دولار في احتلال العراق، ترى الآن أن هذا الاحتلال لم ينتج إلا كارثة وفوضى عمرها أكثر من عشرين سنة، أدت إلى خسارة مئات الآلاف من البشر حياتهم، فقد واجهت أمريكا في العراق، كما يؤكد باراك معضلة أركانها السنة والشيعة والأكراد، وللخروج من هذا المأزق خلقت جمهورية فيدرالية تحتضن الجميع، إلا أن الأكراد لم يقبلوا أن يكونوا جزءا من هذه الجمهورية، فخلقت لهم أمريكا إقليما كرديا يتمتع بحكم ذاتي، فعلت ذلك لأنه كان الحل الأسهل بالنسبة لها. ولكن المشكلة التي واجهتها أمريكا، كما يؤكد براك هي أن ما فعلته أدى إلى بلقنة العراق، كما حصل في يوغسلافيا سابقا، عندما قسمتها إلى سبع دول متحاربة فيما بينها، وهذا ما حصل في العراق فقد أنشأ الاحتلال الامريكي دولة مركزية ضعيفة تسودها الفوضى وتنهشها الصراعات بين المكونات الثلاثة، بدل دولة موحدة ذات سيادة.
وأكد براك أن بلاده لم تعد راغبة بصرف مليارات الدولارات، وإرسال جنودها إلى العراق مجددا لأنها لا تريد المخاطرة بحياتهم. كما شدد براك على أن النظام الفيدرالي الذي هندسته أمريكا وفرضته على العراق، لم ينجح لأنه لم يكن مناسبا لواقع المكونات العرقية والطائفية، التي تشكل بنية البلد، وشدد على حرص بلاده على وحدة أراضي العراق، وانتقد حكومة إقليم كردستان، مشيرا إلى أنها لا تبدي أي اهتمام بأن تكون جزءا من عراق فيدرالي حقيقي، وانتفاء هذه الرغبة، أدى إلى اختراق خارجي للعراق، وإلى شلل مزمن. والمتأمل لهذا التصريح، يمكنه أن يستشف أن أمريكا تعارض إقامة دولة كردية مستقلة في شمال العراق، وترى أن الحكم الذاتي الكردي الحالي لابد أن يعاد دمجه داخل دولة مركزية قوية، بدلا من العمل على ترسيخه وتطويره. وهكذا فتصريح براك هذا، يرسل رسالة ضمنية للقادة الأكراد العراقيين بأن سياسة أمريكا تعارض أي تحرك كردي يسعى إلى تقسيم العراق وإنشاء دولة كردية مستقلة رسميا، وأشاد براك بالشعب العراقي، عندما أكد خلال منتدى الدوحة الذي عقد في ديسمبر 2025، بأنه لا يوجد في العالم كله أي مجتمع يتمتع أبناؤه بمستوى تعليمي عال وإرث تأريخي، مثلما يتمتع به أبناء بلاد ما بين النهرين. وجاءت هذه التصريحات في سياق تأكيده أهلية العراقيين لحكم أنفسهم وهم وحدهم المعنيون بتقرير نظام حكمهم، مؤكدا ضمنيا، ضرورة أن يعترف الأكراد ويقبلوا حقيقة أنهم عراقيون أولا وأكراد ثانيا. سياسة أمريكا الجديدة تعطي الأولوية لحكم الدولة المركزية، وانخراط جميع مكونات الشعب العراقي ضمن الدولة المركزية والتخلي عن النظام الفيدرالي القائم في كردستان العراق.
يبدو أن الفكر السياسي للولايات المتحدة يشهد تحولا نحو ما يمكن تسميته الفكر السياسي الواقعي، فتصريحات برّاك حول الملكية الرشيدة، تأتي بعد فشل النظام البرلماني في العراق
جاءت تصريحات براك صادمة لجميع المهتمين بالشأن السياسي الإقليمي، ودعت الجميع للتساؤل عن أسباب هذا التحول السياسي المفاجئ تجاه الأكراد. ويمكننا أن نعزو ذلك إلى أن أمريكا أدركت بعد فشلها في تجربة احتلال العراق، أن تقسيم الدول إلى جيوب عرقية، يخلق حالة من عدم الاستقرار ويغري بالتدخل الأجنبي التركي والإيراني في شؤونها. ففي سبعينيات القرن العشرين، لم يكن دعم أمريكا للملا مصطفى البارزاني قائما على دعم استقلال كردستان كهدف أخلاقي، كما يظن الكثيرون، بل كان هدفه التخريب الجيوسياسي. فالعراق في تلك الحقبة كان حليفا رئيسيا للاتحاد السوفييتي، وكان الغرب يعتبر حكومة البعث في بغداد تهديدا لإمدادات النفط العالمية والاستقرار الإقليمي. وكان شاه إيران في تلك الحقبة شرطي الولايات المتحدة في الخليج العربي، وبسبب خلافات إيران الحدودية مع العراق، حول ممر شط العرب، طلب شاه إيران مساعدة أمريكا وإسرائيل للضغط على بغداد عن طريق تمويل تمرد كردي ضد الحكومة المركزية في بغداد. فخلق ذلك التمرد الكردي ودعمه لم يكن مدفوعا برغبة حقيقية لمنحهم دولة مستقلة، بل لإبقاء الجيش العراقي في حالة استنزاف، وتشتت في شمال العراق، حتى ينشغل عن تهديد إيران وإسرائيل، وينشغل كذلك عن توطيد سلطة السوفييت في المنطقة. فقد كشف تقرير لاحق للكونغرس الأمريكي (لجنة بايك)، أن الولايات المتحدة أرادت للأكراد أن يقاتلوا حكومة بغداد، ولكنها لم تكن تريد لهم الانتصار، لأن انتصارهم كان يعني خسارة أداة الضغط على حكومة بغداد. كما أن إسرائيل ومن خلال دعمها لمصطفى البارزاني ضمنت بقاء جيش العراق مستنزفا داخليا، لكيلا يدعم مصر وسوريا في الحرب ضد إسرائيل. ولكن عندما توصل العراق وإيران إلى تسوية النزاع الحدودي، قطع الشاه كل مساعداته للأكراد وأوقفت الولايات المتحدة دعمها لهم وسمح للجيش العراقي بسحق التمرد الكردي، الذي استخدم كورقة ضغط. فحكومة بغداد التي كانت في سبعينيات القرن الماضي عدوا لأمريكا بدعم سوفييتي، أصبحت بعد الاحتلال الأمريكي للعراق حكومة حليفة لأمريكا، بعد إنفاق تريليونات الدولارات على إسقاط نظام البعث الحاكم، ولذلك فإنه ليس من مصلحة أمريكا اليوم ضعضعة أو تقويض هذه الحكومة التي خلقتها هي، بالإضافة لذلك فإن تغير موقف الولايات المتحدة تجاه أكراد العراق ينبع من حقيقة أن إيران السبعينيات، التي كانت حليفا للولايات المتحدة لم تعد كذلك اليوم، وأنها اكتسبت نفوذا هائلا داخل العراق، ولذلك فإن امريكا تعتقد أن الطريقة الوحيدة لتحجيم النفوذ الإيراني، هو خلق دولة مركزية قوية في العراق تضم جميع أطياف الشعب العراقي.
بدأت أمريكا تعترف بأن وجود عراق مجزأ نتيجة لوجود الحكم الذاتي للأكراد، أدى إلى خلق عراق ضعيف مما مهد الطريق أمام إيران للانقضاض عليه والسيطرة المحكمة على مقدراته وشؤونه. فأمريكا تسعى اليوم إلى قيام حكومة عراقية موحدة تضم ممثلين عن جميع الأطياف العراقية للتخلص تدريجيا من إقليم الحكم الذاتي في شمال العراق، كما تحرص على أن تكون هذه الحكومة من القوة، بحيث تكون قادرة على مقاومة النفوذ الإيراني من جهة، والتوافق مع مصالح أمريكا في العراق والمنطقة من جهة أخرى. كما امتدح باراك ما سماه بأنظمة الحكم الملكية الرشيدة في دول الخليج العربي، لأنها نجحت وخلال وقت قصير نسبيا في تحقيق الاستقرار والنمو الاقتصادي والقدرة على صنع القرارات الفعالة. وحذّر من الجهود الغربية التي تريد فرض أنماط ديمقراطية على منطقة الشرق الأوسط، مؤكدا أن تلك المبادرات لم يحالفها النجاح. وأكد أن جميع تدخلات أمريكا في الدول لخلق سلطة انتداب استعمارية، كما حصل في ليبيا والعراق، فشلت وانتهت بشلل كامل.
يبدو أن الفكر السياسي للولايات المتحدة يشهد تحولا مهما نحو ما يمكن تسميته بالفكر السياسي الواقعي، فتصريحات براك اليوم حول الملكية الرشيدة، تأتي بعد فشل النظام البرلماني في العراق، الذي تشكّل في أعقاب الاحتلال الأمريكي، ما أدى إلى جمود سياسي وفساد إداري وصعود للميليشيات المسلحة، فقد عجزت الأحزاب الفاعلة في المشهد السياسي العراقي عن التوصل إلى توافق في الآراء، ما أدى الى عرقلة في التقدم في السياسات العامة نتيجة للاستقطاب الحاد والانقسامات الأيديولوجية العميقة.
أما رسالة الولايات المتحدة للأكراد فهي تشجيعهم على الاندماج والمشاركة الفعالة في النظام السياسي العراقي، من أجل ضمان تمثيلهم في الحكومة المركزية لتحقيق سيطرة أكبر على الموارد الطبيعية للعراق والاستفادة منها، مؤكدة أنها لن تتدخل عسكريا من أجل حماية كيان كردي مستقل عن الحكومة المركزية في بغداد، وهكذا يصبح طريق المقاومة الكردية المسلحة مخاطرة كبيرة لا تتوفر لديها أي فرص للنجاح أو الفوز.
– كاتبة عراقية
- القدس العربي


























