مع تصاعد المواجهة المفتوحة بين إسرائيل وإيران، لم يعد المشهد الإقليمي كما كان خلال العقدين الماضيين. الحرب الجديدة لا يمكن فهمها باعتبارها جولة عسكرية منفصلة، بل بوصفها محطة مفصلية في مشروع أوسع لإعادة صياغة البنية الجيوسياسية للشرق الأوسط. فعندما يتحدث رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو عن شرق أوسط جديد، فهو لا يشير إلى ترتيبات أمنية ظرفية أو محددة المدة، بل إلى تصور استراتيجي طويل المدى يهدف إلى تثبيت إسرائيل كقوة مركزية لا يمكن تجاوزها في أي معادلة إقليمية.
وفي هذا السياق، فإن إضعاف إيران أو تحييدها لا يمثل الهدف النهائي بقدر ما يشكل خطوة تأسيسية في مسار أوسع عنوانه: إدارة الإقليم من موقع التفوق.
العقيدة الأمنية للكيان الإسرائيلي
طوال السنوات الماضية، شكّلت إيران العمود الفقري لخطاب التهديد في العقيدة الأمنية الإسرائيلية. البرنامج النووي، شبكة الحلفاء الممتدة من العراق إلى لبنان، والتموضع في سوريا، كلها عناصر صيغت باعتبارها خطراً وجودياً. لكن في حال انتهت الحرب الحالية في تفكيك هذا النفوذ بالكامل، فإن إسرائيل ستجد نفسها أمام واقع استراتيجي جديد: غياب المنافس الإقليمي المباشر يفتح الباب أمام إعادة ترتيب المنطقة على أسس مختلفة. فهنا لن يكون السؤال: كيف نردع إيران أو دولة معينة بل كيف نمنع ظهور قوة بديلة تعلمت كيف تبني محوراً وتملأ الفراغ؟ لأن وفق نظرية التوازن في العلاقات الدولية يجب أن يكون هناك دوماً قوى متوازنة تمنع هيمنة كاملة لأحد الأطراف على حساب الإقليم ، وهنا يبقى سؤال العقيدة الأمنية الجديدة في كيف نرسّخ واقعاً تصبح فيه إسرائيل المرجعية الأمنية والاقتصادية شبه الوحيدة أو القوة التي تدير زمام الأمور في المنطقة.
في هذا الإطار، يمكن فهم الاستراتيجية الإسرائيلية بوصفها قائمة على معادلة مزدوجة: التهديد بالعصا وإظهار إرادة التقارب في الوقت نفسه، العصا تتمثل في تكريس صورة التفوق العسكري المطلق، والقدرة على الوصول إلى العمق الاستراتيجي والقيادي للخصوم ، والعمل بحرية في المجالات الجوية والسيبرانية والاستخباراتية، الرسالة الضمنية الان لن تكون موجهة لإيران فقط، بل إلى كل دولة قد تفكر مستقبلاً في بناء مشروع قوة إقليمي مستقل؛ سواء كانت تركيا، أو مصر، أو حتى أي قوة خليجية تتغير حساباتها، فهي تحاول تثبيت قناعة بأن كلفة التحدي ستكون أعلى من أي مكسب محتمل.
لكن العصا وحدها لا تكفي لبناء نظام إقليمي مستقر. لذلك ترافقها سياسة الجزرة، أي توسيع شبكة الشراكات الاقتصادية والأمنية. منذ توقيع ما عُرف بـ اتفاقات أبراهام ، دخلت إسرائيل في مرحلة جديدة من العلاقات مع عدد من الدول العربية مثل الإمارات العربية المتحدة البحرين والمغرب ، هذه الاتفاقيات لم تكن مجرد اعتراف دبلوماسي، بل كانت بداية لبناء شبكة اعتماد متبادل في مجالات التكنولوجيا والأمن والطاقة والاستثمار. ومع الحديث عن مشاريع كبرى مثل ممر” الهند _الشرق الأوسط _أوروبا “، يتضح أن الرؤية تتجاوز السياسة إلى هندسة اقتصادية تعيد ربط الممرات التجارية واللوجستية بطريقة تجعل إسرائيل عقدة مركزية فيها.
فشبكات النفوذ التي تشكلت في كل من سوريا والعراق، اليمن ولبنان لم تقم على مشروع تحرري جامع، بل على هندسة توازنات داخلية قائمة على الولاءات المذهبية.
الدور الإيراني
إذا انتهت إيران كقوة إقليمية مؤثرة، فإن إسرائيل قد تسعى إلى ملء الفراغ عبر ثلاثة مسارات متوازية. أولها منع أي محور بديل من التشكل، خصوصاً إذا كان قائماً على شراكة عربية–تركية يمكن أن تعيد إنتاج توازن قوى جديد. ثانيها تحييد الجغرافيا السورية نهائياً ومنع تحولها إلى نقطة وصل استراتيجية بين أنقرة والعالم العربي. وثالثها إعادة تعريف مفهوم الاستقرار في المنطقة بحيث يصبح مرادفاً للانخراط في المنظومة التي تقودها إسرائيل، لا لمعادلتها أو منازعتها.
لكن الشاهد أن إيران على امتداد ما يقارب خمسة عقود منذ عام 1979، بَنت سياستها الإقليمية على منطق التمدد عبر الهويات الطائفية أكثر من بنائها على تحالفات وطنية عابرة للانقسامات. فشبكات النفوذ التي تشكلت في كل من سوريا والعراق، اليمن ولبنان لم تقم على مشروع تحرري جامع، بل على هندسة توازنات داخلية قائمة على الولاءات المذهبية، ما أدى في كثير من الحالات إلى تعميق الانقسامات المجتمعية وإضعاف بنية الدولة الوطنية، ورغم الخطاب الرسمي الذي قدّم القضية الفلسطينية بوصفها محوراً مركزياً في السياسة الخارجية الإيرانية، فإن اللافت بأن طهران لم تخض مواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل، في حين أن الحروب التقليدية الكبرى ضد إسرائيل كانت بقيادة دول عربية.
هذا لا يعني غياب التوتر أو الصراع غير المباشر بين الطرفين، لكنه يشير إلى أن العلاقة اتخذت في جوهرها طابع صراع مصالح وتوازن نفوذ أكثر من كونها مواجهة مبدئية شاملة. وبناءً على ذلك، فإن توظيف القضية الفلسطينية في سياق صراعات إقليمية أوسع أسهم في تحويلها إلى أداة ضمن لعبة توازنات أو كسب تعاطف الشعوب المقهورة . إن قراءة هذه الوقائع بعين عقلانية تقتضي الفصل بين الشعارات والنتائج الفعلية، وتقديم مصالح الدول العربية واستقرارها ووحدة مجتمعاتها على أي اصطفاف أيديولوجي أو طائفي، لأن استمرار الحروب بالوكالة واستدعاء الانقسامات المذهبية لم يؤدِّ إلا إلى مزيد من التفكك، في حين أن بناء مشروع عربي قائم على السيادة والتنمية والتكامل الإقليمي يظل الخيار الأكثر انسجاماً مع متطلبات الأمن والاستقرار طويلَي المدى.
السؤال المطروح أمام الدول العربية وتركيا ليس فقط كيف تتعامل مع نتائج الحرب، بل كيف تبني توازناً يمنع الهيمنة من دون أن يدفع المنطقة إلى فوضى جديدة.
محاولة بناء النظام الجديد
في السياق الأمني الإسرائيلي قد تتحول السياسة الإسرائيلية من التركيز على العدو الواضح إلى إدارة شبكة معقدة من التوازنات الدقيقة. من ينخرط في النظام الجديد يحصل على التكنولوجيا والاستثمار والدعم الأمني، ومن يخرج عنه يجد نفسه معزولاً أو موصوماً بتهديد الاستقرار. هذا النوع من الردع البنيوي أخطر من الردع العسكري المباشر، لأنه يغيّر قواعد اللعبة من جذورها ويجعل المعارضة مكلفة اقتصادياً وسياسياً قبل أن تكون مكلفة عسكرياً.
غير أن هذا السيناريو يطرح إشكالية جوهرية تتعلق بمستقبل التوازن الإقليمي. فاختفاء إيران أو تراجعها لا يعني تلقائياً استقراراً دائماً، بل قد يؤدي إلى اختلال عميق في موازين القوى إذا تحولت إسرائيل إلى القوة شبه الوحيدة المتفوقة عسكرياً وتكنولوجياً بلا موازن فعلي. التاريخ الإقليمي في النظام الدولي يبين أن الأحادية المفرطة نادراً ما تنتج استقراراً طويل الأمد، بل غالباً ما تخلق ردود فعل مؤجلة تتخذ أشكالاً غير تقليدية أي حروب جديدة مؤجلة.
من هنا تبرز فكرة محور عربي–تركي قوي، لا باعتباره مشروع مواجهة أيديولوجية، بل كإطار توازن استراتيجي يحول دون انزلاق المنطقة إلى نظام أحادي. هذا المحور، إذا قام على أسس براغماتية، يمكن أن يجمع بين العمق العربي الديمغرافي والاقتصادي وبين القدرات العسكرية والصناعية التركية، ليشكل كتلة توازن تمنع احتكار تعريف الأمن والاستقرار من طرف واحد. كما يمكن أن يعيد الاعتبار لمفهوم الاستقلالية الاستراتيجية، بحيث لا تكون خيارات المنطقة محصورة بين الانخراط الكامل في منظومة تقودها إسرائيل أو البقاء في حالة عزلة وهشاشة وتشتت.
في النهاية، ما بعد الحرب مع إيران قد يكون أخطر من الحرب نفسها. فإذا كانت المواجهة العسكرية تحدد موازين القوة الظاهرة، فإن المرحلة اللاحقة ستحدد شكل النظام الإقليمي لعقود قادمة. إسرائيل تسعى، وفق هذا المنظور، إلى تثبيت معادلة تقول إن من يقترب يربح ومن يعارض يخسر، وإن الأمن الإقليمي يمر عبر بوابتها. والسؤال المطروح أمام الدول العربية وتركيا ليس فقط كيف تتعامل مع نتائج الحرب، بل كيف تبني توازناً يمنع الهيمنة من دون أن يدفع المنطقة إلى فوضى جديدة. لأن الشرق الأوسط، في لحظات التحول الكبرى، لا يعاقب المترددين فقط، بل يعيد تشكيلهم وفق إرادة الأقوى إن لم يملكوا مشروعاً موازناً وواضح المعالم.
- تلفزيون سوريا



























