ليست هي المرة الأولى التي تتحول فيها وقائع محاكمات نورمبرغ إلى مادة سينمائية، غير أن النسخة الحديثة التي قدّمها المخرج جيمس فاندربلت في فيلمه الجديد مشغولة بإتقان وتستحق المشاهدة. وكسوري مهتم بالسينما، يصعب إكمال الفيلم من دون أن تستدعي أسئلةً موازية لأسئلته، تخص واقعنا في مرحلة ما بعد سقوط نظام الاستبداد الأسدي.
الفكرة المركزية تنشغل بالإجابة عن سؤال واضح: ماذا نفعل بقادة ارتكبوا جرائم ضد البشرية؟ هل يُعدمون فوراً بوصفهم مجرمي حرب، أم يُحاكمون أولاً؟ هل يحق للمنتصر أن يعاقب من دون سماع، أم أن المحاكمة شرط للعدالة حتى حين تكون الجريمة مؤكدة والفظائع موثّقة؟ فمحاكمة المجرم تعني منحه حق الكلام، حتى وإن كانت جرائمه ثابتة سلفاً.
أكثر ما يثير الأسئلة في الفيلم هو الاهتمام العالمي الذي رافق تلك المحاكمات. فقد وضعت الدول العظمى المنتصرة إمكاناتها السياسية والقانونية لإنجاح العملية، فبدا الأمر كأن العالم اجتمع ليعلن أن هذه الجرائم لن تمر من دون حساب.
وصيغة المحكمة العلنية، بإجراءات واضحة، وبمحامين ودفاع واستماع إلى الشهادات، جسّدت فكرة أن النظام الدولي الجديد يقوم على قاعدة أن الجرائم الكبرى تُواجَه بإطار قانوني يُعرّفها ويُصنّفها ويُحمّل المسؤولية لأفراد محدّدين، حتى لو كانوا قادة دول.
من هنا يبدأ السؤال الذي لا يفارقنا: لماذا يتكرّس هذا الجهد العالمي الهائل في لحظة تاريخية معيّنة، بينما تُهمَل العدالة في أماكن أخرى؟ لماذا تبدو المبادئ التي كرّستها المحاكمات انتقائية؟ ولماذا، بعد سقوط أنظمة ارتكبت جرائم واسعة بحق شعوبها، لا تظهر الحماسة ذاتها، لا دولياً ولا محلياً، لمسألة المحاسبة؟
وإذا كانت العدالة شرطاً لإعادة بناء نظام عالمي بعد حرب كبرى، فهل تغدو أقل إلحاحاً حين لا يكون النظام الدولي نفسه مهدَّداً؟ وهل يتحول القانون الأممي، في غياب لحظة تأسيس كبرى، إلى أداة انتقائية تتحرك حيث تتقاطع المصالح وتتوقف حيث تتعارض؟
ربما يمكن القول إن بعض الجرائم تُحاط باهتمام عالمي واسع، بينما تُترك أخرى في الهامش بسبب اختلاف السياق السياسي. حين تمسّ الجريمة توازن النظام الدولي، يصبح التحرك أولوية. وحين تبقى داخل حدود دولة منهكة أو منطقة صراع معقّدة، تتراجع الحماسة ويتقدم خطاب “الاستقرار” و”الواقعية السياسية”.
في الحالة السورية، ارتُكبت جرائم واسعة النطاق، موثّقة بالصوت والصورة، من القصف العشوائي إلى التعذيب الممنهج والإخفاء القسري. ومع ذلك، لم نشهد تعبئة دولية تقارن بلحظة نورمبرغ. مجلس الأمن مشلول بتوازنات الفيتو، والدول الكبرى منقسمة حول المصالح، وسوريا تحولت إلى ساحة تقاطع نفوذ أكثر من كونها لحظة إجماع أخلاقي.
لكن الأخطر من الانتقائية الدولية يتمثل في تراجع الإرادة المحلية. فإذا كان الخارج محكوماً بحساباته، فإن الداخل معني أولاً بإعادة بناء المعنى الأخلاقي والسياسي بعد الكارثة. وحين يتقدم خطاب “التسويات” و”تجاوز الماضي” من دون مساءلة حقيقية، يترسّخ شعور بأن الجريمة يمكن أن تُطوى سياسياً من دون أن تُحسم قانونياً.
هنا نصل إلى السؤال الحاسم: هل يمكن بناء شرعية جديدة فوق أرض لم تُحاسَب فيها الجرائم؟ وهل الاستقرار الذي يتجاهل العدالة استقرار فعلي، أم هدنة مؤقتة مع ذاكرة مثقلة؟
ما يترتب على ترك الجرائم من دون محاسبة أخطر بكثير من الحسابات الضيقة. فحين يُترك مرتكبو الانتهاكات الكبرى خارج إطار القضاء، يتصدّع الأساس الأخلاقي للدولة الجديدة. ويبعث ذلك رسالة صريحة مفادها أن الجريمة يمكن أن تُسوّى سياسياً. وعندما يُستبدل القضاء بالتسويات، يصبح العنف أداة قابلة لإعادة الاستخدام في المستقبل، ويتعلم الفاعل أن أقصى ما قد يواجهه هو إعادة تموضع، لا مساءلة.
كما ينتج عن ذلك شرخ عميق في وعي الضحايا. فالعدالة شرط لإعادة الاعتبار لمن فقدوا أبناءهم أو حريتهم أو كرامتهم. وحين يُطلب من الضحايا “طيّ الصفحة” من دون أن تُفتح المحكمة، يتحول الألم إلى احتقان صامت، وقد يتحول الاحتقان لاحقاً إلى دورة جديدة من العنف.
في المحصلة، يقوّض غياب المحاسبة الثقة بالمؤسسات الوليدة. فالسلطة الجديدة تحتاج إلى شرعية، وهذه الشرعية تُبنى على قدرتها على ترسيم حدود واضحة بين ما كان مقبولاً في الماضي وما لم يعد مقبولاً اليوم. ومن دون محاكمات عادلة وشفافة، يبقى الخط الفاصل ضبابياً.
من هنا، تصبح العدالة الانتقالية ضرورة سياسية، وليست مطلباً أخلاقياً مجرداً، لأنها ترسم حدود الممكن في الدولة الجديدة: ما الذي يُغتفر، وما الذي يُحال إلى القضاء، ومن يتحمل المسؤولية الفردية. السؤال الذي يواجه أي مرحلة ما بعد الاستبداد هو: هل نؤسس دولة قانون فعلاً، أم نعيد توزيع السلطة داخل منطق قديم لم يُحاسَب؟
في الفيلم، لا تبدو القاعة مجرد مكان لمحاكمة مهزومين، وإنما تظهر كأنها مختبر يُعاد فيه تعريف معنى الدولة بعد الكارثة، وإعلان أن الزمن الذي كانت فيه السلطة تعني الإفلات من العقاب قد انتهى.
في حالتنا، قد لا تتوافر اليوم شروط نورمبرغ: لا توافق دولي شامل، ولا لحظة إجماع تعيد صياغة النظام العالمي. ومع ذلك، تبقى الحقيقة أن أي دولة تريد أن تولد من ركام الاستبداد تحتاج إلى لحظة مشابهة في معناها، حتى وإن اختلفت في ظروفها.
العدالة شرط للاستقرار وليست عبئاً عليه. وربما لهذا يتجاوز سؤال الفيلم زمن الحرب العالمية الثانية، ليصل إلينا اليوم بوصفه سؤال تأسيس، لا سؤال ذاكرة فقط.
- الثورة السورية



























