تعرف إيران أن المحور الذي رعته وبنته طوال 40 عاماً قد تلقى ضربات قاتلة، وهي لم تفعل أي شيء لحمايته والدفاع عنه. أبيدت غزة وتعرض “حزب الله” في لبنان إلى مقتلة شاملة وحوصر الحشد العراقي ولم تبذل القيادة الإيرانية أي جهد عملي على مستوى الإسناد الذي طلبت إلى أنصارها القيام به، لكنها الآن وهي تتعرض للتهديد المباشر لا تتلكأ في طلب مشاركة هؤلاء في معركتها من دون النظر إلى انعكاسات هذه المشاركة على شعوب وأوطان سئمت من استعمالها المديد وقوداً لحروب المرشد وطموحاته.
لا يزال السؤال الملح في سماء المنطقة، عن مآلات النزاع الأميركي- الإيراني والإيراني- الإسرائيلي من دون جواب، وبنود وشروط تلك المفاوضات، التي هي في صلب النزاع لا تزال عرضة للشد والجذب.
إيران التي تختصر جدول الأعمال بالملف النووي، ترفض البحث في السلاح الصاروخي ودور الميليشيات التابعة وتمضي في تعزيز قدرتها الصاروخية بموازاة إعداد الأذرع لدور ما، ويبرز في هذا المجال دور خاص لجماعة الحوثي وسلاحها المسير والصاروخي.
المفاوضات الأميركية- الإيرانية ستستأنف هذا الثلاثاء في الأرجح، وفي جنيف هذه المرة بمشاركة الوسيط العماني، وسيكون لافتاً للانتباه أن الوفد الأميركي الذي يضم ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر سينتقل في المدينة نفسها ليخوض تفاوضاً موازياً مع وفدين روسي وأوكراني في شأن التسوية المفترضة في أوكرانيا.
لا موجب للربط بين المسارين على رغم أن روسيا تتحدث عن تنسيق مع الصين لخلق بيئة مناسبة لتسوية أميركية- إيرانية، لكن الإشارات الآتية من مراكز القرار تعيد التذكير باحتمال تحقيق صفقات متزامنة ليس بالضرورة أن تتواءم مع طموحات أوكرانيا أو اشتراطات إيران.
الطريق إلى تلك الصفقات لا يزال طويلاً، وهو محفوف بالتصعيد واحتمالات الحروب.
قصف مدينة أوديسا الأوكرانية إشارة للمناخ الذي يواكب التفاوض في أوكرانيا، والتهديدات الأميركية لإيران ومحاصرتها بالأساطيل والطائرات، مترافقاً مع تلويح بحرب مفتوحة لأسابيع، تواجهها إيران بتصريحات نارية عن “رد ساحق” وتلويح بتحريك الأذرع كما يفهم من حصيلة زيارة علي لاريجاني إلى مسقط ولقائه فيها مع ممثل الحوثي محمد عبدالسلام.
دور الأذرع تبحثه إيران بدقة على قاعدة تحذير المرشد علي خامنئي من أن أي هجوم على بلاده سيثير “حرباً إقليمية”. وهذه الحرب الإقليمية لا تقتصر، في التصريحات الإيرانية، على التهديد بضرب القواعد الأميركية القريبة في دول مجاورة، فهي تشمل دفع الفصائل الموالية إلى القيام بعمليات تسهم في “جهود الدفاع القومي الإيراني”، مع الأخذ في الاعتبار الأوضاع الخاصة بكل فصيل، والمهمات التي يمكن أن توكل إليه والتي بينها مهاجمة المصالح الأميركية والغربية في البلدان المجاورة، مما يعيد إلى الذاكرة أدوار تلك الأذرع في بداياتها، في ثمانينيات القرن الماضي، عندما استنفرت قواها تحت تسميات عدة لخطف مواطنين غربيين وتفجير ممتلكات والتعرض إلى الدبلوماسيين.
تعرف إيران أن المحور الذي رعته وبنته طوال 40 عاماً قد تلقى ضربات قاتلة، وهي لم تفعل أي شيء لحمايته والدفاع عنه. أبيدت غزة وتعرض “حزب الله” في لبنان إلى مقتلة شاملة وحوصر الحشد العراقي ولم تبذل القيادة الإيرانية أي جهد عملي على مستوى الإسناد الذي طلبت إلى أنصارها القيام به، لكنها الآن وهي تتعرض للتهديد المباشر لا تتلكأ في طلب مشاركة هؤلاء في معركتها من دون النظر إلى انعكاسات هذه المشاركة على شعوب وأوطان سئمت من استعمالها المديد وقوداً لحروب المرشد وطموحاته.
يتهيب الحشد العراقي الانخراط في المعركة الإيرانية ويجزم ياسر العيساوي، معاون رئيس أركان الحشد الشعبي العراقي أن الحشد “لن يشارك في حال حدوث الحرب بين إيران وأميركا”، لكن منظمة “بدر” تجند آلاف “المتطوعين” العراقيين في محافظة ديالى للدفاع عن إيران.
وفي لبنان يعلن الشيخ نعيم قاسم أن “حزب الله” لن يقف على الحياد في حال نشوب الحرب، وهو الصامت كلياً أمام هجمات يومية تشنها إسرائيل ضد عناصره ومواقعه. وحدهم الحوثيون يحتلون مرتبة مميزة في الرؤية الإيرانية الحالية للمواجهة حرباً أو تفاوضاً، فهؤلاء شنوا حرب السفن في البحر الأحمر “إسناداً للشعب الفلسطيني” وطوروا بإشراف إيران أسلحة صاروخية ومسيرات جربوها سابقاً ضد بلدان الخليج ثم ضد السفن وباتجاه إسرائيل خلال حرب غزة.
الآن عاد الحوثيون إلى التهديد باستئناف هجماتهم في البحر دعماً لإيران “لأنها، من وجهة نظرهم، العائق الأول” أمام “استباحة” أميركا وإسرائيل للمنطقة، كما يقول زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي.
وكان لافتاً للانتباه اللقاء الذي جمع في مسقط علي لاريجاني أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني ومحمد عبدالسلام أحد أركان الحوثيين، وتم فيه بحث دور الحوثيين في الحرب المحتملة، الأوساط المقربة من لاريجاني عممت بعد اللقاء أنه “يحمل مضامين ودلالات واضحة للمنطقة والعالم من جوانب كثيرة”.
وقالت وكالة “تسنيم” المقربة من الحرس الثوري إن اللقاء هو “رمز آخر لفشل استراتيجية الضغوط التي تبذلها الولايات المتحدة على إيران وأنصار الله لإجبارهما على الرضوخ”، وقالت إن الولايات المتحدة ترغب “في أن يتخلى أنصار الله عن دعم إيران وجبهة المقاومة عموماً، ومن ناحية أخرى، كانت ترغب في أن تترك إيران أنصار الله وحيدين”.
ومضت الوكالة الإيرانية تقول إن “إيران وأنصار الله، من خلال هذا اللقاء ذي الدلالة، أعلنتا أن علاقة أعضاء محور المقاومة ليست قابلة للانكسار وحسب، بل إنها تتقدم قدماً إلى الأمام”، وأن الحوثيين “يعلنون الآن أن ’الخنجر اليمني‘ جاهز، إلى جانب ’القوة الصاروخية‘ الإيرانية، لأي سيناريو بديل!”.
رأى الإيرانيون في موقف الحوثيين استجابة صريحة لتهديد الخامنئي، في خطابه قبل أيام بأن “على الأميركيين أن يعلموا أنه إذا اندلعت حرب، فستكون هذه المرة حرباً إقليمية”، فالحرب الإقليمية بنظر إيران تشير من جهة إلى “نطاق الأهداف” التي أعلنت إيران أنها ستستهدفها، فجاء إعلان الحوثي وإيران أن الحرب الإقليمية لا تقتصر فقط على دائرة الأهداف، بل إن “أنصار الله جاهزون أيضاً لدخول ساحة أخرى لإحباط الولايات المتحدة”.
بدا الاهتمام الإيراني بدور وموقع الحوثي مثيراً، صحيح أن طهران تحرص على رعاية وتوجيه أنصارها في العراق ولبنان لكنها كما يبدو تعتمد خصوصاً على فريق يمكن أن يخدم خطتها في المواجهة التي تتضمن على نحو خاص محاولة الإمساك بالممرات البحرية والمضائق من هرمز إلى البحر الأحمر.
في هذا الإطار تبقى جماعة الحوثي الورقة الإيرانية الأقوى، بما يسمح بالقول إن زيارة مستشار خامنئي ورئيس مجلس الأمن القومي إلى مسقط، هدفت تحديداً إلى البحث في مهمات الذراع اليمنية، وليس الاطلاع على ما اطلع عليه قبله بأيام الوفد الإيراني المفاوض.
- إندبندنت



























