مناطق وأشياء – هل يفتح ما بعد قسد المجالَ لفاعليات سياسية سورية مُغايرة؟

ياسين السويحة

بين ميونخ ودمشق والقامشلي، وعفرين وبلدياتها؛ يبدو أن العلاقة بين السلطة المركزية وقسد قد غادرت مساحات الصِدام المسلّح نحو حقول السياسة. هذا خبر ممتاز، بغضّ النظر عن الموقف من الأطراف، وبمعزل عن تقدير التعقيدات التي ما زالت ماثلة في هذا الملف، والتي يتجاوز أغلبُها بكثير حجم ما يمكن تصريفه كـ«تفاصيل». ومع هدوءٍ أكثر، وإن ظل نسبياً، في ما يخص المسألة العَلوية، ورغم راهنية استعصاء الحال في السويداء وضخامة ملف العلاقة مع دروزها بعد جرائم (وليس أخطاء) تمّوز، يبدو أن بحر المعضلات السورية في طور تَحوُّل تدريجي من عنف مشهدية الأمواج العاتية المتلاطمة إلى ما قد يبدو رتابةَ المدّ والجزر والتيارات البحرية، السطحية منها والعميقة؛ وهي رتابة يعرف البحّارة أكثر من غيرهم أنها ما يحرّك المياه والسفن وخيرات البحار الكامنة فيها.

خلال الأسبوعين الماضيين فحسب (وما يلي خارطة غير كاملة) شهدت دمشق سجالاً واحتجاجات على تسعيرات الكهرباء الجديدة، وعاشت حلب اعتراضات من أصحاب المصالح الاقتصادية على سوء إدارة السلطات المحلية وشركة الكهرباء ملف الطاقة، إضافةً لاستمرار السجال حول الاستيراد وحماية المنتج المحلي. هذا في الوقت الذي يتواصل فيه إضراب معلّمي الشمال، الذي التحق به احتجاج معلّمي الرقة، وبات يمكن اعتبار هذا الاحتجاج في القطاع التعليمي أكبر حِراك نقابي الطابع في تاريخ البلاد. وفي حين كان مسؤولو محافظة حلب يُحرِزون اتفاقاً يُنهي إضراباً احتجاجياً للقطاع الصحي في إعزاز، أعلنت كوادر صحة التل في ريف دمشق وقف العمل بما ليس طارئاً من الوافد إلى مستوصفها، في إضرابٍ يُطالب بتحسين شروطهم المهنية. وفي حين تشهد مناطق من محافظة دير الزور استياءً علنياً من آليات التسوية مع عناصر وشخصيات ذات ماضٍ إشكالي في علاقاتها مع النظام الساقط، تحصل احتجاجات في الدانا بريف إدلب اعتراضاً على تغييرات إدارية «تتجاوز إرادة المجتمع المحلي»، وعلى نقل مَرافق حيوية إلى سرمدا. وهذا في حين ينتظم موظفون سابقون من مناطق مختلفة من البلاد للمُطالَبة بالعودة إلى وظائفهم التي حُرِموا منها لأسباب سياسية؛ وآخرون يخشون فقدانها بسبب تَبدُّل الأوضاع السياسية في منطقتهم. واحتجَّ سائقو الشحن السوريين على السماح لشاحنات من دول الجوار بدخول البلاد، وبدروهم احتجَّ سائقو دول الجوار على قطع السائقين السوريين لأرزاقهم.

ثمة ثلاث ملاحظات، واستدراك، يمكن وضعها إزاء هذه الحِراكات. الأولى أنها لا تبدو، من حيث المبدأ، إيذاناً بلحظة ثورية قريبة. ليست «صِفرية»، حسب التعبير الأثير لدى إعلام هيئة تحرير الشام الرديف خلال مرحلة إدلب. الظاهر من شعاراتها ليس صِدامياً مع السلطة ولا مُسائلاً لشرعيتها، لكنه مُطالِبٌ لها بتلبية ما يُعتقَد أنه حقٌّ للمطالبين، ويُطالَبُ بهذا الحق بمثابة ترجمة بديهية للتحرير؛ حصّة ناس هذا القطاع أو تلك المنطقة منه. هي، بهذا المعنى، «تأسيسية»، و«انتقالية» أيضاً. تصوّرات الناس والقطاعات والمناطق عن حقّهم في الأوضاع الجديدة لبلدٍ ما هي صانع فاعل ومهم لمستقبل هذه الأوضاع، الأمر ليس فقط إرادات قادة ونخب وأقوياء.

ثاني ما يُلاحظ في هذه الحِراكات أنها تقع جميعها عند ملتقى طرق ما هو «قطّاعي» من مهنة أو مصلحة أو سبيل رزق، وما هو «محلّي» جغرافياً؛ غالباً على مستوى الناحية أو المنطقة، وفقط في حالات قليلة على مستوى محافظة. القطّاعي والمحلّي، كلاهما، خارج رادار السياسة السورية تاريخياً. لأسباب مركّبة ومديدة، تنظر سياستنا نحو «الاستراتيجي» والجيوسياسي، واهتمامها بمحاور الإقليم والعالم يفوق بمراحل التفاتها إلى طريق سرمدا–الدانا. وإن نظرت سياستُنا إلى داخل البلاد، فقلّما تنظرُ إلى ما هو أدنى من التفكير الدائري بالمواد الأولى من الدستور. تفكيرنا السياسي «عَلاّوي» ومجرّد. ليست لدينا سياسات أشياء، ولا سياسات مناطق.

الملاحظة الثالثة هي سلوك السلطة تجاه هذه الحِراكات. يبدو حتى الآن أنها تحاول الذهاب حالةً بحالة، فتتعاملُ مع كل حِراك ضمن دائرة السياسة الخاصة به، ويواجهه المسؤولون المحليون في تلك المنطقة أو هذه المحافظة. تعي السلطة جيداً أنه لا موارد ولا قدرات لديها لتلبية جميع المطالب، أو حتى بعضها. عدا أن مجموع بعضها «تراجيدي»: لا يمكن حلّ أحدها إلا على حساب الآخر، والممكنُ فقط هو إدارة الجميع ضمن حدود الممكن. أصحاب الحرّاقات يشتكون، ويصعب عدم التعاطف معهم، من إغلاق مورد رزقهم، وهو مورد رزقٍ لا يمكن للحكومة إلا أن تغلقه، بيئياً وصحيّاً واقتصادياً-اجتماعياً. ما هي البدائل الممكنة؟ هذا السؤال الذي لا يُجاب عبر توبيخ السائلين عن الدور الاجتماعي للدولة.

خلال العام الماضي، عام الترندوقراطية -حكم الترند، ولكن أيضاً الحكم بالترند-، أسرفت السلطة في التبشير بحلول سهلة لمشكلات عويصة. حين تَعِدُ بحلّ مشكلة فأنت تجازف بأن يُصدِّقك من يعانونها؛ وحين تُقرِّ باستعصائها تجازف بغضبهم منك. الحياة، والسياسة، نُواسٌ بين هاتين المعضلتين. لعلَّ مزيداً من الحذر من إهمال مسائل العدالة الاجتماعية، وتَجاسُراً أقل في الاختزالية النيوليبرالية لما هو اجتماعي-اقتصادي، هي أفضل نتائج ممكنة من هذه الموجات المطلبية.

وعلى سبيل الاستدراك، يمكن قول أن ثمة حاجة لمُساءلة مركزية الاحتجاج في انتباهنا للحِراكات ولتلاقي المصالح والمطامح والمَظلمات. الخارطة أعلاه شملت احتجاجات علنية أو لقاءات حصلت أمام الإعلام بين مواطنين وممثلين عن السلطات طُرحت فيها القضايا، لكن ثمة تيارات انحيازٍ ومصلحةٍ وتماهٍ عميقة قد لا تظهر باستمرار على شكل احتجاجات، لكنها حاضرةٌ بقوة دوماً حتى في غيابها: العدالة الانتقالية؛ الاقتصاد الزراعي؛ و«المسألة الأرضية» كعنوانٍ يجمع قضايا العمران وإعادته، والمُلكيات، وانتقالات السُكّان (قسراً أو طوعاً)، والتخطيط الحضري.

لم تبدأ الحِراكات المطلبية–المحلّية الآن فحسب؛ لقد انطلق العديد منها منذ الأسابيع الأولى بُعيدَ سقوط النظام. لكنها لم تكن في صدارة المشهد، وخفتت مع تصاعد حِدّة التمترس الأهلي–الطائفي، سيما بعد مجازر الساحل والسويداء. لقد أثبت العام المنصرم أن «الجماعة»، طائفيةً كانت أم قومية، هي حقلُ فاعلية سياسية ثقيل الحضور في السياق السوري؛ لكن مجريات هذه الأسابيع، «قطّاعياً» و«محلياً»، وما يمكن تَوقُّعُه في الأسابيع والأشهر المقبلة، تدلُّ على أن ثمة حقولَ فاعلية سياسية أخرى. لكن كيف يمكن رصدها وفهمها ومعاينة سياستها؟

ينتقد فواز طرابلسي في أكثر من مناسبة أن الفكر السياسي العربي قد انشغلَ كثيراً في العقود الماضية بالانطلاق من سؤال الغياب: «لماذا ليس لدينا ديمقراطية؟»، «لماذا ليس لدينا أحزاب؟»… إلخ. وهذه الملاحظة الهامة تنطبقُ اليوم على السياسة والشأن العام السوريين: ثمة حاجة إلى التفكير فيما هو موجود أكثر، وحاجة أقلّ إلى الانفعال الدائري حول ما يُعتقَد أنه غائب. باسم محمود فكّرَ في الموضوع معرفياً في مقال مهم قبل نحو أسبوعين. سياسياً، قد يكون المدخل هو الاقتناع بأنه لا حياة للمادة الأولى من أي دستور إن لم تُكتَب بنفس خطِّ النظام الداخلي لبلدية الدانا، أو ميثاق نقابة المعلّمين.

  • الجمهورية نت
Next Post

اترك رد

منتدى الرأي للحوار الديمقراطي (يوتيوب)

فبراير 2026
س د ن ث أرب خ ج
 123456
78910111213
14151617181920
21222324252627
28  

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist