يبرز موقف أحمد الشرع من التدخل العسكري في لبنان باعتباره موقفاً عقلانيّاً وحكيماً يستحقّ التوقّف عنده والإشادة به. رفض الرجل بشكل قاطع، أقلّه حتّى الآن، الانجرار إلى أيّ مغامرة عسكريّة داخل لبنان، وأكّد أنّ الدور العسكريّ يقتصر فقط على حماية الحدود السوريّة ومنع انتقال الفوضى إلى الداخل السوريّ.
يعكس هذا الموقف إدراكاً عميقاً لطبيعة لبنان كبلد شديد الحساسيّة، حيث يمكن لأيّ خطأ في الحسابات أن يتحوّل إلى كارثة إقليميّة. يُظهر أيضاً وعياً لكون استقرار سوريا نفسها مرتبطاً بعدم التورّط في نزاعات جديدة، وخاصّة في ظلّ التحدّيات الداخليّة التي لا تزال قائمة.
المعطيات التي تحدّثت عنها “رويترز”، على الرغم من نفيها من المبعوث الأميركيّ توم بارّاك، تشير إلى أنّ الولايات المتّحدة، بالتنسيق مع إسرائيل، سعت بعد إطلاق الحرب على إيران إلى دفع دمشق نحو فتح جبهة البقاع لمواجهة “الحزب”، وتحدّثت بعض المعلومات بشكل واضح عن محاولة عقد لقاء أمنيّ يجمع أطرافاً سوريّة وإسرائيليّة، بهدف ممارسة ضغط مباشر على سوريا للانخراط في عمليّة عسكريّة داخل لبنان. غير أنّ دمشق رفضت بشكل قاطع هذا الطرح، متمسّكة بخيار عدم التورّط.
احتواء الأزمات بدل افتعالها
لم يكن هذا الرفض معزولاً، بل جاء مدعوماً بمواقف عربيّة وإقليميّة وازنة رأت في أيّ تدخّل سوريّ خطراً كبيراً على استقرار لبنان والمنطقة، وفي مقدَّم هذه الدول تقف المملكة العربيّة السعوديّة وتركيا. تدرك هذه الدول أنّ أيّ انزلاق عسكريّ جديد سيؤدّي إلى تفجير الوضع الداخليّ، وربّما إعادة إنتاج مشهد الحرب الأهليّة بشكل أكثر تعقيداً. لذلك مارست ضغوطاً مقابلة على الولايات المتّحدة لعدم الاستمرار في دفع سوريا نحو هذا الخيار.
يبرز موقف أحمد الشرع من التدخل العسكري في لبنان باعتباره موقفاً عقلانيّاً وحكيماً يستحقّ التوقّف عنده والإشادة به
من حيث المبدأ، لا يمكن لأيّ قراءة واقعيّة أن تجد مصلحة حقيقيّة لأيّ طرف لبنانيّ في دخول الجيش السوريّ إلى الأراضي اللبنانيّة، تحت أيّ ذريعة كانت. لبنان، الذي لم يتعافَ بعد من أزماته السياسيّة والاقتصاديّة، لا يحتمل إعادة إنتاج مشهد الوصاية أو التدخّل الخارجيّ المباشر، خصوصاً من بوّابة عسكريّة.

بالنسبة للطائفة السنّيّة تحديداً، سيحمل هذا التدخّل أبعاداً شديدة الحساسيّة. العلاقة التاريخيّة المتوتّرة مع النظام السوريّ السابق ومع المشروع الإيرانيّ وأذرعه، بالإضافة إلى ما تركته سنوات الوصاية والاغتيالات ثمّ سنوات الحرب السوريّة من ندوب عميقة في الوجدان السنّيّ، ستؤسّس حتماً إلى ما يشبه الانصهار شبه الجماعيّ مع أيّ حضور عسكريّ للنظام السوريّ الجديد في لبنان، خصوصاً في الأطراف والأرياف، وذلك استناداً إلى مظلوميّة تاريخيّة متجذّرة، وإلى شعور جماعيّ بأنّ التغيير الكبير الذي بدأ في سوريا إنّما هو انتصار هائل للسُّنّة في البلدين على حدّ سواء. لذلك أيّ جنوح عسكريّ لا يمكن احتواؤه بسهولة، وسيدفع عاجلاً أم آجلاً باتّجاه إعادة خلط الأوراق الداخليّة، وفتح باب الاصطفافات الحادّة.
شدّ العصب وتعويم السّرديّة
إنّ أيّ تدخّل سوريّ تحت عنوان مواجهة “الحزب” قد يؤدّي عمليّاً إلى نتيجة معاكسة تماماً، فبدل إضعاف “الحزب”، سيؤدّي ذلك إلى شدّ العصب داخل بيئته، وإعادة إنتاج سرديّة مذهبيّة متجذّرة للهروب من أزماته الداخليّة المتفاقمة، ومن حشره في الزاوية على الصعيد الوطنيّ. يُظهر التاريخ في لبنان وفي المنطقة أنّ المجتمعات حين تشعر بتهديد وجوديّ، تميل إلى الالتفاف حول قواها الأكثر تنظيماً، بغضّ النظر عن الخلافات السابقة. وبالتالي، دخول قوّات سوريّة إلى البقاع لن يُنظر إليه كخطوة تقنيّة لنزع السلاح، بل كتهديد مباشر لطائفة بأكملها، وهو ما يعزّز من تماسكها خلف “الحزب”.
مصلحة لبنان، كما مصلحة سوريا، بل ومصلحة العالم العربيّ ككلّ، تكمن في تجنّب أيّ مواجهة جديدة
ليس لبنان ساحة يمكن إدارتها بقرارات أو تدخّلات عسكريّة كاسرة للتوازنات. أيّ شرارة صغيرة قادرة على إشعال توتّرات كامنة منذ سنوات. لذلك دخول الجيش السوريّ سيأخذ لبنان حتماً نحو اشتباك أهليّ، ولو بشكل تدريجيّ. التوازنات الدقيقة بين الطوائف، والانقسامات السياسيّة الحادّة، ووجود السلاح خارج إطار الدولة، كلّها عوامل تجعل من أيّ تدخّل خارجيّ وصفة جاهزة للفوضى. ومع ارتفاع منسوب التوتّر، ستتعزّز العصبيّات الطائفيّة، وسيتراجع منطق الدولة أكثر فأكثر، إلى حدّ قد يؤدّي إلى سقوط ما بقي من مؤسّساتها.
انطلاقاً من كلّ ما سبق، يصبح من الضروريّ أن نرتصف جميعاً خلف هذه الجهود، وأن نناشد أحمد الشرع ضرورة الثبات على موقفه، مهما اشتدّت الضغوط. التراجع في هذه اللحظة لن يكون حدثاً عابراً، بل خطوة قد تفتح أبواباً يصعب إغلاقها، وتضع لبنان وسوريا أمام سيناريوات خطِرة.
إنّ مصلحة لبنان، كما مصلحة سوريا، بل ومصلحة العالم العربيّ ككلّ، تكمن في تجنّب أيّ مواجهة جديدة، والتركيز بدلاً من ذلك على احتواء الأزمات القائمة، لأنّ السياسة في لحظات مفصليّة كهذه، لا تُدار بمنطق الثأر أو الانتقام، بل بمنطق المصلحة، وليس الوقت اليوم وقت تصفية حسابات، بل وقت حكمة وتعقّل وصبر.
يقف لبنان على حافة دقيقة، وأيّ خطوة غير محسوبة قد تدفعه نحو الهاوية. التدخّل العسكريّ السوريّ، مهما كانت مبرّراته، لن يكون حلّاً، بل سيشكّل بداية لسلسلة من الأزمات المتلاحقة. لذلك التمسّك بسياسة النأي بالنفس، تعزيز الاستقرار، ورفض الانجرار إلى صراعات الآخرين، هو الخيار الوحيد القادر على حماية ما بقي من الدولة اللبنانيّة، ومنع انزلاقها إلى فوضى شاملة.
إنّها لحظة اختبار حقيقيّة للعقل السياسيّ في لبنان وفي سوريا وفي المنطقة: إمّا الانجرار خلف الضغوط، أو التمسّك بالحكمة. حتّى الآن، يبدو أنّ الخيار الثاني لا يزال ثابتاً وممكناً، بل وضروريّاً.
- أساس ميديا


























