لم ينتفض السوريات والسوريون ضد نظام الأسد الإجرامي، ولم يضحّوا بالغالي والنفيس لتغيير الوجوه أو تبديل الشعارات، بل لإنهاء منطق الحكم الذي صادر القانون وحوّل القضاء إلى ملحق بالسلطة، ولإقامة دولة جديدة تقوم على سيادة القانون واستقلال القضاء. غير أن مرسوم العفو رقم 39 للعام 2026، الذي أصدره الرئيس الشرع خلافاً للإعلان الدستوري، جاء ليضع هذا الهدف موضع تساؤل: هل نسير فعلاً نحو دولة تحترم قانونها وقضائها، أم نعيد إنتاج الأدوات نفسها التي حكمنا بها البعث والأسدان؟
ولفهم الإشكاليات التي يطرحها هذا المرسوم على المرحلة الانتقالية، لا بد من تفكيكه ضمن محاور واضحة تُظهر موقعه من العدالة الانتقالية، ومن الدستور، ومن السلم الأهلي.
أولاً: العفو في سياق العدالة الانتقالية
العدالة الانتقالية ليست مكرمة ولا لفتة إنسانية، إنها منظومة غايات وأدوات واضحة: كشف الحقيقة، محاسبة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة، جبر ضرر الضحايا، وضمان عدم التكرار. وأي إجراء قانوني في سياق انتقالي لا يكتسب شرعيته من العطف، بل من مدى انسجامه مع هذه الأهداف.
من هذا المنظور، لا يمكن لعفو واسع يشمل جرائم جنائية وجنحية عادية كالقتل والسرقة والرشوة والاحتيال وإساءة الأمانة وحوادث السير، أن يُقدَّم كأداة عدالة انتقالية، ما لم يكن جزءاً من تسوية مضبوطة ومحدّدة الشروط، أو مرتبطاً بمنظومة متكاملة لكشف الحقيقة والمحاسبة وتعويض الضحايا.
عفو شامل عن هذا النوع من الجرائم، حتى لو كان مشروطًا، يضعف الردع العام، ويهز مبدأ المساواة أمام القانون، ويُحبط ضحايا اعتُدي على حقوقهم في مجتمع هش يعاني أزمة اقتصادية وأمنية عميقة.
والعفو العام، في جذوره التاريخية، أداة استعملتها أنظمة ملكية وشمولية كـَ “مكرمة” شخصية من الحاكم، لا كجزء من منظومة عدالة قائمة على مؤسسات مستقلة.
ثانياً: أين تكمن مشكلة مرسوم العفو رقم 39؟
تكمن المشكلة في أن المرسوم يعيد تشكيل الخريطة العقابية: يمحو عقوبات، ويُجزّئ أخرى، ويستثني جرائم، ويضع شروطاً جديدة. أي أنه يمارس فعلياً وظيفة تشريعية كاملة من دون أن يمر بأي نقاش عام أو مسار في مجلس الشعب. هكذا يصبح القاضي الذي يحكم بعد تحقيق ومحاكمة في موقع من تُمحى آثار أحكامه بقرار سياسي واحد، فتتحول الأحكام القضائية إلى محطة مؤقتة بانتظار مرسوم جمهوري، ويُعاد إنتاج منطق “الدولة المزاجية” بدل سلطة قضائية مستقلة.
فوق ذلك، يتعارض المرسوم مع الإعلان الدستوري الذي أسند لمجلس الشعب حصراً سلطة إقرار العفو العام، وحصر سلطة الرئيس بالعفو الخاص فقط. ما يعني أن الرئيس مارس صلاحية لم تُمنح له نصاً، متعدياً على اختصاص السلطة التشريعية.
والقول إن “الضرورة السياسية” أو “ظروف المرحلة الانتقالية” تبرر هذا المسلك، لا ينشئ صلاحيات جديدة من العدم. والاستشهاد بتجارب تونس أو مصر لا يصلح حجة، لأن إعلاناتها الدستورية منحت رؤسائها صراحة سلطات تشريعية، بينما الإعلان السوري لم يفعل ذلك إطلاقاً. بهذه الطريقة، يُضعف المرسوم مبدأ الفصل بين السلطات، ويفتح الباب لعودة منطق الاستثناء الدائم الذي حكم سوريا لعقود.
ثالثاً: تناقضات مضمون المرسوم وأثره على السلم الأهلي
عند تفحّص مضمون المرسوم، يتبين أنه ميّز بين الجرائم المنصوص عليها في مواد “أمن الدولة” و”النيل من هيبة الدولة” تبعاً لتاريخ ارتكاب الجريمة. فالأفعال المرتكبة قبل 8 كانون الأول 2024 تُعفى من العقوبة، بينما الأفعال نفسها إذا ارتُكبت بعد هذا التاريخ تبقى خاضعة للتجريم والعقاب. هذا التفريق الزمني لا يستند إلى معيار قانوني موضوعي. فهو يحوّل العفو من أداة لتصحيح مظالم الماضي إلى أداة لإعادة إنتاج منطق السلطة ذاته: يُزيل الصفة الجنائية عن أفعال كان نظام الأسد يصفها بالخيانة، لكنه يُبقي النصوص نفسها فعّالة على الأفعال ذاتها إذا ارتُكبت في عهد السلطة الحالية. وبذلك لا يعود معيار التجريم هو طبيعة الفعل، بل هوية السلطة التي تحكم.
المرسوم لم يقتصر على الجرائم ذات الطابع السياسي، بل امتد ليشمل العفو الكامل عن الجنح والمخالفات، والعفو عن نصف العقوبات في الجنايات المؤقتة، بما في ذلك جرائم القتل وأفعال تمسّ السلم الأهلي بصورة مباشرة. كيف يمكن لمجتمع مجروح، لم يختبر بعد عدالة حقيقية في مواجهة الجرائم الكبرى، أن يتقبّل تنازلاً واسعاً كهذا إزاء ما يُسمّى “جرائم عادية” مسّت أمنه اليومي وكرامته وممتلكاته؟ بهذا يتحوّل المرسوم إلى أداة فعلية لإفلات فاعلين خطيرين من العقاب.
وأيضا إن إدخال جرائم مثل السرقة والرشوة والاحتيال وإساءة الأمانة وحوادث السير ضمن نطاق العفو، وإمكانية إسقاط الملاحقة عبر إسقاط الحق الشخصي أو التعويض المالي، يحوّل الجريمة من اعتداء على النظام العام إلى علاقة مالية يمكن تسويتها بورقة إسقاط. وهذه مقاربة خطيرة، لأنها تفتح الباب أمام الضغط على الضحايا، خصوصاً في بلد يعاني من أزمة اقتصادية وأمنية وغياب ضمانات حقيقية للحماية.
رابعاً: أثر المرسوم في سياق سجون امتلأت من جديد
بعد سقوط النظام السابق، فُتحت السجون وأُفرغت بالكامل من نزلائها. لكن ما حدث لاحقاً في عهد السلطة الجديدة عادت السجون لتمتلئ تدريجياً، بأشخاص وجهت لهم تهم التورط في جرائم جنائية واعتداءات وملفات فساد. وبهذا المعنى، يصبح العفو موجّهاً عملياً إلى جرائم جديدة ارتُكبت في ظل السلطة الحالية، لا إلى مظالم قديمة ارتكبها النظام السابق.
وهذا ما يثير مخاوف حقيقية من أن يتحوّل العفو إلى أداة لإطلاق سراح متهمين بارتكاب انتهاكات خطيرة، بما في ذلك ما تسرّب من معلومات عن الإفراج عن بعض المتورطين في مجازر الساحل والسويداء، أو لإعادة تدوير شبكات الفساد والعنف، بدل أن يكون خطوة لمعالجة إرث الماضي أو لتعزيز الثقة بالعدالة في المرحلة الانتقالية.
في النهاية، لا يمكن النظر إلى هذا العفو باعتباره خطوة نحو العدالة، لا في مضمونه ولا في شكله. فالمرسوم استثنى ما سمّاه “الجرائم الجسيمة” من دون أن يعرّفها أو يحدّد معاييرها، تاركاً الباب مفتوحاً لتفسيرات سياسية لا علاقة لها بحقوق الضحايا أو بمعايير العدالة. وفي مرحلة لم تُكشف فيها الحقيقة بعد، ولم تُحدَّد فيها المسؤوليات، يصبح أي عفو عام، مهما بدا مقيداً تجاوزاً لحقوق الضحايا ومحاولة لطيّ الملفات قبل فتحها.
العدالة الانتقالية تُبنى بالمساءلة وكشف الحقيقة وحماية الضحايا. وأي تخفيف للعقوبة لا يجوز أن يصدر بقرار منفرد من السلطة التنفيذية، بل ضمن شروط دقيقة، وبمشاركة الضحايا، وبعد تعريف واضح للجرائم المستثناة، وتحت رقابة مستقلة وشفافة. ما عدا ذلك، يبقى “العفو العام” أداة سلطوية قديمة بثوب جديد، وتهديداً لقيام الدولة على أسس دستورية وقانونية.
- المدن


























