مع التحوّلات السياسية في سوريا، بدأت موجة تحريض ضدّ سوريين يعملون داخل العراق، إذ انتشرت حملات على وسائل التواصل تطالب بترحيلهم أو تشكّك في وجودهم، وترافق ذلك مع إجراءات أمنية مشدّدة طالت أشخاصاً بتهم تتعلّق بإبداء التعاطف مع السلطة السورية الجديدة، أو الاحتفاظ بصور أو مواد اعتُبرت مؤيّدة لها داخل هواتفهم.
في المقاهي الشعبية في بغداد، كما في شوارع دمشق وحلب، لا يحتاج الناس إلى كثير من الشرح كي يجدوا خيطاً مشتركاً بينهم.
أسماء متشابهة، أكلات واحدة بأسماء مختلفة قليلاً، لهجات تتداخل، وحكايات هجرة وعمل وزواج عابرة للحدود منذ عشرات السنين. ومع ذلك، يكفي أن تفتح هاتفك اليوم لتجد أن البلدين يقفان على طرفي مواجهة مفتوحة.
خلال الأشهر التي أعقبت سقوط نظام بشّار الأسد حتى اليوم، تصاعدت موجة من الخطابات العدائية على وسائل التواصل بين مستخدمين عراقيين وسوريين: مقاطع تهديد، شتائم، تهم متبادلة، وتحريض لا يهدأ. المشهد يبدو كأنه انفجار مفاجئ، لكنّه في الحقيقة نتيجة تراكم طويل من الحروب والذاكرة الطائفية والسياسة الإقليمية، التي لا تتوقّف عن إعادة خلط الأوراق.
ومع التحوّلات السياسية في سوريا، بدأت موجة تحريض ضدّ سوريين يعملون داخل العراق، إذ انتشرت حملات على وسائل التواصل تطالب بترحيلهم أو تشكّك في وجودهم، وترافق ذلك مع إجراءات أمنية مشدّدة طالت أشخاصاً بتهم تتعلّق بإبداء التعاطف مع السلطة السورية الجديدة، أو الاحتفاظ بصور أو مواد اعتُبرت مؤيّدة لها داخل هواتفهم. وانتشرت حينها قصّة شخص رُفعت بحقّه قضيّة، وتبيّن أنه يحتفظ بصورة للرئيس السوري الجديد، قبل أن يُفرج عنه لاحقاً ويغادر إلى سوريا، في حادثة جرى تداولها بكثافة على المنصّات، بوصفها دليلاً على حجم التوتّر الذي رافق تلك المرحلة.
ورغم أن الاحتقان بقي في أغلبه ضمن فضاء الإنترنت، فإن الخطاب العدائي استمرّ بالتصاعد، خصوصاً مع كلّ تطوّر أمني أو سياسي جديد. وظهر ذلك بوضوح في الجدل الذي رافق ملفّ نقل معتقلي تنظيم “داعش” من سجون سوريا إلى العراق، حيث عادت موجات التحريض إلى الواجهة، وتحوّلت بعض المنصّات إلى ساحات تعبئة مفتوحة.
خلال الأسبوعين الماضيين، انتشرت مقاطع مصوّرة تُظهر ناشطين وإعلاميين ورجال دين عراقيين قرب الحدود السورية – العراقية، يوجّهون تهديدات علنية تجاه الداخل السوري، متوعّدين أيّ شخص يحاول “الوصول إلى كربلاء” بالعقاب، في خطاب تعبوي سريع الانتشار على المنصّات الرقمية.
ينشط بعض هؤلاء على منصّات التواصل الاجتماعي، مدعومين من جهات سياسية، سواء كانت شخصيّات أو مؤسّسات، وبعضهم منتسب إلى “هيئة الحشد الشعبي”، لكنّ الأخيرة قامت بإعفائهم من مهامهم الأصلية، لتكريس نشاطهم في الترويج لتوجّهاتها عبر السوشيال ميديا.
كما يوجد بينهم شخصيّات اجتماعية تمتلك قاعدة متابعين واسعة على الإنترنت، تتلقّى أحياناً مبالغ مالية أو تسهيلات وحماية خاصّة، وبعضهم سبق أن اعتُقل بتهمة تتعلّق بـ”المحتوى الهابط”، ومع كلّ حدث يتعارض مع توجّهات هذه الجهات، يظهرون في المشهد أو على الترند، لتصعيد التحريض ونشر الخطاب الذي تمليه عليهم تلك المؤسّسات.
ولم يخلُ الجانب السوري من خطاب تصعيدي أيضاً، إذ انتشرت مقاطع ومواد إعلامية، تتضمّن لغة تعبئة طائفية وتهديدات موجّهة إلى العراق، أو إساءات لبعض مكوّناته الاجتماعية، ما أسهم في تغذية دائرة متبادلة من الاستفزاز والتصعيد، بحيث بات كلّ طرف يستند إلى مقاطع الطرف الآخر لتبرير هجومه. كما جرى تداول فيديوهات لأشخاص سوريين يلوّحون بقطع مياه نهر الفرات عن العراق، وأخرى يظهر فيها أشخاص يطالبون الرئيس السوري أحمد الشرع بالسماح بعبور الحدود باتّجاه الأراضي العراقية.
ورغم الضجيج المتبادل، فإن هذه الأزمة بقيت إلى حدّ كبير محصورة في فضاء السوشيال ميديا، دون أن تتحوّل إلى صدامات واسعة في الشارع، أو إلى قطيعة اجتماعية حقيقية بين الشعبين، خاصّة مع استمرار وجود جاليات سورية كبيرة في العراق، وعلاقات عمل ومصاهرة وتجارات متبادلة لا يمكن قطعها بسهولة، إلا أن المخاوف تزداد من أن يتحوّل هذا الاحتقان الرقمي إلى توتّر واقعي إذا استمرّ التصعيد دون احتواء.
في السياق، برز أيضاً التبدّل في الخطاب السياسي الرسمي، إذ لم تعد القطيعة الكاملة خياراً عملياً بين بغداد ودمشق. مثال واضح على ذلك ما حدث مع رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، الذي كان في السابق يرفض أي تعاون مع الرئيس السوري الجديد ويحذّر من الانخراط معه، قبل أن يتحوّل خطابه لاحقاً إلى التأكيد على ضرورة التعاون والتنسيق الأمني والسياسي بين البلدين.
هذا التغيّر يعكس إلى حدّ كبير طبيعة السياسات الإقليمية المتقلّبة، حيث تتبدّل المواقف وفق موازين القوى والمصالح، لا وفق مشاعر العداء أو التقارب الشعبيين.
وسط هذا التوتّر، ظهر صوت الكاتب العراقي حسن بلاسم، وهو يُعيد النقاش إلى نقطة مختلفة بعيدة عن الحسابات الرسمية وخطابات العداء، فحديثه لا ينطلق من السياسة بقدر ما يستند إلى خبرة الناس اليومية في العيش المشترك، وإلى قناعة بأن ما جمع العراقيين والسوريين تاريخياً، كان أقوى من كلّ ما فرّقهم لاحقاً.
بلاسم يرى أن المشكلة لم تكن بين الشعبين، بل في طبيعة الأنظمة التي حكمت البلدين، إذ يقول “إن العراقيين والسوريين ظلّوا دائماً قريبين من بعضهم بعضاً، يندمجون بسهولة بحكم الجوار والتداخل الاجتماعي والتاريخ المشترك، لكنّ نظام البعث في البلدين حرمهم من علاقة طبيعية، فجعلها مشوّهة ومخنوقة بقرارات السلطة لا بإرادة الناس”.
ويختصر فكرته بعبارة مباشرة: “كفى تخويفاً طائفياً وكراهية لا تشبه حقيقة مشاعر الناس بين البلدين”، كما يقول: “التئام الجروح ليس معجزة مفاجئة، بل عمليّة طويلة تحتاج إلى جهد وصبر من الجميع”.
ويقرّ بأن كلامه قد يبدو رومانسياً، لكنّه يؤكّد أنه يتحدّث عن مشاعر الناس لا عن حسابات الحكام، داعياً المثقفين والفنّانين ومنظّمات المجتمع المدني إلى “العمل على بناء علاقة صحّية بين الجيران، بدلاً من ترك الساحة للسياسيين ولخطاباتهم المتشنّجة”.
لكنّ هذه النظرة التي تراهن على ما يجمع المجتمعين، تصطدم برؤية يطرحها الصحافي كلكامش نبيل، الذي يرى أن ما يحدث اليوم ليس مجرّد سوء تفاهم عابر، بل نتيجة تراكم طويل من الصراعات والانقسامات التي مزّقت المنطقة.
يربط نبيل التصعيد الأخير بين المستخدمين العراقيين والسوريين على وسائل التواصل، باستمرار الصراعات الطائفية في المنطقة منذ أكثر من عقدين، وبالتحوّل السياسي الذي شهدته سوريا بعد كانون الأوّل/ ديسمبر 2024، وما رافقه من تغيّر في موازين القوى الإقليمية. هذا التحوّل برأيه لم يخلق الانقسام، بل كشف هشاشة الهويّات الوطنية التي استُبدلت في كثير من الأحيان بهويّات طائفية عابرة للحدود.
ففي مرحلة سابقة، حين كانت سوريا جزءاً من “محور المقاومة”، كان الخطاب الرسمي يروّج لفكرة قرب البلدين ثقافياً وسياسياً، فيما كانت أصوات أخرى تشمت بجمهور المعارضة السورية وتبرّر قمعها، وبعد سقوط النظام، انقلب الخطاب في أوساط مقرّبة من السلطة في العراق، لتُصوَّر سوريا الجديدة باعتبارها بؤرة إرهاب أو “دولة أموية”، مع تداول أوصاف مهينة بحقّ السوريين، في حين يُظهر مروجو هذا الخطاب تعاطفاً مع مكوّنات أخرى في سوريا بدوافع طائفية، أو نكاية بالسلطة الجديدة.
ويشير نبيل إلى أن “أنصار السلطة الجديدة في سوريا، يروّجون بدورهم خطاباً تصعيدياً، يتحدّث أحياناً عن تغيير الأوضاع في العراق، أو يستخدمون توصيفات مسيئة بحقّ مكوّنات اجتماعية فيه، ومحاولات كسب تعاطف جماهير خارج الحدود عبر خطاب تعبوي”.
وحسب تقديره، فإن ما تغيّر فعلياً “ليس الاصطفافات الطائفية ذاتها، بل موقع كلّ طرف بعد التحوّل السياسي في سوريا، فأنماط التعاطف أو الشماتة بقيت مرتبطة بهويّتي الضحيّة والجاني، سواء في المرحلة السابقة أو الحالية، بينما تبدّل الموقف العامّ بتأثير التحوّلات الإقليمية”.
كما يوضح أن “ذاكرة الدم ما تزال حاضرة بقوّة، فبالنسبة إلى كثير من السوريين ارتبطت معاناتهم بتدخّل ميليشيات في الحرب السورية، بينما يرى كثير من العراقيين أن جماعات وشخصيّات بارزة في السلطة السورية الجديدة، ارتبطت بسنوات العنف التي عاشها العراق”.
المستفيد الأبرز من هذا التصعيد ليس المواطن العادي ولا المجتمع المتضرّر، بل السياسات التي تدعمها جهات خارجية، تسعى لإبقاء المنطقة في حالة توتّر دائمة لتحقيق مصالحها الاستراتيجية، فيما تتحوّل المنصّات الإلكترونية إلى ساحات اشتباك، بينما تتحرّك الحكومات بحسابات الأمن والاقتصاد والحدود.
يبقى الواقع اليومي أكثر تشابكاً من صورة العداء المتداولة على الشاشات، وبين أرشيف الألم ومصالح الجغرافيا، تبدو المجتمعات عالقة بين محاولة تخفيف إرث الصراع وخطر الانزلاق مجدّداً إلى دورات متكرّرة من الشيطنة المتبادلة.
رغم أن ملامح الحلّ لا تبدو قريبة، المؤكّد أن الخصومة الراهنة ليست قدراً دائماً ولا واقعاً ثابتاً، إنما نتاج ظرف سياسي وإقليمي قابل للتبدّل مع تغيّر الظروف والتحالفات.
صحافي عراقي
- درج


























