يشهد اندماج قسد بالدولة السورية عثرات كثيرة؛ منها ما هو مرتبط ببنية قسد، ومنها ما هو مرتبط بعقيدتها الحزبية ونمطها الفصائلي، إضافة لدور الراعي الدولي والدور الجديد لفرنسا كلاعب جديد؛ سواء لاستعادة شيء من نفوذها أو كجزء من موقفها الجذري من الدولة التركية.
وبالرغم من الثقة العفوية والآمال التي يعقدها الشعب السوري على القيادة السورية، فإن ما تشهده الجزيرة السورية في تل أبيض ومحافظة الرقة من حراك واضح يدل على رفض مطلق لاشتراك قوى أو شخصيات من قسد في إدارة تلك المناطق العربية الصرفة، بالتوازي مع حراك شهدته المناطق المحررة في الشطر الجنوبي من رقعة محافظة الحسكة؛ بدءا من بلدة الشدادي، مرورا بريف تل براك إلى الشمال الشرقي من مدينة الحسكة؛ وصولا إلى ريف تل حميس، واليعربية من المناطق العربية في الجنوب الشرقي.
الهاجس الأخطر هو الكتلة الوظيفية التي فرضتها قسد في الدوائر الحكومية المدنية، وفي تغليب العنصر الكردي الذي اقترحته أو وظفته وتحييد الغالبية العربية..
وقد تحشد الثوار من أنباء القبائل في تل حميس وريفها، وفي تل براك رفضا لتقدم قوات مشتركة تضم مقاتلي قسد، في حين أحرق أبناء بلدة تل أبيض سيارات من قدموا من منتسبي حزب العمال، وكذلك طرد أبناء الشيوخ الوفد المشترك. يبدو هنا وكأن الاتفاق مع قسد في شكله غير المعلن وعبرت عنه وقائع الأرض غائما؛ خصوصا مع تصريح مظلوم عبدي أمس أن ” شعبنا سيدير مناطقه ولن يتغير شيء” وكأن قسد تمتلك الحق بالقرار منفردة، وكذلك الحق عبر التنسيق مع الحكومة السورية في نشر قواتها في المناطق التي انسحبت منها أو خسرتها، رغم أن تلك المناطق ذات غالبية عربية مطلقة، باستثناء الشيخ مقصود والأشرفية كحيين وسط مدينة واسعة – حلب- بما يشبه غيتو يكرس سلطتها تحت شرعية الدولة السورية واتفاقاتها. بالمقابل فإن معاناة أبناء الحسكة المتواجدين تحت سلطة قسد من كرد ومن عرب تكاد تبلغ معاناة الشعب السوري من وحشية الأسد؛ الذي مازالت بعض قواه ورجالات استخباراته تعيش في الحسكة والقامشلي بحماية قسد، لتبدو وكأنها قد حولتها إلى ملاذ آمن يضمن حماية كل معارض للدولة السورية، من جهة أخرى ونتيجة لنشر قسد لقواتها وحواجز أمنها على حدود المناطق المحررة بالحسكة؛ مُنِع الأهالي من إسعاف مرضاهم وقد حدثت وفيات لمرضى، ما يخلط المطلب الخدمي بالمطلب الأمني من ذوي المعاناة من عسف قسد وإجرامها، بالمطلب السياسي في ضرورة بسط الدولة سلطتها الحقيقية لا الرمزية على كل التراب السوري. ولعل هذا المطلب السياسي وإن أطلقته القيادة من دون توضيحات حول بنود الاتفاق أو آلياته على الأرض بما يخالف ما أعلنته، يدفع نحو اتخاذ موقف يشير إلى التململ من الحكومة الحالية يتوازى مع تأخر البدء بملف العدالة الانتقالية، وتدوير شخصيات مرفوضة شعبيا ممن تعاون مع النظام البائد، ونسق مع الميليشيات الإيرانية. ورب قائل إن احتواء بعض الشخصيات في دمشق وحلب والساحل يقع تحت ضرورات المرحلة، لكن المشكلة نفسها تتمظهر بمفاعيل مختلفة في منطقة الجزيرة؛ وتنبئ بما هو أخطر؛ حيث البيئة القبلية الرافضة لأولئك قد تحاول القصاص من حَمَلة الدم من دون الرجوع للقانون، وهو ما يدخل المناطق بخلافات قبلية لا قِبَل للمرحلة بها، ويهدد الاستقرار المجتمعي في منطقة يشكل الثأر فيها ناموسا عاما تجاوزته مدن الداخل السوري. إضافة للموقف المتصلب والمبدئي من قسد لدى أبناء الجزيرة؛ سواء كان ذلك بسبب إجرامها وفتكها بأبنائهم وأسراهم البالغ بالآلاف في معتقلاتها، أو برغبتهم بالقصاص منها قانونيا؛ أو خارج القانون مع رغبتهم بتحرير ما تبقى من مناطقهم وحماية أهليهم في المناطق الواقعة تحت سيطرتها، أو بموقف أكثر أهمية حول حدود السلطة التي تملكها قسد في المنطقة في مستوى القوى العسكري والقوى الأمنية والكوادر الوظيفية. فقد حلت قسد قواتها الأمنية المسماة (الجوهرية)، وحولتهم إلى موظفين مدنيين في دوائر كان يشغلها عرب قامت بفصلهم؛ لتكسب امتيازا فائضا في المستوى الوظيفي المدني، ودوائر الخدمات، والنفط والغاز حسب حقها في الاتفاق ببقاء كتلة موظفيها كما ورد في نص الاتفاق، كما قامت بتطويع كثير من الكرد لتعويض خروج العرب المجندين إجباريا أو لقاء أجر، لتأمين كتلتها العسكرية وفقا لنقطة الألوية الثلاثة في الاتفاق، إضافة لذلك بقاء قواتها الشرطية ( الأسايش) كقوات معترف بها رغم ممارستها التفتيش والاعتقال، مع بقاء قوات الشبيبة الثورية ( جوانن شورشكر) التي اشتهرت بخطف الأطفال لتجنيدهم في قنديل وفقا لتقارير أممية رصينة.
غير أن الهاجس الأخطر هو الكتلة الوظيفية التي فرضتها قسد في الدوائر الحكومية المدنية، وفي تغليب العنصر الكردي الذي اقترحته أو وظفته وتحييد الغالبية العربية، هنا ليس الأمر مقرونا بوظيفة المحافظ أو غيره، بل بنسبة الوظائف الممنوحة لقسد وتحاول تحقيق مكسب في الشارع الكردي المستقل عنها، وهو ما يفضي إلى تداعيات كثيرة في المنطقة، تبدو ليست في حسبان دمشق التي لم تعلن عن رؤيتها النهائية للموقف، وموقفها التفاوضي الذي تبدو لقسد حصة الأسد في اتفاقها تحت تأثير فاعل دولي لن يترك الدولة السورية تبنى بآليات أبنائها وقيادتها؛ التي تحاول بسط السيطرة على الرقعة السورية من دون استثناء.
يبدو أي استقرار يبنى في المنطقة بما لا ينصف أبناءها استقرارا هشا، يقيم البلاد على صفيح ساخن قابل للانفجار بأي حين؛ خصوصا بوجود خلايا داعش في المنطقة واحتمال استثمارها في هذا الموقف.
بالمقابل وأمام صعوبة الخدمات في المناطق المحررة، وضغط المطالب الشعبية، تبدو القيادة السورية منشغلة بالسياسة الدولية لدرجة أنها لم تصدر تصريحا يخص المنطقة، وهناك من يحلل ما ستؤول إليه الأمور تبعا لرائز وازن هو الموقف التركي الذي تبدو فيه تركيا رافضة للفدرالية، غير أن تخوفا آخر بدا يظهر في الأفق وهو أن تسير القيادة السورية مرغمة على تكريس إدارة ذاتية ناعمة لا تستفز تركيا، وتغمط حقوق أهل المنطقة حقوقيا وسياسيا. وفي حين نشهد حالة استيعاب والتماس أعذار من قبل الشعب في المنطقة؛ من باب اضطرار القيادة لتحمل قسد إلى حين، ثمة تحشيد لثوار المنطقة لتشكيل جيش العشائر للدفاع عن مناطقهم، ولا غرابة أن يندفع هؤلاء إلى حماية أبناء عمومتهم وأهليهم المحاصرين تحت سلطة قسد. إذا بقيت إدارة ملف الحسكة وفقا لما نراه من تمكين قدرة قسد في الوظائف المدنية، والقوى الأمنية المجرمة التي تجري شرعنتها، فإن ذلك سيدفع كل الكرد من قوميين ووطنيين وإسلاميين؛ لأن ينخرطوا في مستوى الوظائف التي تفتحها قسد باعتبارها قوة أمر واقع تمت شرعنتها؛ لدرجة يصبحوا فيها مجندين لصالح أي تصور كردي انعزالي أو انتهازي؛ مثلما تم تجيير العلويين البسطاء في مشروع الأسد إبان استلامه السلطة، وتوزيعه الوظائف على قواعد الطائفة، وهو مايعني تكريس انفصال عموم الكرد عن محيطهم السوري، كما أنه سيولد شعورا بالغبن لدى العرب عبر تحييدهم عن العمل والوظائف بما يتناسب وثقلهم السكاني وحقوقهم الوطنية، لدرجة تنامي شعور بالكراهية للكرد جميعا عبر خضوعهم لحمى التوظيف والعمل، ما يوصل المنطقة وأهلها إلى كراهية متبادلة لم نشهدها سابقا بدلا من اختزال الإجرام بميليشيا محددة، وهو مايفتح شعب المنطقة على استثمارات لفواعل دولية كثيرة، كما ما يطعن في الوطنية السورية التي يراد تكريسها فيما نراه من خطاب القيادة بدمشق. وفي حين تعول القيادة السورية في تأمين الاستقرار لصالح البلاد، ولصالح بناء الدولة ومؤسساتها، ولأجل جذب اهتمام الاستثمارات الدولية؛ يبدو أي استقرار يبنى في المنطقة بما لا ينصف أبناءها استقرارا هشا، يقيم البلاد على صفيح ساخن قابل للانفجار بأي حين؛ خصوصا بوجود خلايا داعش في المنطقة واحتمال استثمارها في هذا الموقف.
- تلفزيون سوريا


























