
مع تنامي الحشود العسكرية الأميركية في المنطقة، وتزايد احتمال وقوع هجوم على إيران بهدف إطاحة النظام أو إخضاعه، تدور مواجهة من نوع آخر بين حلفاء واشنطن في المنطقة للوصول إلى أُذن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب. وفيما تحاول دول الخليج العربية ومصر وتركيا إقناعه بتجنّب إدخال المنطقة في حرب جديدة، تحاول إسرائيل، في المقابل، دفعه إليها. في الشارع العربي تتحكّم المشاعر والعواطف أكثر بتحديد المواقف، وينقسم الناس بين تيارَين: يرى الأول أن إيران تمثّل قائداً “لمحور المقاومة” ويتطلّع إلى معركة فاصلة تنزل بخصومها أفدح الأضرار، فيما يرى التيار الثاني أن سياسات إيران، خصوصاً خلال العقدَين الماضيين، ألحقت أضراراً بشعوب المنطقة أكثر ممّا فعلت بإسرائيل.
لا يحتاج المرء لأن يكون معجباً بإيران ونظامها، ولا متّفقاً مع سياساتها، حتى يدرك أن لا مصلحة عربية حقيقية في حرب أميركية عليها، تدفع سواءً نحو سقوط نظامها أو إخضاعه. ولا يدور الحديث هنا عن تداعيات سلبية قصيرة الأمد، مثل استهداف إيران دولاً عربية مجاورة بداعي وجود قواعد أميركية في أراضيها، سواء استُخدمت في الحرب أو لا، أو حول رغبة إيران في الانتقام ورفع الثمن على الجميع نتيجة الهجوم عليها، أو حتى إغلاقها مضيق هرمز وحبس إمدادات الطاقة لهزّ الاقتصاد العالمي. ستكون هذه التداعيات كلّها آنية ومحدودة الأثر، وليست هي ما ينبغي التفكير فيه. فتركيز إيران، في حال وقوع الحرب، سيكون منصبّاً على مواقع انطلاق الهجمات، خصوصاً إسرائيل، والسفن الأميركية، وهي (إيران) قد لا تجد رغم تهديداتها مصلحة في زيادة عدد خصومها، خصوصاً أن أكثر دول الجوار العربية رفضت استخدام أراضيها وأجواءها في أي حرب محتملة ضدّها. حتى لو سقطت بضعة صواريخ هنا وهناك، فستُستوعَب آثارها سريعاً في دول الخليج، ولن يغيّر ذلك من نتيجة المعركة شيئاً. سيكون تأثير إغلاق مضيق هرمز مؤقّتاً، كذلك، كما أن الضرر الأكبر من إغلاقه سيقع على كاهل أبرز حلفاء إيران في الساحة الدولية (الصين تحديداً).
الموقف العربي من حرب أميركية على إيران ينبغي أن يقوم على حسابات استراتيجية بعيدة الأمد، ونقصد بهذا موقع إيران في النظام الإقليمي ودورها فيه، والتغيير المتوقّع في موازين القوة، في حال سقط نظامها أو أُخضع. هذا هو بيت القصيد، وهذا ما ينبغي التفكير فيه عربياً. فإذا نجحت واشنطن في تغيير النظام الإيراني أو إخضاعه، فهذا يعني أن إيران ستعود قوة إقليمية بمشروع إمبراطوري، مدعوم أميركياً هذه المرّة. لقد نكبت إيران المنطقة العربية بسياسات الهيمنة التي انتهجتها في العقدَين الماضيين، عندما كانت تحت تأثير العزلة والحصار، وكادت تمسح هُويّة المشرق العربي، وتجتثّ كيانه من التاريخ والجغرافيا، فما بالك إذا عادت الآن بدعم أميركي؟ سوف يعني هذا، فوق ذلك، عودة التحالف الذي كان قائماً بين إسرائيل وإيران، أيام الشاه. عندها سيقع العرب بين فكّي كمّاشة أخطر مشروعَي هيمنة واجهوهما على مرّ تاريخهم المروي. يجب التمعّن في هذا في سياق تصريحات السفير الأميركي في إسرائيل، مايك هاكابي، حول عدم ممانعته في سيطرة إسرائيل على المنطقة الممتدّة بين النيل والفرات، باعتباره حقّاً توراتياً، وحديث نتنياهو عن أن إسرائيل تسعى إلى تشكيل محورها الخاص لمواجهة “المحور الشيعي” المنهار و”المحور السنّي” الذي يتبلور.
بعيداً عن الاعتبارات الجيوسياسية، لا ينبغي، من الناحيتين المبدئية والأخلاقية، أن تتغيّر مواقفنا السياسية بتغيّر مواقعنا، بمعنى أن من رفض الغزو الأميركي للعراق وتغيير نظامه بحجّة امتلاكه أسلحة دمار شامل، لا يجوز أن يؤيّد هجوماً أميركياً على إيران، بغرض تغيير نظامها للسبب ذاته. رفض تغيير أي نظام من الخارج لا يعني القبول بالارتهان للمعضلة التقليدية التي تضعنا أمام خيار “الاستبداد أو الاستعمار”، فكلاهما أسوأ من بعضهما، وهناك علاقة تخادم لا تخفى بينهما، بل يعني أن بقاء نظام أو رحيله (في إيران وغيرها) مسألة ينبغي أن يقرّرها الشعب، فعليه وحده تقع مسؤولية الاضطلاع بها، واستعداده لتحمّل التبعات، ودفع الأثمان التي تترتب عن ذلك. في كل الأحوال، من الناحيتَين الاستراتيجية والأخلاقية، توجد مصلحة عربية حقيقية في منع تحوّل إيران من خصم معادّ لإسرائيل إلى خصم حليف لها.
- العربي الجديد

























