الحوار السادس
العطالة الإداريَّة والبيروقراطيَّة في سوريا الجديدة
من إعادة إنتاج الأزمة إلى بناء نظام حوكمة رشيد.
لماذا تفشل الثَّورات أمام الرُّوتين؟
دعونا نبدأ باعتراف جريء: الخطر الأكبر على سوريا ما بعد 8 كانون الأوَّل 2024 لا يكمن فيما يمكن أن نسمّيه دعوات الانفصال ،أو ما اصطلح على تسمية ” الفصائليَّة ” أو ” بقايا التَّشكيلات العسكريَّة ” فقط، بل فيما ورثته الدَّولة الجديدة من ذهنيَّة إداريَّة وبيروقراطيَّة لا تزال تتحكَّم بمفاصل الدَّولة، نعم النِّظام السَّابق سقط أمنيًّا وعسكريًّا، لكنَّ شبكته الإداريَّة والاقتصاديَّة بقيت تعمل كآلة ثقيلة تبتلع كلَّ محاولات التَّغيير. في قراءاتي حول التَّحوُّلات السِّياسيَّة في المنطقة، أستطيع أن أؤكِّد هنا حقيقة مرَّة: التَّغيير السِّياسيُّ السَّريع لا يعني تغييرًا عميقًا مؤسَّسيًّا ، نعم يمكن أن يسقط رئيس، لكنَّ طريقة عمل الدَّولة لا تتغيَّر بالسُّرعة نفسها. ما يحدث غالبًا أنَّ النِّظام الجديد يدخل إلى جهاز إداريّ قائم مسبقًا، بقوانينه ومساراته وتسلسلاته، فيجد نفسه أسير هذا الجهاز. المشكلة ليست في سوء نيَّة الأفراد فقط، بل في البنية الَّتي يعملون داخلها.
هذا المقال هو محاولة لفتح حوار جادّ مع الدَّولة السُّوريَّة النَّاشئة، ليس من موقع الاتِّهام، بل من موقع المسؤوليَّة. سنشخَّص المرض، ثمَّ نقدِّم وصفات مستخلصة من تجارب عالميَّة عايشت لحظات انتقال مماثلة..
أوَّلاً تشريح العطالة الإداريَّة السُّوريَّة – تشخيص لا يحتمل
1- “الذِّهنيَّة ” أوَّلاً: عندما يصبح الإجراء هو الهدف:
يعد مرور عام ونيف على التحرير لازلنا نسمع قصص كثير تتحدَّث عن استمرار نفس العمل البيروقراطيِّ العقيم داخل المؤسَّسات الحكومية ( رغم بعض المحاولات الجادة لتسهيل العمل الحكومي والتي لا نستطيع نكرانها) ، فإذا دخلت مكتب أيِّ من المديرين الكبار فإنك ستجده منهمكًا في أكوام من المعاملات الورقيَّة، في حين أنَّ دوره الأساسيَّ هو وضع الخطط الإداريَّة لكيفيَّة تسهيل معاملات المواطنين، فالمدير أو أيِّ موظَّف كبير في المنظومة الإدارية يجب ألَّا يكون يومه مستهلك في متابعة مسارات إجرائيَّة طويلة، وفي الرَّدِّ على استفسارات كانت تفترض أن تعالجها الصَّلاحيَّات الأدنى. هذه ليست حكاية شخص واحد، بل حكاية نظام ” يعيد إنتاج نفسه ” المشكلة أنَّ هذه الذِّهنيَّة لا تفرِّق بين المعارض والموالي. بعض من عارضوا الاستبداد ما زالوا يتصرَّفون بعقليَّته نفسها: إقصاء، محسوبيَّة، شلليَّةً، غياب الشَّفافيَّة، ووضع العصيِّ في العجلات.
هذا يعني أنَّنا أمام مشكلة ” ثقافة وظيفيَّة ” متجذِّرة، وليست مجرَّد مشكلة أشخاص. الفكرة الكبيرة في سوريا تتحوَّل إلى إجراء، والإجراء يخضع لقواعد قديمة، ومع الوقت يصبح الهدف هو إنجاز المعاملة لا إعادة صياغة الواقع.
. 2- الإرث الثَّقيل: مؤسَّسات متضخِّمة وكفاءة منعدمة
ما ورثته الدَّولة الجديدة ليس مؤسَّسات بالمعنى الحديث، بل ” كيانًا موظفيا ” هائلاً.
وفق تحليلات الخبراء، تعاني المؤسَّسات الحكوميَّة من.
| الوصف | المشكلة |
| أعداد موظفين تفوق الحاجة الفعلية بأكثر من الضعف | تضخّم وظيفي |
| مستويات متدنّية من التأهيل، خاصة في التعيينات بعد 2011 | تدنّي الكفاءة |
| أنظمة عمل ومبانٍ إما مدمّرة أو متقادمة منذ عقدين | بنية تحتية متهالكة |
| آليات إنجاز طويلة، قديمة، وتفتقر للرقابة القانوني | بيروقراطية معقّدة |
| معدّل الأعمار كبير في مقابل دولة جديدة فتية | الشيخوخة الوظيفية |
النَّتيجة الطَّبيعيَّة: المواطن هو الضَّحيَّة الأولى المعاملة الَّتي يفترض أن تنجز في يوم تحتاج إلى أسابيع، والوثيقة الرَّسميَّة تحتاج إلى ” دورة مستنديَّة ” تذكِّرنا بزمن الورق والحبر الجافِّ في عصر الحكومات الإلكترونيَّة.
3- غياب الحوكمة: غابة الصَّلاحيَّات المتشابكة أحد الأخطاء القاتلة الَّتي ارتكبت في زمن الإدارة السُّوريَّة السابقة والمستمرة في بعض القطاعات هو ” غياب وضوح الصَّلاحيَّات ” في دراستنا هذه وجدنا أنَّ التَّداخل بين الجهات المعنيَّة يرفع تكاليف أيِّ عمل إداريّ أو اقتصاديّ بشكل كبير. فمثلاً، قطاع الصَّادرات يعاني من تداخل بين هيئة تنمية الصَّادرات ووزارة التِّجارة الخارجيَّة وهيئة المنافذ البرِّيَّة. هذه الفوضى تجعل المستثمر يهرب، والمواطن ييأس.
ثانيًا: الخطر الصَّامت – كيف تعاد إنتاج الأزمة؟
1- البيروقراطيَّة كآليَّة دفاعيَّة ضدَّ التَّغيير
البيروقراطيَّة ليست مجرَّد إجراءات طويلة، بل هي ” أيديولوجيا ” قائمة بذاتها. في النِّصف الأوَّل من القرن العشرين، كان ينظر إليها كإيجابيَّة لأنَّها توفِّر قنوات اتِّصال أوضح. لكن مع الوقت، تحوَّلت إلى آليَّة دفاعيَّة: أيُّ اقتراح تغيير يقتل بالإحالة إلى لجان، وأيَّ فكرة جديدة تذوب في ” الأصول ” ، لذا يجب وضع خطط زمنيَّة محدَّدة لكلِّ مشروع أو دراسة، ملزمةً للإدارات المعنيَّة بالتَّنفيذ، ممَّا يسهم بشكل عمليّ في خلق التَّغيير المطلوب في منهجيَّة عمل المؤسَّسات.
2- استثمار الفوضى: من المستفيد من استمرار العطالة؟
لا يمكن أن نكون سذَّجًا. هناك ” من له مصلحة ” يستثمر في هذه الفوضى. تضخيم التَّقصير الإداريِّ، زيادة السُّخط الشَّعبيِّ، الحملات الإعلاميَّة مدفوعةً الثَّمن، كلُّها أدوات تستخدم لدفع البلد نحو صدامات تعيد الجميع إلى نقطة الصِّفر، أيُّ فراغ أو تخبُّط أو سوء إدارة يستغلُّ فورًا من خصوم الدَّاخل والخارج ، الخطر الحقيقيِّ أنَّ العطالة الإداريَّة تخلق ” شرعيَّةً بديلةً ” للفوضى. عندما تفشل الدَّولة في تقديم الخدمات، يبحث المواطن عن ” حلول ” خارج المؤسَّسات، وهنا يبدأ اقتصاد الظِّلِّ والميليشيات الجديدة.
3- ضرورة الشَّفافيَّة في هذه المرحلة، يجب على الدَّولة أن تلزم الوزارات والدَّوائر الحكومة بتقديم إحاطة أسبوعيَّة لما يتمُّ إنجازه، أو تأخُّره، بهذا يكون المواطن على إطلاع دائم بما يدور، ولا يترك ذلك مجالاً لأن يبحث المواطن عن المعلومة من مصادر غير صحيحة.
ثالثًا النَّماذج العالميَّة – دروس من الَّذين عبَّروا الجسر
1- تجربة نيوزيلندا: إعادة اختراع الحكومة (1994- 2004 ) :
نيوزيلندا تقدِّم نموذجًا فريدًا في الإصلاح الإداريِّ الجذريِّ. في عقد كامل (1994- 2004 ) ، طبَّقت البلاد أفكار ” إعادة اختراع الحكومة ” الَّتي غيَّرت وجه الإدارة العامَّة عالميًّا. أهمَّ ركائز التَّجربة النِّيوزيلنديَّة.
| التطبيق | المبدأ |
| تحويل التركيز من الإجراء إلى المواطن كمستفيد نهائي | المواطن هو البوصلة |
| منح المديرين صلاحيات أوسع مع مساءلة أشد | مرونة إدارية |
| نظام تقييم مبني على النتائج وليس على المدخلات | قياس الأداء |
| استخدام واسع للرقمنة لخدمة المواطن | تكنولوجيا المعلومات |
| تطوير شركات خاصة تعمل مع المنظمات التطوعية | الشراكة مع القطاع الخاص |
ما يميِّز هذه التَّجربة أنَّها لم تكن مجرَّد ” تعديلات “، بل ” قطيعةً معرفيَّةً ” مع النَّموذج البيروقراطيِّ التَّقليديِّ. الرِّسالة للدَّولة: في سوريا، نحتاج إلى جرأة مماثلة تخلق واقع حوكمة إلكترونيَّة مبدعة تنافس العالميَّة
2- (1994- 2025) نموذج رواندا: من الإبادة إلى المعجزة الاقتصاديَّة
هذا النَّموذج يمكن أن يكون المتماثل أكثر مع الحالة السُّوريَّة، رواندا في الواقع تقدَّم درسًا استثنائيًّا في التَّحوُّل بعد الصِّراع فهي بعد الإبادة الجماعيَّة 1994، استطاعت بناء اقتصاد نموذجيّ نما بنسبة 8- 9 % سنويًّا على مدى عقدين.
العناصر الرَّئيسة لنجاح التَّجربة الرُّوانديَّة
| النتيجة | الأداة |
| زيادة إيرادات الشركات 50% والتوظيف الدائم 30% | حملة صنع في رواندا |
| تقليص زمن الإجراءات من أسابيع إلى أيام | رقمنة شاملة (التحول إلى النظام الرقمي الشامل) |
| جذب استثمارات أجنبية وتسهيل التصدير | مناطق اقتصادية خاصة |
| صادرات الخدمات زادت % في 2022171 | تنويع الصادرات |
المذهل في تجربة رواندا أنَّها اعتمدت على ” الرَّقمنة ” ليس كخيار ترفيهيّ، بل كضرورة وجوديَّة للقضاء على الفساد الصَّغير. في سوريا، الرَّقمنة ليست رفاهيةً، بل يجب أن تكون هي شرط للبقاء.
3- تجارب عربيَّة: الإمارات كنموذج للتَّحوُّل الرَّقميِّ
لا نحتاج أن نذهب بعيدًا، فالبلد العربيُّ الشَّقيق الإمارات استطاعت خلال سنوات قليلة التَّحوُّل من نظام إداريّ تقليديّ إلى ” حكومة ذكيَّة ” بالكامل، والسِّرُّ في ذلك كان فيما يلي:
الإرادة السِّياسيَّة العليا / ربط الحوافز بالأداء / الشَّفافيَّة الكاملة في مؤشِّرات القياس / الاستثمار طويل الأجل في الكوادر البشريَّة
4- دروس مستخلصة من تجارب التَّحوُّل
من خلال دراسة هذه النَّماذج، يمكننا استخلاص عدَّة حقائق
أوَّلاً: الإصلاح الإداريُّ لا ينجح بمعزل عن الإصلاح السِّياسيِّ لا يمكن أن تبني إدارة حديثة في ظلِّ غياب فصل السُّلطات وضعف القضاء.
ثانيًا: الرَّقمنة (التَّحوُّل الرَّقميُّ) وحدها لا تكفي. كثير من الدُّول حقَّقت التَّحوُّل الرَّقميَّ في الفساد بديلاً عن القضاء عليه، الرَّقمنة النَّاجحة تحتاج إلى إطار قانونيّ واضح وثقافة وظيفيَّة جديدة.
ثالثًا: القياس هو السِّرُّ أيَّ إدارة لا تقيس أداءها بدقَّة، تبقَّى تدور في فلك الإنشاء دون إنجاز.
رابعًا: الموظَّفون أنفسهم يصبحون هم جزء من الحلِّ، البيروقراطيُّون عندما يمنحون فرصة المساهمة في الإصلاح، يتحوَّلون إلى سفراء للتَّغيير.
رابعًا: خريطة طريق – ماذا تفعل سوريا غدًا؟
هذه ليست توصيات نظريَّةً، بل خطَّة عمل عمليَّة مستخلصة من التَّجارب السَّابقة نستطيع تقديمها للدَّولة الجديدة من خلال أربع حزم إصلاحيَّة متكاملة:
الحزمة الأولى: الحوكمة والفصل بين السُّلطات- استكمال السُّلطات الثَّلاث (تشريعيَّةً، تنفيذيَّةً، قضائيَّةً) بشكل عاجل ، استقلال القضاء الكامل عن الجهاز التَّنفيذيِّ، بحيث يكون مجلس القضاء الأعلى صاحب السُّلطة على شؤون القضاء ، تفعيل الرِّقابة البرلمانيَّة لأنَّ غيابها يخلق فراغ رقابيّ خطير.
الحزمة الثَّانية: إعادة هيكلة الجهاز الإداريِّ من خلال حصر عدد الموظَّفين في القطاع العامِّ وتخفيضه تدريجيًّا وفق احتياجات حقيقيَّة، تأهيل الكوادر البشريَّة الحاليَّة عبر برامج تدريب مكثَّفة على مفاهيم الامتثال وآليَّات الدَّولة الحديثة ، التَّخلُّص من رواسب الثَّقافة البيروقراطيَّة عبر برامج تغيير ثقافيّ طويلة المدى
الحزمة الثَّالثة: التَّحوُّل الرَّقميُّ وتبسيط الإجراءات البدء فورًا بالتَّحوُّل الرَّقميِّ للإجراءات الاحكومية كافة، بما فيه خصوصاً الجمركيَّة والإحصائيَّة للمساهمة في دفع عجلة الاستيراد والتصدير، وتوحيد الصَّلاحيَّات هنا يعني تخفيض عدد الإجراءات الإداريَّة بنسبة 50 % – على الأقلِّ- خلال 18 شهرًا ، إطلاق بوَّابة إلكترونيَّة موحَّدة للخدمات الحكوميَّة.
الحزمة الرَّابعة: الشَّفافيَّة ومكافحة الفساد
الإجراء مقابل الهدف
نشر تقارير دوريَّة عن الأداء الماليِّ والإداريِّ \ بناء ثقة المواطن .
قنوات اتِّصال مفتوحة للشَّكاوى والاستفسارات \ كشف التَّجاوزات مبكِّرًا .
لجان رقابيَّةً مستقلَّةً للتَّدقيق الدَّاخليِّ \ منع الفساد قبل حدوثه .
مكافأة السُّلوك الأخلاقيِّ ومعاقبة الانتهاكات\ ترسيخ ثقافة الامتثال
خاتمة:
بين شعارات الأمس وإنجازات الغد: بعد أن استعرضنا ما سبق نعود إلى السُّؤال الجوهريِّ: هل تغيَّرت قواعد تشغيل الدَّولة في سوريا، أم أنَّ الوجوه الجديدة ستعمل ضمن الإيقاع نفسه حتَّى وإن حمَّلت خطابًا مختلفًا؟ ا
لإجابة على هذا السُّؤال ستحدِّد مصير البلاد والعباد. إذا استمرينا في تقديس ” الأصول ” على حساب ” الأهداف “، وإذا بقيت المعاملات أهمَّ من المواطنين، وإذا ظلَّت المحسوبيَّة تطغى على الكفاءة، فإنَّنا سنكون ” مكانك راوح ” ونكون قد شاركنا في نصب الفخِّ الخطير الَّذي يحضر لسوريا من الأعداء المتربِّصين بها داخليًّا وخارجيًّا.
التَّغيير الحقيقيُّ لا يقاس بمن يتولَّى المنصب، بل بكيفيَّة اتِّخاذ القرار داخله.
المطلوب اليوم ليس شعارات ترفع في المؤتمرات، بل مراجعةً جادَّةً، تصحيح سريع، وتوحيد الصُّفوف على قاعدة المصلحة العامَّة لا المصالح الضَّيِّقة.
المطلوب من الدَّولة (الجميع) شجاعة الاعتراف بالخطأ لأنَّ الثُّغرات الَّتي لا نعترف بها هي ذاتها الَّتي ينفِّذ منها أعداء الدَّاخل والخارج سوريا تستحقُّ أكثر من بيروقراطيَّة تعطُّل أحلام شعبها، سوريا تستحقُّ ” دولةً حديثةً ” تليق بتضحيات أبنائها.
والطَّريق يبدأ اليوم، بمعاملة واحدة تنجز في وقتها، وبقرارً واحد يتَّخذ لمصلحة الوطن، وبموظَّفً واحد يفهم أنَّ وظيفته ليست امتيازًا، بل مسؤوليَّةً.
أيَّتها الدَّولة يجب أن تكون رسالتك لكلِّ وزير وكلِّ مدير وكلِّ مسؤول: أيُّها المسؤول: حين تتراكم المعاملات أمامك، تذكُّر أنَّ كلَّ ورقة منها تحمُّل قصَّة إنسان ينتظر، وحين تؤجِّل قرارًا، تذكر أنَّ التَّأجيل قد يكون فرقًا بين حياة وكفاح، أو بين نجاح وفشل. الوطن لا يبنى بالشِّعارات، بل بإنجاز معاملة في وقتها، واتِّخاذ قرار بشجاعة، وخدمة المواطن كأنَّه أنت.
- كاتب سوري


























