وصلتني الأسبوع الماضي، على الفيسبوك، دعوة للانضمام إلى مجموعة عنوانها “كفى، دير الزور منكوبة”، وللأمانة فلم أقبل الدعوة، تجاهلتها، بمعنى أدق، ليس لسبب يتعلق بتوقيتها، ولا لأني لا أريد أن أشارك في حملة مطلبية في هذا الوقت، ولا لأن الدعوة غير محقة، ولكن، ببساطة، لأن دير الزور منذ عقود منكوبة، والأمر ليس جديدًا عليّ، أنا الذي أمضيت طفولتي في حاراتها ومدارسها، ونشأت أرصد نكبتها طيلة سنوات وعيي، لم يتغير في ملامحها شيء، سوى بعض أبنية كان الميسورون من أبنائها ينشئونها، لكن المدينة، بشكل عام، ظلت منكوبة، منذ أن أعلن أبناؤها تمردهم على النظام البائد، إبان سلطة الديكتاتور الأب، في ثمانينيات القرن الماضي، حين خرج طلاب مدارسها وجامعتها يهتفون بصوت واحد: لا دراسة ولا تدريس، حتى يسقط الرئيس.
وكنت شاهدًا، وأنا طفل في الحادية عشرة من عمره، على مقتل أحد أبناء حارتنا في حي الجبيلة برصاص قوات الأمن، لكن هول فاجعة حماة ومجزرتها طغى على كل ما عداها، وأُدرج مئات من أبناء دير الزور الذين قُتلوا مباشرة، أو الذين تم إعدامهم في مجزرة سجن تدمر الأليمة، والتي نفذها النافق مؤخرًا رفعت الأسد، في سجلات خاصة، فلم يتم تشييعهم ودفنهم كما يليق بجسد إنساني، بل تم مواراتهم الثرى في ظلمة الليل، وبكت الأمهات بأصوات مخنوقة، في حين طأطأ الآباء رؤوسهم، واستسلموا لمقصلة النسيان.
دير الزور كاملة، بمدنها وقراها، خرجت من حسابات الجميع، فاستقرت في شرقها “قسد”، تنشر أفكارها، وتنهب ثرواتها، وتحاول، كما سيتضح لاحقًا، ترسيخ نفوذها في مسعى لتظل تلك الغنيمة تحت السيطرة، ترهيبًا وترغيبًا.
خلال سنوات الثورة، تحولت دير الزور إلى حقل تجارب مفتوح للتدمير، فانهالت عليها حمم الصواريخ والقنابل من كل صوب وحدب، ولم يبقَ من عمرانها سوى ربع مدينة، عدة أحياء فقط، في حين نزح ما نسبته ستون بالمئة من أهلها، وهاموا على وجوههم، في حين اعتبرتها إيران وميليشياتها غنيمة سهلة، فانتشرت حسينياتها في كل زاوية، وبدا وكأن دير الزور كاملة، بمدنها وقراها، خرجت من حسابات الجميع، فاستقرت في شرقها “قسد”، تنشر أفكارها، وتنهب ثرواتها، وتحاول، كما سيتضح لاحقًا، ترسيخ نفوذها في مسعى لتظل تلك الغنيمة تحت السيطرة، ترهيبًا وترغيبًا.
وإذا كانت المدينة، بعاصمتها الإدارية ومناطقها الممتدة حتى الحدود العراقية، قد تحررت كليًا من الاحتلالات التي مزقتها ونهبتها، وبدأت تمد الجسور بين ضفتيها، في محاكاة جليلة لفكرة ربط الأرض بعضها ببعضها الآخر، فإن واقع الحال المتردي، حيثما وقعت عينا المراقب، يجعل أهلها يستغيثون، لا ضغطًا على الدولة الوليدة فحسب، بل خشية أن يتم إهمالهم أزمانًا أخرى. وقد أثارت حفيظة الناس تلك المقولة البليدة التي نطق بها أكثر من مسؤول عن استعادة الثروات، من نفط وقمح وقطن ومياه ومعابر حدودية، ولكن ماذا عن الناس؟
قال الرئيس الشرع أكثر من مرة إن لديه خططًا للتنمية في دمشق وحلب ومدن الساحل السوري، ولا أدري إن كانت دير الزور ستنعم بقطار التنمية القادم، أم ستكتفي بلعب دورها الذي اعتادته على مدى عقود: بقرة تدر حليبًا للمدن الأخرى، ثم يتم التصدق عليها بالفتات؟
ماذا عن الناس حقًا؟
استنادًا إلى مراقبة يومية، وتواصل مع صحفيين وناشطين محليين، فإن حركة عودة النازحين إلى المدينة ما زالت أقل من المتوقع والمأمول، فالمدينة لا تستطيع، لا عمرانيًا ولا خدميًا، استقبال أهلها العائدين، لذلك يتريث النازحون في أماكن كثيرة في حسم أمورهم ولمّ شتات ذواتهم المشتتة، فلا مدارس كافية لاستيعاب أولادهم، ولا ضمانات في أن يعودوا إلى أعمالهم التي طُردوا منها، أو غادروها خلال سنوات الثورة، ولا يمكن تحميل الحكومة ما لا طاقة لها به، فملفاتها مبعثرة، وإعادة ترتيبها يلزمها دراسة واستشارة وحسن اطلاع. ولكن إذا كان طريق الألف ميل يبدأ بخطوة، فإن الطريق إلى دير الزور يبدأ بالاستماع إلى أهلها، فهل تفعل الحكومة ذلك، أم ستكتفي بمراقبة الأوضاع من بعيد؟ فدير الزور بعيدة، وليست سوى جغرافيا مهملة، تلوح من سمائها أدخنة متصاعدة من حقول النفط؟
أخيرًا، قال الرئيس الشرع أكثر من مرة إن لديه خططًا للتنمية في دمشق وحلب ومدن الساحل السوري، ولا أدري إن كانت دير الزور ستنعم بقطار التنمية القادم، أم ستكتفي بلعب دورها الذي اعتادته على مدى عقود: بقرة تدر حليبًا للمدن الأخرى، ثم يتم التصدق عليها بالفتات؟
وما يصح على دير الزور، يصح على الرقة والحسكة أيضًا..
- تلفزيون سوريا



























