حوار مع الدولة 11
رؤية إستراتيجية لبناء العقد الاجتماعي وتحقيق الاستقرار والتنمية المستدامة
مقدّمة: لماذا الحماية الاجتماعية اليوم في سوريا؟
بعد أكثر من عقد من الأزمة التي عصفت بكل مفاصل الحياة في سوريا، تقف الدولة السورية الجديدة أمام مسؤولية تاريخية لا تقل تعقيداً عن إعادة بناء الجسور والمنشآت، بل ربما تفوقها أهمية، ألا وهي إعادة بناء الإنسان والمجتمع.
لقد خرجت سوريا من تجربة قاسية طالت كل أسرة سورية تقريباً، وخلّفت وراءها أكثر من 90% من السكان تحت خط الفقر، مع نسبة فقر مدقع وصلت إلى 66%، وفق ما كشف عنه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تقرير صدر في شباط 2025
هذا الرقم ليس مجرد إحصائية جامدة بل هو تعبير عن مأساة إنسانية يومية، وعن شرخ عميق في النسيج الاجتماعي، وعن أزمة ثقة حادة بين المواطن ومؤسسات الدولة التي يفترض أنها تسهر على رعايته
من هنا، لا يمكن النظر إلى الحماية الاجتماعية في المرحلة الراهنة على أنها مجرّد شبكة أمان مؤقتة أو حزمة مساعدات إغاثية تقدم لسد الرمق. بل هي في جوهرها أداة سياسية واجتماعية واقتصادية بالغة الدقة والقوة، يمكنها أن تلعب دوراً محورياً في تعزيز وجود الدولة الجديدة وترسيخ شرعيتها. فالدولة التي تصل إلى المواطن في أشد لحظات ضعفه، وتقدّم له دعماً حقيقياً يعيد له الاعتبار والكرامة، هي دولة تستحق الثقة وتستحق أن يكون المواطن ركيزة أساسية في بنائها. وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات، وفي كلمة لها خلال فعالية إطلاق الخطة الإستراتيجية للوزارة في الثامن من آذار 2026، أكدت على هذا المبدأ بقولها إن الخطة تهدف إلى تحويل الحماية الاجتماعية “من مجرّد استجابة للحاجة إلى سياسة متكاملة تصون الكرامة الإنسانية وتفتح أبواب الفرص أمام الجميع”
هذا البحث، ينظر للقضية بعمق من خلال عدسة دقيقة مستندة إلى خبرات علمية متراكمة لأكثر من عقدين في متابعة وتقييم السياسات الحكومية، ويهدف إلى تقديم رؤية متكاملة ومتعمّقة لدور الحماية الاجتماعية في تعزيز وجود الدولة السورية الجديدة. سأحاول قدر الإمكان الابتعاد عن التنظير الأكاديمي المجرّد، والاقتراب من الواقع المعاش، من خلال تحليل الإستراتيجية الوطنية الجديدة (2026-2028) التي أطلقتها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل قبل أيام ، ووضعها في سياقها المحلّي والإقليمي والدولي، مع الاستفادة من النماذج العالمية المتقدمة والدروس المستفادة منها، وتقديم مقترحات عملية قابلة للتطوير.
المحور الأول: بناء العقد الاجتماعي الجديد واستعادة الثقة
1-1 الحماية الاجتماعية كمدخل لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن
بداية يمكن القول إنه من أخطر ما خلّفته سنوات الأزمة الطويلة، هو تآكل العقد الاجتماعي الذي كان قائماً، بشكل أو بآخر، بين الدولة السورية والمواطنين. هذا العقد، الذي يفترض أن تقوم الدولة بمقتضاه بتوفير الخدمات الأساسية والحماية والأمن للمواطنين، مقابل ولائهم والتزامهم بالقوانين، تعرّض لاهتزاز شديد. المواطن الذي فقد منزله وعمله وأحياناً أفراداً من أسرته، وشاهد مؤسسات الدولة تغيب عن توفير أدنى مقومات الحياة الكريمة، لا يمكنه أن يمنح الثقة بسهولة لأي كيان جديد لمجرّد أنه أعلن عن نفسه بديلاً.
هنا تبرز الحماية الاجتماعية كأداة إستراتيجية لإعادة بناء هذا العقد من الصفر، ولكن هذه المرة على أسس أكثر متانة وشفافية. الدولة الجديدة، من خلال وصولها إلى المواطن المحتاج عبر برامج مساعدات نقدية، أو دعم غذائي، أو رعاية صحية، أو تأهيل للعمل، لا تقدم له معروفاً، بل تؤدي واجبها في إطار هذا العقد الجديد. هي تقول له بفعلها قبل قولها: “أنا هنا من أجلك، في أحلك الظروف، لأضمن لك حقاً من حقوقك الأساسية”. هذا الفعل يحمل رسالة سياسية واجتماعية أقوى من آلاف الخطب والبيانات.
وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل أكّدت في كلمتها خلال إطلاق الخطّة أن “الخطّة الإستراتيجية للوزارة تنظّم بناء شراكات حقيقية مع القطاع العام والخاص والمجتمع المدني” ، وهذا تحديداً هو جوهر العقد الاجتماعي الجديد: شراكة بين جميع الفاعلين، تكون الدولة هي المنظّم والضامن والحاضن لها، وليس المتحكّم الوحيد فيها. وأضافت الوزيرة أن “غنى سوريا البشري وتنوّع خبرات أبنائها وخلفياتهم المختلفة هو مصدر قوة للمؤسسات، وليس تحدّياً لها”، معتبرة أن “السلم الأهلي يترسّخ كلما ازداد احترام هذا التنوّع والتعامل معه كقيمة وطنية جامعة لا كسبب للانقسام” . هذا التصريح يحمل دلالة عميقة في سياق سوري يحتاج بشدة إلى احترام تنوّعه كأساس للمواطنة المتساوية.
1-2 تجارب دولية في بناء الثقة عبر شبكات الحماية
لقد مرّت العديد من الدول بظروف مشابهة، ونجحت في إعادة بناء الثقة عبر برامج حماية اجتماعية ذكية.
التجربة البرازيلية مع برنامج “بولزا فاميليا” (Bolsa Família)
خير مثال على ذلك. هذا البرنامج، الذي انطلق في أوائل الألفية الجديدة، استطاع أن ينتشل الملايين من الفقر المدقع، ليس فقط عبر تحويلات نقدية مشروطة، ولكن عبر ربط هذه التحويلات بالتزامات على الأسر مثل ضمان التحاق الأطفال بالمدارس وحصولهم على التطعيمات الأساسية.
هذا النموذج خلق دائرة حميدة: الدولة تدعم، والأسرة تلتزم، والطفل يتعلّم ويتمتّع بصحة أفضل، فينشأ جيل جديد لديه صورة إيجابية عن الدولة التي وقفت إلى جانبه.
في سياقنا العربي، يمكن النظر إلى تجربة الأردن في إدارة قاعدة بيانات وطنية للحماية الاجتماعية (نافذة)، والتي ساعدت على دقّة الاستهداف وشفافية التوزيع، مما قلّل من الاحتقان الشعبي الناتج عن شعور البعض بالتمييز أو التهميش. هذه التجارب تؤكّد أن بناء الثقة يبدأ من نزاهة وشفافية آلية تقديم الخدمة نفسها، وليس فقط من حجم المساعدة.
المحور الثاني: تثبيت الاستقرار وتعزيز الشرعية عبر شبكات الأمان
2- 1 تخفيف الآثار القاسية للحرب والحد من الهشاشة الاجتماعية
لا يمكن لأي حديث عن استقرار سياسي أو أمني في سوريا أن يتجاهل الحقيقة المرّة المتمثّلة في المستويات الكارثية للفقر والبطالة. الإنسان الجائع، أو الذي لا يجد مسكناً يؤويه، أو الذي يشعر بأن لا مستقبل له ولا لأولاده، يصبح فريسة سهلة لخطابات اليأس والتطرّف، أو قد يجد نفسه مضطراً للانخراط في أعمال غير مشروعة بحثاً عن لقمة العيش. وزير المالية محمد يسر برنية، وفي تعليق مهمّ خلال فعالية إطلاق الإستراتيجية، قال عبارة يجب أن تعلّق على جدران كل مؤسسة حكومية
.“لا يمكن تعزيز الحماية الاجتماعية دون بناء اقتصاد منتج“
وهذه المقولة تحمل وجهين: الأول أن الحماية الاجتماعية تحتاج إلى تمويل مستدام لا يمكن أن يؤمنه إلا اقتصاد قوي، والثاني أن الاستقرار الذي توفّره الحماية الاجتماعية هو البيئة الحاضنة التي يمكن للاقتصاد أن ينمو فيها
هنا يأتي دور شبكات الأمان الاجتماعي، ليس كبديل عن التنمية، بل كمقدّمة ضرورية لها، فعندما تطلق وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل برامجها لحماية الأطفال الأيتام وفاقدي الرعاية، والنساء المعيلات، وكبار السن، والأشخاص ذوي الإعاقة، والأسر الفقيرة، والنازحين ، فإنها في الحقيقة تحمي السلم الأهلي، وهي تقوم بامتصاص الصدمات النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي تعرّض لها هؤلاء، وتحول دون تحوّل معاناتهم الفردية إلى احتقان جماعي يمكن استغلاله لزعزعة الاستقرار. وزير الإعلام حمزة المصطفى وصف هذه الخطة بأنها “الاستجابة الأولى لتسليط الضوء على المعاناة الكبيرة، والبدء بمرحلة تسود فيها العدالة الاجتماعية”
هذه الاستجابة، إذا كانت صادقة وفعّالة، هي التي تترجم الشرعية النظرية للدولة إلى شرعية عملية ملموسة في حياة الناس
2-2 الشرعية العملية: كيف تترجم المساعدات إلى دعم سياسي؟
خلال سنوات الثورة ومن خلال حملات الإغاثة التي كنا نقوم بها، ومن خلال اللقاءات الكثيرة التي كان يقوم بها العاملون في الحقل الإغاثي والاستبيانات التي كانت تتمّ على شرائح كثيرة من المستقبلين للمساعدات، كان هناك دائماً سؤال المواطن البسيط الذي لا يهتم كثيراً بالخطابات السياسية الكبرى، بقدر ما يهتم بكيفية حل مشكلاته اليومية. هو يسأل: هل سأجد لقمة الخبز غداً؟ هل سأتمكن من شراء الدواء لوالدي المريض؟ هل سأجد فرصة عمل تمكّنني من الزواج وبناء أسرة؟ الدولة التي تقدم إجابات عملية وملموسة على هذه الأسئلة هي الدولة التي تترسّخ شرعيتها في قلوب الناس وعقولهم.
برامج الحماية الاجتماعية، عندما تُصمّم وتُنفّذ بشكل جيد، تصبح قناة اتصال مباشرة بين الدولة والمواطن. المساعدة النقدية التي تصل إلى المرأة المعيلة في قرية نائية تحمل معها رسالة واضحة: “الدولة تعرف أنك موجودة، وتهتم بأمرك، وتقف إلى جانبك”. هذا الشعور بالانتماء والاهتمام هو أغلى ما يمكن أن تقدّمه الدولة للمواطن، وهو الذي يجعله مستعداً للدفاع عن هذه الدولة والالتزام بقوانينها.
وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل حدّدت في خطّتها العديد من الفئات المستهدفة، وأكدت على أن البرامج التنفيذية ستتمّ “بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية، والمبادرات المجتمعية المحلية، والقطاع الخاص وأصحاب العمل.”
هذا النهج التشاركي يعزّز الشرعية، لأنه يُخرِج العمل الاجتماعي من الإطار البيروقراطي الضيق إلى فضاء مجتمعي واسع، تشارك فيه كل القوى الحية، مما يجعل المواطن يشعر أنه جزء من الحل، وليس مجرد متلقٍّ سلبي للمساعدة.
المحور الثالث: التحوّل الإستراتيجي من الإغاثة إلى التمكين
3-1 حدود المساعدات الإغاثية وأهمية الانتقال إلى التنمية
لقد لعبت المساعدات الإغاثية دوراً حيوياً في منع حدوث مجاعة شاملة في سوريا خلال سنوات الحرب الطويلة، ولا يمكن إنكار فضل المنظمات الإنسانية المحلية والدولية في هذا المجال. لكن الخبرة العملية الطويلة في إدارة الأزمات تعلّمنا أن بقاء المجتمعات في مرحلة الإغاثة لفترة طويلة يخلق ثقافة اتّكال وتواكل، ويقتل روح المبادرة والإنتاج. فالإنسان هنا يعتاد على تلقي المساعدة، ويفقد شيئاً فشيئاً قدرته على الاعتماد على نفسه.
من هنا، تأتي أهمية التحول الإستراتيجي الذي تحدثت عنه وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، والانتقال “من منطق الدعم إلى منطق التمكين من خلال سياسات وبرامج تدعم فرص العمل وتحسّن الدخل وتعزّز القدرة الإنتاجية للأفراد.”
هذا التحول لا يجب أن يكون مجرّد شعار، بل من اللازم أن يكون هو ضرورة حتمية لتحقيق الاستدامة. فالدولة لا يمكنها أن تظل إلى الأبد توزّع مساعدات على ملايين المحتاجين، فهذا سيشكّل عبئاً لا يطاق على ميزانيتها، وسيبقي المجتمع في حالة ركود وتبعية.
الهدف الإستراتيجي الأسمى هو تمكين المواطن ليصبح منتجاً، ومساهماً في الاقتصاد الوطني، ودافعاً للضرائب التي تموّل بدورها برامج الحماية الاجتماعية للأجيال القادمة.
رئيس اتحاد غرف الصناعة مازن ديروان أشار إلى “ما يوفّره قطاع الأعمال والصناعة من فرص عمل تسهم في تحقيق الاستقرار والتمكين المجتمعي.”
. هذا الربط بين القطاع الخاص والحماية الاجتماعية هو المفتاح.
القطاع الخاص ليس مجرد ممّول، بل هو شريك رئيسي في عملية التمكين، من خلال توفير فرص العمل، والتدريب، ودعم المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر التي يمكن أن تكون قاطرة التنمية الحقيقية.
3-2 برامج التمكين الاقتصادي مقترنة بالحماية الاجتماعية
التمكين الاقتصادي الحقيقي لا يعني فقط توزيع منح مالية صغيرة على الشباب لفتح مشاريع، بل هو حزمة متكاملة تشمل التدريب المناسب، والإرشاد والتوجيه، والتسهيلات الائتمانية، وفتح أسواق للمنتجات. هنا يمكن الاستفادة من نموذج “غرامين بنك” في بنغلاديش أو” بنك الفقراء” الذي أسسه الخبير الاقتصادي البنغالي محمد يونس، الذي استطاع عبر القروض متناهية الصغر أن ينتشل ملايين الأسر من الفقر، مع التركيز بشكل خاص على تمكين المرأة. لكن نجاح هذا النموذج كان مرتبطاً بوجود نظام دعم اجتماعي متكامل، ونظام رقابي شفّاف، وثقافة مجتمعية تشجع على العمل والإنتاج.
في السياق السوري، يمكن تصميم برامج تمكين اقتصادي تستهدف الشباب العاطلين عن العمل، والنساء المعيلات، والأسر المنتجة، على أن تكون مقترنة ببرامج حماية اجتماعية تستمرّ لفترة انتقالية، لحين تحقيق المشاريع الجديدة للاكتفاء الذاتي.
وزير النقل يعرب بدر تحدث عن “الدور الإنتاجي للقطاع، وما يحققه من مساعدة فعّالة في التمكين المجتمعي”
هذا يعني أن التمكين مفهوم شامل، يتطلّب تظافر جهود كل الوزارات والقطاعات. وزارة النقل تسهّل وصول الخدمات والمنتجات إلى الأسواق، وزارة السياحة توجّه المستثمرين لتقديم خدمة مجتمعية واستيعاب الباحثين عن عمل، وزارة الطوارئ تدرّب الأفراد على الاستجابة للكوارث .
كلها جهود متكاملة تهدف إلى بناء إنسان قادر على الصمود والإنتاج
كما أن رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال أشار إلى أن النقابات تدعم نحو مليوني عامل عبر تقديم الخدمات الصحية وإعانات صناديق التكافل الاجتماعي، وأن قيمة الإعانات المقدّمة خلال عام 2025 بلغت حوالي نصف مليون دولار
هذا يؤكّد أن التمكين لا يعني التخلي عن الحماية، بل تطويرها لتصبح أكثر ذكاء واستدامة.
المحور الرابع: الحوكمة الرقمية والاستهداف الدقيق كأساس للكفاءة والشفافية
4-1 بناء منصة بيانات وطنية للحماية الاجتماعية
أحد أكبر التحديات التي تواجه برامج الحماية الاجتماعية في العالم، وليس فقط في سوريا، هو مسألة الاستهداف. كيف نضمن وصول الدعم إلى مستحقّيه الحقيقيين؟ كيف نمنع الهدر والفساد والمحسوبية التي قد تتسرّب إلى هذه البرامج وتفقدها مصداقيتها؟ الإجابة تكمن في بناء نظام معلوماتي متكامل ودقيق.
الخطة الاستراتيجية الوطنية 2026-2028 أولت اهتماماً كبيراً لموضوع “تعزيز الحوكمة وتحديث الأداء المؤسّسي والتحوّل الرقمي”
وزير الاتصالات وتقانة المعلومات عبد السلام هيكل شدّد بدوره على “ضرورة حماية البيانات الخاصة بنظم الحماية الاجتماعية”، منوّهاً “بدور التكنولوجيا في الوصول إلى عالم أكثر عدالة وكفاءة واستدامة”
. هذا الكلام لا يجب أن يبقى نظرياً. تخيّلوا معي “منصّة بيانات وطنية” موحّدة، تربط بين وزارة الشؤون الاجتماعية، ووزارة الداخلية (لسجل المدنيين)، ووزارة المالية (لبيانات الدخل والضرائب)، ووزارة التربية (لتتبع التحاق الأطفال بالمدارس)، ووزارة الصحة (للاستفادة من الخدمات الصحية). هذه المنصّة يمكنها أن ترسم صورة متكاملة ودقيقة عن كل أسرة سورية، وتحدّد مستوى حاجتها بناء على معايير موضوعية وشفافة، وتضمن وصول الدعم إلى من يستحقّه فعلاً.
هذه ليست ضرباً من الخيال. العديد من الدول أنشأت مثل هذه القواعد البياناتية بنجاح.
الهند لديها نظام “آدهار” (Aadhaar)
الذي يربط الهوية البيومترية بملايين الخدمات الحكومية. تركيا لديها نظام متكامل لإدارة المساعدات الاجتماعية. سوريا تمتلك قاعدة بشرية متعلمة وكفاءات تقنية عالية قادرة على بناء وإدارة مثل هذه المنظومة، إذا توافرت الإرادة السياسية والدعم المالي والتقني اللازم.
4-2 كفاءة الإنفاق العام وشفافية التوزيع: مكافحة الفساد وبناء الثقة
الفساد وهدر المال العام هما عدوّا الحماية الاجتماعية اللدودان.
عندما يشعر المواطن أن المساعدات تذهب إلى غير مستحقّيها بسبب واسطة أو محسوبية، فإن ذلك لا يولّد فقط إحباطاً، بل يولّد غضباً تجاه الدولة التي تسمح بذلك. الشفافية إذن ليست مجرّد قيمة أخلاقية، بل هي شرط لنجاح أي برنامج حماية اجتماعية.
المنصّة الرقمية الوطنية التي أشرنا إليها أعلاه، يمكن أن تقدّم حلاًّ مثالياً لهذه المعضلة. عندما تكون معايير الاستهداف واضحة ومعلنة، وعملية التوزيع آلية وتخضع للمراقبة والمساءلة، يصبح من الصعب اختراقها أو التلاعب بها. المواطن يستطيع أن يتتبّع مسار المساعدة، وأن يعرف لماذا وصلت إلى فلان ولم تصل إلى علان. هذا النوع من الشفافية يبني الثقة بالمؤسسات، ويعزّز شعور المواطن بأن الدولة عادلة ونزيهة .
من جهة أخرى، فإن دقّة الاستهداف توفر موارد مالية هائلة كانت تذهب هباءً في السابق. كل ليرة سورية تصل إلى غير مستحقّها هي ليرة مسروقة من فقير حقيقي، وهي عبء إضافي على خزينة الدولة. توجيه الدعم بدقّة يعني زيادة كفاءة الإنفاق العام، وتوفير الأموال لتوسيع مظلّة الحماية الاجتماعية لتشمل مستحقّين جدد، أو لتحسين جودة الخدمات المقدّمة.
المحور الخامس: التحدّيات الواقعية التي تواجه تنفيذ الاستراتيجية
5-1 تحدّيات التمويل وضخامة الأعداد
لا يمكن الحديث عن أي خطة طموحة دون مواجهة التحدّيات الواقعية التي قد تعرقل تنفيذها. التحدّي الأول والأكبر هو التمويل. الحكومة السورية تعاني من عجز حادّ في الموازنة العامة، والموارد المحلية محدودة للغاية في ظل الظرف الراهنة وتراجع الإنتاج وانخفاض الإيرادات. وفي الوقت نفسه، فإن أعداد المحتاجين هائلة، حيث يعيش أكثر من 90% من السكان تحت خطّ الفقر كيف يمكن توفير التمويل الكافي لتغطية احتياجات هذا العدد الضخم؟
هنا يأتي دور الشراكات الدولية التي تحدّثت عنها وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، والتي تسعى الخطة إلى بنائها.
المنظمات الدولية المانحة (كالاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، والبنك الدولي، والصناديق العربية والخليجية) لديها برامج ضخمة لدعم الحماية الاجتماعية في الدول التي تمرّ بأزمات. جذب هذه التمويلات يتطلّب قدرة على تقديم خطط واضحة وقابلة للتنفيذ، وآليات رقابية شفّافة تطمئن المانحين بأن أموالهم ستذهب إلى مستحقّيها. كما أن تحويل بعض الدعم العينيّ إلى دعم نقديّ مشروط يمكن أن يكون أكثر كفاءة، ويحفّز الاقتصاد المحلّي بدلاً من الاعتماد على الواردات.
5-2 تحدّيات الدقة في قياس الفقر متعدّد الأبعاد
الفقر ليس مجرّد نقص في المال. هو ظاهرة متعدّدة الأبعاد تشمل نقص التعليم، وسوء التغذية، وعدم القدرة على الوصول للخدمات الصحية، والحرمان من المشاركة الاجتماعية. قياس الفقر بهذا المفهوم الشامل أصعب بكثير من قياسه بدخل الأسرة وحده. الخطة الإستراتيجية تحتاج إلى تطوير أدوات دقيقة لقياس الفقر متعدّد الأبعاد، وعلى الحكومة أن تأخذ في الاعتبار كل هذه العوامل
رئيس هيئة التخطيط والإحصاء أنس سليم أشار إلى أن “الحماية الاجتماعية ركيزة أساسية للتنمية المستدامة، وضمان وصول الفئات الأكثر هشاشة إلى الخدمات والاستفادة منها”
هذا الربط بين الحماية الاجتماعية والتنمية المستدامة يتطلّب وجود بيانات إحصائية دقيقة ومحدثة. الهيئة لديها دور كبير في توفير هذه البيانات، وفي بناء المؤشّرات المركبة التي تمكن من قياس الفقر بكل أبعاده، وتحديد أولويات التدخّل بشكل علمي.
5-3 التحدّيات المؤسّسية والتنسيق بين الجهات الفاعلة
التحدّي الثالث هو التحدّي المؤسّسي. العمل الاجتماعي في سوريا يتوزّع على عدة وزارات وجهات حكومية (الشؤون الاجتماعية، الصحة، التربية، التعليم العالي، المالية، الأوقاف، الهيئات المستقلة)، بالإضافة إلى منظمات المجتمع المدني المحلية والدولية، والقطاع الخاص، والنقابات. تنسيق جهود كل هذه الأطراف ليس بالأمر السهل. الخطة الإستراتيجية أكدت على “بناء شراكات حقيقية مع القطاع العام والخاص والمجتمع المدني”
وهذا صحيح، لكن الشراكة تحتاج إلى آليات واضحة للتنسيق والمتابعة والتقييم
وجود مجلس أعلى للحماية الاجتماعية، يضم جميع الفاعلين، وتكون له صلاحيات حقيقية في وضع السياسات ومتابعة تنفيذها، يمكن أن يشكّل الحلّ الأمثل لهذه المعضلة. هذا المجلس يمكن أن يضع معايير موحّدة للعمل، ويضمن عدم الازدواجية، ويقيس الأثر، ويصحّح المسار عند الحاجة. كما أن اللامركزية في التنفيذ، وإعطاء صلاحيات أكبر للمحافظات والمديريات الفرعية، يمكن أن يجعل البرامج أكثر استجابة لاحتياجات السكان المحليين.
المحور السادس: التوجّهات المستقبلية والاستفادة من النماذج العالمية
6-1 نحو إعادة الإعمار الاجتماعي: رؤية متكاملة
ما تحتاجه سوريا اليوم، هو أكثر من مجرد إعادة إعمار مادي. ما تحتاجه هو “إعادة إعمار اجتماعي” حقيقي. هذا المفهوم يعني بناء مجتمع متماسك، قائم على قيم المواطنة المتساوية والتضامن الاجتماعي، قادر على تجاوز جراح الماضي ومواجهة تحدّيات المستقبل ، العامل الأساسي هو أن تكون الحماية الاجتماعية، بمفهومها الشامل، هي الأداة المثلى لتحقيق هذا الهدف
إعادة الإعمار الاجتماعي تعني دمج جميع أبناء الشعب السوري في مشروع وطني واحد، بغضّ النظر عن خلفيّاتهم، وهي تعني تأهيل الشباب العاطلين عن العمل وتمكينهم اقتصادياً، وكذلك هي تعني رعاية الأيتام وذوي الإعاقة وكبار السن، والأهمّ من ذلك هي تعني تمكين المرأة وتعزيز دورها في المجتمع، فالمرأة هي عمود المجتمع الأساسي في كل بناء، إعادة الإعمار الاجتماعي تعني بناء نظام صحي وتعليمي قوي وعادل.
الخطّة الإستراتيجية 2026-2028 (في حال تنفيذها بالشكل الصحيح )هي تشمل كل هذه العناصر تقريباً، من خلال برامجها المتنوّعة التي تستهدف الأطفال والنساء وكبار السن وذوي الإعاقة والنازحين والعائدين والشباب الباحثين عن عمل
6-2 نماذج عالمية يمكن الاستفادة منها في السياق السوري
لإنجاح هذا المشروع الضخم، يمكن لسوريا الاستفادة من تجارب العديد من الدول التي سبقتها في هذا المجال، مع تكييف هذه التجارب بما يتناسب مع خصوصية السياق السوري.
أولاً: النموذج الاسكندنافي (السويد، النرويج، الدنمارك) يقدّم نموذجاً متقدّماً لدولة الرفاه، حيث تكون الحماية الاجتماعية حقاً لكل مواطن، وتموّل من خلال ضرائب تصاعدية عادلة. هذا النموذج يؤكّد أن الحماية الاجتماعية القوية ليست عبئاً على الاقتصاد، بل هي استثمار في رأس المال البشري الذي يقود النمو الاقتصادي. لكن تطبيق هذا النموذج يتطلب إرادة سياسية قوية، ووعياً مجتمعياً عالياً، واقتصاداً منتجاً قادراً على تمويل هذه البرامج.
ثانياً: النموذج البرازيلي (برنامج بولزا فاميليا) الذي سبق ذكره، يقدّم دروساً مهمّة في ربط المساعدات النقدية بالتزامات على الأسر في مجالَي الصحة والتعليم، مما يضمن كسر حلقة الفقر عبر الأجيال، هذا النموذج يمكن تطبيقه بسهولة نسبية في سوريا، خاصة إذا تمّ ربطه بجهود مكافحة التسرّب المدرسي وسوء التغذية.
ثالثاً: النموذج التركي في إدارة الهجرة وتقديم الخدمات للاجئين والمجتمعات المضيفة يقدّم دروساً مهمة في المرونة والقدرة على التكيف مع الأزمات المفاجئة. تركيا أنشأت نظاماً متطوراً لإدارة المساعدات الاجتماعية للاجئين السوريين، بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي والمنظمات الدولية، وهذا النظام يمكن أن يشكّل نواة لتطوير نظام وطني أوسع.
رابعاً: النموذج الرواندي في المصالحة المجتمعية وبناء الدولة بعد الإبادة الجماعية، يقدّم دروساً مهمّة في كيفية تجاوز الانقسامات العميقة وبناء هوية وطنية جامعة. رواندا استخدمت برامج الحماية الاجتماعية والتنمية المحلية كأدوات لإعادة بناء الثقة والمصالحة، وهذا تحديداً ما تحتاجه سوريا اليوم.
خامساً: النموذج الأردني في بناء قاعدة بيانات وطنية موحّدة (نظام نافذة) يقدّم مثالاً عملياً على كيفية استخدام التكنولوجيا لتحقيق الشفافية والكفاءة في توزيع المساعدات، وكيف يمكن لهذه الشفافية أن تبني الثقة بين المواطن والدولة.
خاتمة: الحماية الاجتماعية كاستثمار وطني لا غنى عنه
في نهاية هذا التحليل، أودّ التأكيد على فكرة قد تبدو بديهية للبعض، لكنها غالباً ما تُنسى في خضم الانشغال بالتفاصيل اليومية:
ا”لاستثمار في الإنسان السوري هو أغلى وأهمّ استثمار يمكن أن تقوم به الدولة”
كل ليرة تنفق على تعليم طفل، أو على رعاية صحيحة لأمّ، أو على تأهيل شابّ عاطل عن العمل، أو على حماية مسنّ، هي ليرة تبني مستقبل هذا البلد
الحماية الاجتماعية ليست صدقة ولا فضلاً من الدولة على المواطنين، بل هي حقّ من حقوق المواطنة الأساسية، وهي واجب على الدولة القوية والعادلة.، وهي الأداة التي تمكّن الدولة من الوصول إلى كل مواطن، في كل قرية ومدينة، وتؤكّد له أنه جزء لا يتجزأ من هذا الوطن، الحماية الاجتماعية هي شبكة الأمان التي تمنع المجتمع من الانهيار تحت وطأة الأزمات. وهي المحرّك الذي يدفع عجلة التنمية والتمكين والإنتاج.
الخطة الإستراتيجية الوطنية 2026-2028 التي أطلقتها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل قبل أيّام ، تمثّل خطوة مهمّة في الاتجاه الصحيح، ويجب علينا جميعاً ( المواطنون السوريون بكل أطيافهم ) ، المساهمة في نجاح هذه الخطة لأنها بكل بساطة هي حماية للمجتمع وضمان وهي تعكس فهماً عميقاً للتحديات، ورؤية واضحة للحلول، وإرادة حقيقية للانتقال من منطق الإغاثة المؤقّتة إلى منطق التمكين المستدام. لكن الخطة تبقى مجرد حبر على ورق، ما لم تترجم إلى أفعال ملموسة على الأرض. ما لم تتحوّل إلى برامج تنفيذية تراقب وتقيم وتصحح مسارها باستمرار. وما لم تجد الدعم المالي والسياسي والمجتمعي الكافي لتنفيذها .
المهمة ليست سهلة، والعقبات كبيرة. لكن البديل هو الاستمرار في دوامة الفقر والهشاشة وعدم الاستقرار، وهو ما لا يمكن أن تقبله دولة تسعى لبناء مستقبل أفضل لشعبها. الحماية الاجتماعية، إذا أُحسن تصميمها وتنفيذها، يمكنها أن تكون الجسر الذي تعبر عليه سوريا من حالة الانهيار إلى حالة البناء، ومن منطق الصراع إلى منطق التشارك، ومن ثقافة الاتّكال إلى ثقافة الإنتاج والتمكين. وبهذا، تصبح حقاً الأداة الأقوى لتعزيز وجود الدولة السورية الجديدة، وترسيخ شرعيّتها، وبناء مستقبل أكثر إشراقاً لجميع أبنائها.
- باحث وكاتب سوري
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- المراجع والمصادر
1-وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل. (2026، 8 آذار). إطلاق الخطة الاستراتيجية الوطنية (2026-2028). صفحة وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل على فيسبوك. استرجع في 12 آذار 2026، من رابط المصدر
2- الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا). (2026، 8 آذار). الشؤون الاجتماعية والعمل في سوريا تطلق خطتها الاستراتيجية (2026 – 2028). استرجع في 12 آذار 2026، من https://sana.sy/locals/2421401/
3- وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في سورية. (2026، 8 آذار). منشور حول الخطة الإستراتيجية للوزارة. صفحة الوزارة على فيسبوك. استرجع في 12 آذار 2026، من رابط المصدر
Yalla Syria News4- .
(2026، 8 آذار). وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل السورية تطلق خطة استراتيجية طموحة لتعزيز الحماية الاجتماعية والتمكين الاقتصادي حتى 2028. استرجع في 12 آذار 2026، من https://yallasyrianews.com/a/100878
5- وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في سورية. (2026، 8 آذار). نحو منظومة حماية اجتماعية أكثر عدالة وكفاءة واستدامة. صفحة الوزارة على فيسبوك. استرجع في 12 آذار 2026، من رابط المصدر
6- صحيفة الوطن. (2026، 9 آذار). استراتيجية “الشؤون الاجتماعية” لدعم فرص العمل وتحسين الدخل. استرجع في 12 آذار 2026، من https://2u.pw/e9awaa
7- الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا). (2026، 8 آذار). منشور حول تصريح وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل. صفحة سانا على فيسبوك. استرجع في 12 آذار 2026، من رابط المصدر
Syria Morse.8-
(2026، 9 آذار). تستمر حتى 2028.. “الشؤون الاجتماعية والعمل” تعلن عن
https://2u.pw/zPfoGFخطتها الوطنية لتعزيز الخدمات. استرجع في 12 آذار 2026، من
9- نبض. (2026، 8 آذار). خطة استراتيجية جديدة للشؤون الاجتماعية في سوريا لتعزيز الحماية الاجتماعية. استرجع في 12 آذار 2026، من https://nabd.com/s/169205768-782874
10- وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في سورية. (2026، 8 آذار). كلمة وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل في فعالية إطلاق إستراتيجية الوزارة. صفحة الوزارة على فيسبوك. استرجع في 12 آذار 2026، من رابط المصدر
تقرير حول الفقر في سوريا. (كما ورد في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. (2025، شباط). ).


























