دمشق – «القدس العربي»: شكّل ارتفاع أسعار المواد الغذائية على مختلف أنواعها مع بداية شهر رمضان، صدمة للمواطنين السوريين وانعكس تراجعا في الإقبال على الشراء بنسب وصلت في أيام قليلة إلى نحو 40٪، على خلفية استحقاقات مالية ضاغطة سواء ما يتعلق منها بفواتير الكهرباء أو أزمة أسطوانات الغاز المنزلية، مع بقاء الحوالات الخارجية الشخصية العامل الأساس في دعم العائلات من أبنائها المهجرين.
تراجع بعد فورة
وبدأت أسعار الخضار في العاصمة دمشق، تحت ضغط كثرة العرض والإحجام عن الشراء، تعود تدريجياً إلى ما كانت عليه قبل شهر رمضان، وذلك بعد أن قفزت في الأيام الأولى من الشهر الفضيل إلى الضعف تقريباً.
وتراجع سعر كيلو البندورة إلى نحو 8 آلاف بالعملة القديمة، والبطاطا تراجعت إلى نحو خمسة آلاف، والباذنجان إلى 12 ألفاً، وكذلك الكوسا بعد أن كان سعرها قد وصل إلى 22 ألفاً، أما الخيار فالوحيد الذي زاد سعره عما كان عليه قبل يومين فارتفع من نحو 10 آلاف إلى 14 ألفاً.
وبالنسبة لبعض الفواكه تراجع البرتقال من 14 إلى 11 ألفاً، والتفاح من 25 إلى 17 ألفا، والموز من 14 إلى 13 ألفاً، والليمون من 20 إلى 14 ألفاً.
ورغم التحليق العالي لأسعار الخضار والفواكه إلا أن هذا الارتفاع لم يستفد منه المزارعون وإنما التلاعب كان يتم عند أصحاب البقاليات على العموم.
وقال أبو سليمان برهوق، وهو من فلاحي الغوطة الشرقية لـ«القدس العربي» إن تصريف منتجاتنا عادة ما يتم في سوق الهال في دمشق، وتجار سوق الجملة يتقاضون نسبة من أسعار منتجاتنا التي نبيعها لأصحاب البقاليات المنتشرين في العاصمة وريفها، وبالتالي فإن عملية الزيادات الكبيرة على الأسعار لا تكون لتجار سوق الهال وإنما لأصحاب البقاليات، ونحن هنا نتحدث عن المنتجات المحلية الشتوية حالياً مثل الزهرة والملفوف والسبانخ والسلق والخس، أو الخضراوات المزروعة في البيوت البلاستيكية على الساحل السوري مثل الخيار والبندورة والكوسا والباذنجان والبازيلاء والحمضيات، أما الخضراوات والفواكه المستوردة من دول الجوار إن من تركيا أو الأردن وغيرهما فإن تجار سوق الهال هم من يحددون سعرها ويحققون أرباحاً عالية منها مثل التفاح التركي والموز الصومالي والخيار المصري أو الكوسا الأردنية.
وأوضح أن تكاليف الإنتاج زادت على الفلاح إن فيما يتعلق بأجور اليد العاملة أو بأسعار البذار والأسمدة التي ارتفعت مع تراجع قيمة الليرة أمام الدولار الأمريكي، وحتى بأجور النقل منتجاتنا من الغوطة في اتجاه سوق الهال بدمشق التي زادت من 300 ألف ليرة للموسم الماضي إلى 350 ألفاً حالياً.
وذكر أبو محمد أن ما يهمنا نحن الفلاحين أن ينعكس ارتفاع أسعار منتجاتنا علينا نحن لكن معظم الزيادات تذهب لأصحاب البقاليات، فأنا مثلا كنت أبيع 15 كيلو من الكوسا في موسمها العام الماضي بعشرة آلاف ليرة فقط، بينما وصل سعر الكيلو الواحد قبل يومين إلى 22 ألفاً، مؤكداً أن الكثير من الفلاحين لم يعودوا قادرين على زراعة أراضيهم لعدم توفر الجدوى الاقتصادية، ومن تبقى يواصل عمله آملا بالتحسن بعد التخلص من النظام السابق، وبعد عودة الأمان لقرانا من دون إراقة الدماء.
إقبال ضعيف
ارتفاع الأسعار مع بداية رمضان، طال أيضا المواد الغذائية الأخرى المنتجة محلياً أو المستوردة مثل السكر والرز والشاي والمعلبات، وبنسب تراوحت بين 7 إلى 20 ٪، فقد فقز سعر علبة الحلاوة وزن نصف كيلوغرام إلى 26 ألفاً بعد أن كان 22 ألف ليرة. ووصل سعر علبة السردين المغربي إلى 8 آلاف والطون إلى 12 ألفاً.
وقال أبو مصطفى قطيش لـ«القدس العربي»، وهو صاحب بقالية وبائع للمواد الغذائية، إن معظم المواطنين عمدوا إلى تخزين كميات تكفيهم لأيام قبل دخول رمضان بأيام قليلة، فشهدت الأسواق حينها نشاطا جيدا، ولكن وبعد مرور 5 أيام على الشهر الفضيل تراجعت عمليات البيع لدينا بنسبة وصلت إلى 40 ٪ تقريبا، موضحا أن نسبة الأرباح التي يضعها على المواد التي يبيعها هي عند 7 ٪عموما وقد ترتفع أكثر للمواد الرفاهية، وفي كثير من الأحيان تتم مراعاة الزبائن الذين تظهر عليهم الفاقة.
انخفاض أثمان بعض الأنواع بعد صدمة بداية شهر رمضان
وبين أن صاحب المحل يضطر لرفع نسبة الأرباح، وخصوصا فيما يتعلق بالخضراوات والفواكه، لأن قسما من هذه يصبح تالفا ويتخلص منها من دون بيعها، كما أن بعض أصحاب المحال يدفعون مبالغ بالملايين كإيجار للمحال التي يديرونها، واليوم وبعد صدور فواتير الكهرباء العالية جدا، باتت هذه أيضا تحتسب ضمن تكاليف التشغيل، إلى جانب أجور نقل المنتجات والتي تقدر بمئات الآلاف يوميا، وكل ما سبق هو ما يدفع إلى الزيادات التي يراها المواطن أنها أكثر من أن يتحملها.
وبين أنه يجب ألا ننسى بأن البعض من أصحاب البقاليات والمحال لا يهمهم وضع المواطنين ويضاعفون نسب أرباحهم ويستغلون كل المناسبات للإثراء من دون أي رادع أخلاقي، فيما يوجد آخرون يراعون أوضاع زبائنهم ويبيعون بالكلفة وحتى بالخسارة لمن يعرفون أنهم غير قادرين على الدفع.
ويوضح ماجد، وهو صاحب معمل صغير لإنتاج مشتقات الحليب في قرية مرج السلطان القريبة من دمشق، أن التفاوت بين أسعار الريف والمدينة عادة ما يكون واضحاً في معظم المنتجات، وهذا التفاوت هو كبير أيضا حتى بين أحياء العاصمة ذاتها، وفي ظل عدم تدخل وزارة الاقتصاد في تسعير المواد عملاً بمبدئ السوق الحر، فإن تسعير المنتجات عادة ما لا يكون منضبطاً
وقال في تصريح لـ«القدس العربي» إن سعر كيلو الجبنة البلدية عنده اليوم هو عند 40 ألف ليرة بينما يمكن أن يصل في دمشق إلى 45 أو حتى 50 ألفا، وكيلو الشلل الحلوة عنده 64 ألفا وفي دمشق تصل إلى أكثر من 70 ألفا، والقشقوان 85 ألفا وفي دمشق تصل إلى 110 آلاف، واللبنة 29 تصل في دمشق إلى 35 ألفا، موضحا أن الحديث هنا يدور حول المنتجات الجيدة، أما ذات المنتجات المصنعة من بودرة الحليب أو من الحليب المسحوب خيره فإن الأسعار قد تتراجع بنسب تتراوح بين 20 إلى 50 ٪، مع أن بعض أصحاب المحال في دمشق يبيعونها للأسف على أنها من النوعية الأولى.
عوامل هيكلية
وقفزت أسعار المواد الغذائية التي طالت أيضاً اللحوم الحمراء والبيضاء وبنسب وصلت إلى 3 أضعاف للأخيرة خلال الأيام الماضية، وشكلت عبئاً كبيراً على الأسر المحدودة الدخل وباتت تخرج الكثير من المواد من قوائم استهلاكها، وسط ترقب لأي إجراءات حكومية قد تساهم في تخفيف الضغط المعيشي.
وفي تفسيره للقفزات التي شهدتها أسعار المواد الغذائية في رمضان كمنتجات اللحوم والخضراوات المنتجة محلياً وبنسب عالية، أوضح الأكاديمي والخبير الاقتصادي زياد أيوب عربش لـ«القدس العربي» أن الأمر ناتج عن عدة عوامل مترابطة وفي المقدمة منها ارتفاع الطلب الاستهلاكي بشكل حاد في رمضان بسبب زيادة الإنفاق على الوجبات اليومية والإفطار الجماعي، خاصة مع عودة بعض السكان إلى مناطقهم في دير الزور، مما دفع الأسعار للأعلى في ظل عرض محدود للمحاصيل الزراعية، فاقمه الجفاف ما قلل بدوره العرض المحلي للخضراوات واللحوم وزاد الاعتماد على الاستيراد، رافعاً الأسعار بنسب كبيرة.
وبين أن غياب سلاسل توريد فعالة أدى إلى خسائر في التوزيع وارتفاع التكاليف، وخاصة للمنتجات القابلة للتلف مثل الخضراوات، كما أن اعتماد سياسة السوق الحر والأسعار العالمية رغم القدرة الشرائية المنخفضة، من دون التدخل في التسعير مع الاكتفاء بسياسة العرض والطلب مع غياب للإقراض وحبس للسيولة، أدت تلك العوامل الهيكلية للحيلولة دون انخفاض الأسعار، معتبراً أن ضعف الليرة على الرغم من تبديلها وحذف صفرين منها، أدى إلى تعزيز التضخم بسبب الضغوط الخارجية والداخلية، مما قلل القدرة الشرائية وجعل السلع الأساسية أغلى، في دورة تضخمية مستمرة.
وشرح أن فتح باب الاستيراد سمح بتفضيل المنتجات الرخيصة مثل الموز الإكوادوري على التفاح المحلي أو الألبان المستوردة على المحلية، ما أدى إلى تراجع الإنتاج والإضرار بالعمالة الزراعية واستمرار رفع الأسعار العامة بسبب الاعتماد الخارجي، والذي فاقمه قرار منع دخول الشاحنات الأجنبية إلى سوريا المتخذ في السادس من الشهر الجاري، وإلزام المستوردين بإجراء عمليات التبادل عند المنافذ الحدودية، الأمر الذي زاد من تكاليف الشحن والتأمين التي تم تعويضها بزيادة أسعار المواد المستوردة.
استراتيجيات بقاء
وأوضح أن السوريين لمواجهة موجات الغلاء اعتمدوا على استراتيجيات بقاء متعددة مثل تقليل الاستهلاك والتركيز على السلع الأساسية والطعام الرخيص، إلى جانب الاعتماد على الزراعة المنزلية أو الشبكات العائلية للتبادل، والشراء من أسواق غير رسمية أسعارها أقل، مؤكداً أن رفع سعر الكهرباء وصدور فواتير تفوق الرواتب، انعكس على الجميع أدى إلى زيادة تكاليف المعيشة، ورفع أسعار معظم الخدمات المتعلقة، لتأتي أزمة الغاز وتزيد في الاعتماد على وقود بديل باهظ الثمن.
وبين أن الحوالات الخارجية التي بمعظمها شخصية وعائلية من المهاجرين في أوروبا أو دول الخليج، ما زالت العامل الرئيسي لدعم الأسر السورية، مشيراً إلى أن هذه الحوالات تغطي نحو نصف احتياجات العائلات الغذائية والمعيشية في ظل انخفاض الرواتب المحلية وتراجع القدرة الشرائية.
- القدس العربي


























