انعكس الانسحاب العسكري الأمريكي من قواعد شمال وشرق سوريا بشكل واضح على مجريات الأحداث السياسية والميدانية، إذ لم يكن مجرد خطوة عسكرية تقنية، بل تحولاً ذا تأثيرات عميقة على موازين القوى المحلية. فقد دفع هذا الانسحاب قوات سوريا الديمقراطية إلى القبول بإبرام اتفاق مع الحكومة الانتقالية في دمشق، في ظل إدراكها لتراجع المظلة العسكرية الأمريكية المباشرة. وفي الوقت نفسه، تزامن نقل عناصر تنظيم «الدولة الإسلامية» المعتقلين من سوريا إلى العراق، وهروب عدد كبير من العائلات من مخيم الهول إلى مناطق متفرقة في شمال غربي سوريا، ونقل آخرين إلى مخيم في ريف حلب الشمالي، مع حالة غضب واضحة داخل أوساط التنظيم. وقد أسهم ذلك، بحسب تقديرات ميدانية، في دفعه إلى إعلان القتال ضد إدارة الرئيس أحمد الشرع، في محاولة لإعادة فرض نفسه لاعباً فاعلاً في المعادلة الأمنية.
وفي سياق متصل، قابل الانسحاب الأمريكي المتدرج من القواعد الرئيسية انتشار أوسع للقوات الحكومية السورية في محافظات دير الزور والحسكة والرقة، إضافة إلى قاعدة التنف الحدودية. وبذلك، بدا المشهد وكأنه انتقال من فراغ نسبي إلى إعادة تموضع شامل للقوى المحلية.
انسحاب جزئي من قاعدة قسرك
وكانت القوات الأمريكية قد بدأت، مطلع الأسبوع، الانسحاب من قاعدة قسرك في محافظة الحسكة، وهي واحدة من أكبر قواعدها في شمال شرق سوريا. وأفادت ثلاثة مصادر عسكرية وأمنية سورية بأن هذه الخطوة تندرج ضمن تقليص أوسع للوجود الأمريكي، بالتزامن مع تعزيز الحكومة السورية سيطرتها على مساحات واسعة من المنطقة، وفق ما نقلته وكالة «رويترز».
وفي هذا الإطار، نشر ناشطون محليون أشرطة مصوّرة تُظهر عشرات الشاحنات، بينها آليات مدرعة، تغادر القاعدة باتجاه الطريق المؤدي إلى القامشلي. كما أظهرت اللقطات الرتل العسكري وهو يتحرك على أحد الطرق السريعة في محيط المدينة، في مشهد عكس طبيعة الانسحاب المنظم.
وتُعد قاعدة قسرك مركزاً لوجستياً وعسكرياً مهماً للتحالف الدولي الذي تقوده واشنطن ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، وقد شكّلت على مدى أكثر من عقد نقطة ارتكاز للعمليات المشتركة مع قوات سوريا الديمقراطية. ومع استكمال الانسحاب منها، سيبقى للتحالف قاعدة رئيسية واحدة في رميلان، المعروفة أيضاً باسم خراب الجير، قرب الحدود العراقية، بعد إخلاء مواقع أخرى خلال الأسابيع الماضية، بينها قاعدة الشدادي في الحسكة. وتُعتبر هذه القاعدة الأخيرة الموقع الوحيد المتبقي الذي تهبط فيه طائرات الشحن العسكرية التابعة للتحالف.
قاعدة التنف: مخاطر الفراغ
أما في الجنوب الشرقي، فقد سبق للقوات الأمريكية أن انسحبت، مطلع الشهر، من حامية التنف الواقعة عند المثلث الحدودي السوري–العراقي–الأردني، وهي قاعدة شكّلت عقدة جيوسياسية تتحكم بالطرق البرية بين بغداد ودمشق، ومثّلت، في الوقت ذاته، جدار قطع بين طهران وبيروت. ومن هنا، فإن الانسحاب منها لا يمكن قراءته كإجراء ميداني فحسب، بل كتغيّر في آلية إدارة النفوذ.
وتعتمد قيادة التحالف الدولي، في المرحلة الحالية، على السلطات السورية الأمنية والعسكرية لسد الفراغ الميداني وملاحقة خلايا التنظيم في بادية الشام والمناطق الخالية الممتدة من غرب الفرات وصولاً إلى شرق محافظة السويداء، إضافة إلى منطقة حدودية مشتركة مع الأردن والعراق يزيد طولها على 400 كيلومتر.
ومع ذلك، فإن إخلاء قاعدة التنف لا يعني، عملياً، تراجع الرقابة المباشرة على المنطقة، إذ ستُتابَع مهام الرصد والاستطلاع والمراقبة من «البرج 22» داخل الأراضي الأردنية، في حين سيجري العمل الأمني والميداني بالاعتماد الدائم على قوات أمن البادية السورية، التي تتخذ من مدينة تدمر مقراً لها.
وتنظر واشنطن إلى هذه الانسحابات وإخلاء المواقع بوصفها «انتقالاً متعمداً وقائماً على الشروط»، مشيرة إلى أن الحكومة السورية باتت مستعدة لتحمّل المسؤولية الأساسية عن مكافحة التهديدات داخل أراضيها. إلا أن الغموض لا يزال يحيط بطبيعة الانسحاب، وما إذا كان دائماً أم مجرد إعادة تموضع مرحلية. وكانت صحيفة «وول ستريت جورنال» قد ذكرت أن الولايات المتحدة تعتزم سحب كامل قواتها، البالغ عددها نحو ألف جندي، من سوريا، وهو ما لم تؤكده الإدارة الأمريكية رسمياً.
وعلى صعيد الانتشار المقابل، استجابت الحكومة السورية بإعادة توزيع وحداتها العسكرية في البادية. فانتشرت الفرقة 54 في التنف لتثبيت السيطرة وملء الفراغ الذي خلّفه انسحاب قوات التحالف الدولي، فيما تولت الفرقة 70 تغطية الامتداد بين ريف دمشق وجنوب طريق بغداد–دمشق ومنطقة الـ55 كيلومتراً من الجهة الغربية.
في المقابل، يقع على عاتق الفرقة 86 الانتشار بين الميادين والبوكمال وباديتها جنوباً، وهي منطقة تُعد تاريخياً أحد المسارات الرئيسية لتهريب السلاح الإيراني من العراق إلى سوريا، كما أنها من أكثر المناطق التي شهدت عمليات هجومية لمقاتلي تنظيم «الدولة» خلال شهر شباط/فبراير الجاري. وفي موازاة ذلك، انتشرت الفرقة 66 جنوب الرقة، بينما تمثل الفرقة 42 المدرعة خط الدفاع الأبرز الممتد من شرقي حمص إلى السخنة في عمق البادية. وترافق هذه التحركات عمليات مكثفة لإدارة أمن البادية لملاحقة الخلايا وضبط المساحات المفتوحة.
تنظيم «الدولة»
يعلن «مرحلة جديدة»
غير أن الانسحاب الأمريكي لم يترافق مع هدوء ميداني، بل تزامن مع تصعيد ملحوظ لتنظيم «الدولة الإسلامية». فقد نشر التنظيم تسجيلاً صوتياً منسوباً إلى متحدثه أبو حذيفة الأنصاري، أعلن فيه بدء ما وصفه بـ«مرحلة جديدة من العمليات» في سوريا، وهاجم في التسجيل الحكومة السورية، متهماً إياها بالانخراط في تحالفات دولية ضده، ومعتبراً أن البلاد انتقلت من نفوذ إلى آخر. ويُعد هذا البيان الصوتي الأول للناطق باسم التنظيم منذ أكثر من عامين.
وبالتوازي مع البيان الصوتي، أعلن التنظيم مسؤوليته عن هجومين استهدفا عناصر من الجيش السوري في مدينتي الميادين والرقة. وقال في بيان نشره عبر منصاته الإعلامية إنه استهدف أحد عناصر الجيش في الميادين باستخدام مسدس، كما هاجم عنصرين آخرين في الرقة بإطلاق نار من أسلحة رشاشة. وفي المقابل، أعلنت وزارة الدفاع السورية مقتل جندي ومدني في هجوم نفذه «مهاجمون مجهولون»، مشيرة إلى أن الجندي ينتمي إلى الفرقة 42.
كما تبنّى التنظيم هجوماً في ريف دير الزور منتصف الشهر الجاري، أسفر عن مقتل عنصر من القوات الحكومية وإصابة آخر قرب بلدة الرغيب في منطقة ذيبان، في محاولة لإبراز قدرته على التحرك في مناطق تُعد تحت سيطرة حكومية مشددة.
الرقة…
اختبار القدرة على الضبط
وفي محافظة الرقة، تصاعدت الهجمات ضد نقاط أمنية خلال الأيام الماضية. فقد قُتل أربعة عناصر من قوى الأمن الداخلي إثر هجوم استهدف حاجز السباهية غربي المدينة، في ثالث استهداف للحاجز خلال فترة قصيرة. ووفق مصادر أمنية، وقع الهجوم الأول قبل نحو عشرة أيام وأدى إلى إصابة عدد من العناصر من دون تسجيل قتلى، ثم أعقبه هجوم ثانٍ أسفر عن مقتل عنصر، قبل أن يتجدد الاستهداف ويسفر عن سقوط أربعة قتلى.
وبعد الهجوم الأخير، سحب فرع الأمن الداخلي عناصره من الحاجز، وهو ما يطرح علامات استفهام حول قدرة الإدارة الأمنية على ضبط الوضع في الرقة. كما أن سحب العناصر من الحاجز سيسمح لخلايا التنظيم وعناصره بالتنقل بين الريف الغربي ومركز مدينة الرقة بدون عائق كبير.
وأعلنت قوى الأمن الداخلي لاحقاً تفكيك خلية قالت إنها تتبع لتنظيم «الدولة» وتقف وراء الهجمات. وأوضح قائد الأمن الداخلي في الرقة أن الوحدات الأمنية نفذت عمليات متزامنة أسفرت عن تحييد متزعم الخلية وأحد أفرادها واعتقال أربعة آخرين، إضافة إلى ضبط أسلحة وذخائر. وأكدت وزارة الداخلية استمرار عمليات التمشيط وتعزيز الإجراءات الوقائية في الحواجز والمراكز الأمنية.
ميدانياً أيضاً، أعلنت وزارة الداخلية، الجمعة، إلقاء القبض على أحد عناصر التنظيم في مدينة جرابلس بريف حلب الشمالي، مشيرة إلى اعترافه بالتورط في جرائم عدة، بينها زرع عبوة ناسفة استهدفت أحد مسؤولي الشرطة العسكرية. وفي دير الزور، أحبطت القوى الأمنية هجوماً نفذه شخصان على دراجة نارية استهدفا حاجز جزرة البوحمد بإطلاق النار، ما أدى إلى إصابة أحد المهاجمين وفرار الآخر.
في هذا السياق، أكد وزير الداخلية السوري أنس خطاب استمرار مداهمة ما وصفها بـ«أوكار تنظيم داعش»، مشدداً على أن محاولات زعزعة الأمن لا تتوقف، سواء من «فلول النظام السابق» أو من خلايا التنظيم. وأشار إلى أن عناصر من قوات الأمن قُتلوا خلال اليومين الماضيين أثناء أداء مهامهم، متعهداً بملاحقة الخلايا المسلحة ومنع أي تهديد يمسّ الاستقرار.
ملف عائلات التنظيم
ما بعد مخيم الهول
تتزامن هذه التطورات مع مخاوف متزايدة من تداعيات فرار آلاف الأشخاص من مخيم الهول شمال شرقي سوريا. فقد نقلت تقارير أمريكية عن مسؤولين استخباريين تقديرات تشير إلى أن ما بين 15 و20 ألف شخص غادروا المخيم خلال الأسابيع الأخيرة، بينهم نساء وأطفال وعناصر يُعتقد بارتباطهم بالتنظيم. وحذّر خبراء من احتمال تعرض بعض الفارين لعمليات تطرف داخل المخيم خلال سنوات الاحتجاز.
وحسب تصريح مصدر أمني لـ«القدس العربي»، بدأت السلطات السورية بنقل ما تبقى من قاطني المخيم إلى موقع آخر في منطقة اخترين شمال حلب، تمهيداً لإخلائه بالكامل. كما نقلت وكالة «فرانس برس» عن مسؤول حكومي قوله إن القرار جاء بعد تقييم أظهر افتقار المخيم إلى المقومات الأساسية للسكن، مشيراً إلى أن عملية الإخلاء ستُستكمل خلال أيام.
وفي سياق منفصل، يتعين على السلطات السورية التعاطي بمسؤولية وحذر كبيرين مع مسألة عائلات المقاتلين، وإخضاع أطفال المقاتلين لبرامج إدماج وإعادة تأهيل واسعة وحقيقية، وعدم تحويل المخيمات التي نُقلوا إليها إلى سجون جديدة تزيد من عزلة الأطفال واليافعين، بما قد يفاقم المخاطر الأمنية مستقبلاً بدلاً من احتوائها.
تحديات القوى الأمنية السورية
وتشير الهجمات المتزايدة ومواقعها إلى أن التنظيم بدأ يتحرك في المناطق الحضرية بعد تركيزه على طرق البادية السورية خلال السنوات الماضية. كما أن الهجوم على حاجز السباهية يعني أن التنظيم يمتلك شبكة رصد واستطلاع قادرة على التخطيط لعملية مباغتة في قلب نقطة أمنية، ولا تقتصر عملياته على استهداف عنصر يتنقل بدراجة نارية بين مقره العسكري ومكان سكنه في قرية نائية.
إضافة إلى ذلك، يُعدّ نقص العنصر البشري أحد الأسباب الرئيسية لما يمكن وصفه بـ«الإخفاق الأمني»، إذ إن وزارة الداخلية السورية وجهاز الأمن الداخلي لا يمتلكان عدداً كافياً من العناصر لمطاردة خلايا التنظيم بصورة مستمرة ومنظمة، ولا لفرض طوق أمني دائم يمنعها من إعادة التموضع وشنّ هجمات متكررة. كما أن اتساع رقعة الانتشار الجغرافي، ولا سيما في البادية والمناطق الطرفية، يفرض جهداً بشرياً واستخبارياً مضاعفاً يتجاوز الإمكانات المتاحة حالياً. ومن هنا، تُعدّ استراتيجية ملاحقة الخلايا وتعقبها بصورة استباقية من أهم التكتيكات التي ينبغي على الوحدات العسكرية والأمنية اعتمادها، ليس فقط لإحباط الهجمات، بل لإشغال قيادة التنظيم وتشتيت قدراتها ومنعها من إعادة ترتيب صفوفها والتخطيط لعمليات نوعية، على غرار الهجوم الذي استهدف حاجز السباهية غربي مدينة الرقة.
وبطبيعة الحال، فإن الأيام القليلة المقبلة ستكون بمثابة اختبار حقيقي للتنظيم، سواء من حيث قدرته على الاستمرار في تنفيذ عمليات متوالية وذات طابع نوعي تستهدف تجمعات أمنية وحواجز كبيرة، أو الاكتفاء بالهجمات المحدودة التي تطال عناصر منفردين تابعين لوزارتي الدفاع والداخلية. فالفارق بين المسارين لا يقتصر على مستوى الخسائر، بل يعكس أيضاً طبيعة المرحلة التي يختارها التنظيم: هل يسعى إلى رفع مستوى التحدي المباشر، أم يفضّل اعتماد سياسة الاستنزاف البطيء للقوات المنتشرة في دير الزور والرقة والحسكة؟
وفي هذا السياق، فإن توسيع رقعة المناطق المستهدفة وتحديد «بنك الأهداف» الأمنية لا يعني مطلقاً أن التنظيم يتجه إلى السيطرة على مناطق جغرافية محددة أو إعلان «إمارة» جديدة كما فعل في مراحل سابقة. فمثل هذا الخيار سيعني، عملياً، انكشاف الخلايا وخروج ما يُعرف بـ«الذئاب المنفردة» إلى العلن، الأمر الذي يضعها تحت رصد مباشر من التحالف الدولي، ويجعل القضاء عليها مسألة وقت، ولا سيما مع إمكانية حصول تدخل جوي سريع ومساندة برية من قوات الحكومة السورية.
لذلك، يُرجّح أن يحافظ التنظيم على نمط الهجمات نفسه، القائم على الضربات الخاطفة والانسحاب السريع، مع الحرص على إبقاء وتيرة العمليات مستقرة قدر الإمكان. فالحفاظ على الوتيرة، حتى وإن كانت منخفضة نسبياً، يحمل دلالات تنظيمية مهمة؛ إذ يعني قدرة التنظيم على تجنيد عناصر جديدة، وإعادة وصل قنوات التواصل مع منتسبيه، وتنشيط شبكاته الأمنية المتفرقة بين سوريا والعراق. كما أن استمرار العمليات، ولو بوتيرة محسوبة، يمنح القيادة المركزية هامشاً دعائياً لإثبات الحضور وإقناع الأنصار بأن التنظيم ما زال فاعلاً وقادراً على المبادرة، ولو من دون السيطرة على الأرض كما في السابق.
- القدس العربي


























