خطير ما ورد في تقرير “رويترز” بخصوص الضغوط الأميركية على حكومة الرئيس أحمد الشرع، بالدخول عسكرياً إلى لبنان، لنزع سلاح حزب الله. أخطر ما فيه، أنه ترك الباب موارباً أمام احتمال موافقة صانع القرار السوري على هذا السيناريو.
وخلافاً لما ذهبت إليه مصادر أخرى –”المدن” مثلاً- أن “سوريا لا تفكر أبداً بأي تدخل في لبنان”، تؤشر “مصادر رويترز” إلى وجود آراء داخل هرم قيادة السلطة بدمشق، ربما تؤيد هكذا تدخل.
وقد وشت اتصالات الشرع، بقياديين لبنانيين، قبل مدة، بالتزامن مع الاستنفار العسكري على الحدود، بوجود تفاعل ما يتم بهذا الاتجاه. ويجعل الباب مفتوحاً أمام أكثر من احتمال.
كيف يمكن أن يفكر صنّاع القرار في دمشق، حيال التدخل في لبنان؟ إن أجرينا محاولة عصف دماغي لسيناريوهات التفكير المحتملة، من الصعب علينا أن نستبعد سيناريو التفكير بمنطق “حافظ الأسد”، عشية العام 1976. فكيف بدأ هذا السيناريو؟ وكيف انعكس على مصالح السوريين عموماً؟ وكيف انتهى إن نظرنا إليه من زاوية مصالح نظام الأسد ذاته؟
“التمدد العسكري المفرط والأفول النسبي المصاحب هو التهديد المستمر الذي يواجه القوى ذات الطموح والمتطلبات الأمنية التي تتجاوز ما يمكن أن تقدمه مواردها المتاحة”.
من الناحية الظرفية، هناك تشابه كبير بين المقدمات. فدخول حافظ الأسد إلى لبنان عام 1976 جاء على خلفية الصراع حول نزع سلاح الفصائل الفلسطينية. أما غاية الدخول فكانت تحصيل وزن إقليمي، قائم على تفاهمات مع خصوم نظريين (الولايات المتحدة، إسرائيل)، بصورة تتيح تحصين النظام، وتعزيز قدرته على التأثير والفاعلية إقليمياً. وهو ما خلق “قيمة مضافة” لنظام حكم حافظ الأسد، كان مصدرها، خارجي.
وقد حظي حافظ الأسد بالكثير من المديح، ونُظر له بوصفه “داهية”، جراء نجاحه في توطيد هيمنة سوريا على لبنان، نهاية الثمانينات. هذه النظرة الإيجابية لسياسة الأسد الأب، الخارجية، شاعت في أوساط منظّرين ومفكرين، وحتى في أوساط شريحة واسعة من السوريين الذين كانوا ناقمين في الوقت نفسه، على الأسد الأب، جراء سياساته الداخلية. وهو ما يعبّر عن تناقض لاواعي، بين السوريين بوصفهم مقهورين داخليين، وبين “الأنا” الخاصة بهم، القادرة على الانتفاخ، على حساب الجار الأصغر، في تعويض لعقدة الإذلال الداخلية.
على مستوى مصالح السوريين العامة، كانت حصيلة التدخل السوري في لبنان، غاية في الضرر. فهم كسبوا عداء شريحة واسعة من اللبنانيين جراء انتهاكات “قواتهم” المسلحة، كما ارتد عليهم تحصين نظام الأسد خارجياً، بصورة قمع وتسلط أكبر داخلياً. ناهيك عن تفعيل قنوات الفساد وشبكات المحسوبية والانتفاع، بين حدود
البلدين. وكانت الخاتمة بخروج مُذل للجيش السوري عام 2005، بعد انتهاء الضوء الأخضر من “الخصوم النظريين” –أميركا وإسرائيل-.
على صعيد صانع القرار، قد يعتقد البعض أن الحسبة مختلفة. فحافظ الأسد ربما نظر للتدخل في لبنان، بوصفه أبرز “إنجازاته”، حتى لحظات حياته الأخيرة. لكن، لو طال به الأمد قليلاً، لكان عاش لحظة “الخروج المُذل”، التي ذاقها ابنه. وهنا قد يعلّق أحدهم، أن “دهاء” الأب ما كان ليوقعه في “سقطات” الابن. وهي مقاربة غير سليمة. فتقاطعات المصالح بين دول خليجية والولايات المتحدة وإسرائيل، والتي صنعت لحظة “الدخول السوري” إلى لبنان عام 1976، انقلبت جذرياً بعيد العام 2003، مع الغزو الأميركي للعراق. وما كان لـ “دهاء” حافظ الأسد أن يسعفه كثيراً، ربما إلا بإيجاد مخرج “لائق” أكثر، من ذاك الذي انتهى إليه بشار الأسد، بعيد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق، رفيق الحريري.
لماذا كانت خاتمة “الدخول السوري” إلى لبنان، مُذلة، وما كان يمكن تجنبها –إلا ربما بصيغ ألطف-؟ يجيبنا المؤرخ الأميركي الشهير، بول كينيدي، عبر “قاعدة” وضعها في كتابه “نشوء وسقوط القوى العظمى”. مفادها: “التمدد العسكري المفرط والأفول النسبي المصاحب هو التهديد المستمر الذي يواجه القوى ذات الطموح والمتطلبات الأمنية التي تتجاوز ما يمكن أن تقدمه مواردها المتاحة”. هي قاعدة نلحظها في عدد كبير من تجارب التمدد العسكري للقوى الدولية والإقليمية. ومن الصعب حصر أمثلتها. الاتحاد السوفيتي في أفغانستان. الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان. إيران وروسيا في سوريا. وسوريا في لبنان، أيضاً.
في الحالة السورية الراهنة، إن تكرر التدخل العسكري في لبنان، فستنطبق المقولة الشهيرة المنسوبة لكارل ماركس، علينا، بحرفيتها: “التاريخ يعيد نفسه في المرة الأولى، كمأساة، وفي المرة الثانية كمهزلة”.
إن كان بلدك بموارد محدودة، لا تطمح باكتساب قوة ووزن خارجي، بالاستناد إلى التمدد العسكري والأمني المكلف. لأن خاتمة هذا التمدد، أفول. في الحالة السورية الراهنة، إن تكرر التدخل العسكري في لبنان، فستنطبق المقولة الشهيرة المنسوبة لكارل ماركس، علينا، بحرفيتها: “التاريخ يعيد نفسه في المرة الأولى، كمأساة، وفي المرة الثانية كمهزلة”.
يستهدف هذا المقال، تقديم دعمٍ لأصوات نعتقد أنها موجودة في قمة هرم السلطة الحاكمة بدمشق. وهي تقاوم الراغبين بالاستجابة للضغط – الإغراء الأميركي بالدخول إلى لبنان. ونأمل أن تكون هذه الأصوات قد حسمت القرار النهائي، أو في طريقها لذلك، بالاستناد إلى ما نشرته “المدن”، مؤخراً، حول رؤية تقوم على كون سوريا مرتكزاً لخطوط التجارة البرية بين الخليج وتركيا، وجاذبة للاستثمارات. وهو ما يعني الحاجة للاستقرار وعدم التورط في حرب استنزاف داخل أراضي الجار اللبناني. حرب قد لا تقف عند حدود الأرض اللبنانية، خلافاً لما حدث في “الدخول السوري” السابق.
- تلفزيون سوريا



























