ملخص
إزاء هذه التوترات الأمنية الحاصلة في الجنوب السوري، لن تكون محافظة السويداء بمنأى عن نار الحرب الإيرانية على الأرض، على رغم أنها تراقب مرور الصواريخ والمسيرات الإيرانية والطائرات الإسرائيلية وصواريخها الاعتراضية جواً.
فتحت الغارات الجوية الإسرائيلية قبل أيام على مواقع عسكرية حكومية في الجنوب السوري، الباب أمام تكهنات تنطوي على “استفزاز” متعمد للعاصمة دمشق، في توقيت شديد الحساسية تمر بها المنطقة بأسرها جراء عملية “زئير الأسد” الإسرائيلية، وبشراكة أميركية في مواجهة النظام الإيراني. وتوحي تلك الهجمات بسعي تل أبيب إلى خلط الأوراق واستخدام القوة العسكرية السورية كأداة لضرب “حزب الله” اللبناني وسلاحه بأكمله، لا سيما وأن العملية التي أعلنتها قد تمتد لوقت أطول.
ضبط الحدود
وفي مفاجأة صادمة للشارع السوري، صباح الجمعة الـ20 من مارس (آذار) الجاري، أول أيام العيد، أغار سلاح الجو الإسرائيلي على مواقع عسكرية في الجنوب السوري مستهدفاً بنى تحتية، منها مقرات للجيش ومستودعات أسلحة في رسالة يربطها مراقبون بمجريات أحداث الحرب الإيرانية الدائرة التي اندلعت أواخر فبراير (شباط) الماضي، وتأتي بالتزامن مع إصرار دمشق على التزام الحياد وعدم دخول الحرب أو التوغل شرق لبنان لتتبع “حزب الله”.
وكانت الحدود السورية ـ اللبنانية شهدت تحشيداً عسكرياً واسعاً وتحركات غير مسبوقة أخيراً، لا سيما في مناطق القلمون الغربي ومنطقة القصير عبر إرسال آليات ومدرعات واستحداث نقاط تفتيش جديدة.
وتفيد المعلومات الواردة بنيّة الحكومة السورية ضبط الحدود لمنع تسلل أي عناصر من قوات الحزب اللبناني الموالي لطهران، وبخاصة الحديث عن معلومات استخباراتية تناقلتها وسائل إعلام في أبيب ترجح تسلل “حزب الله” إلى داخل أراضي الجنوب السوري القريبة من الجولان، واستخدامها كمنصات لإطلاق الصواريخ.
السويداء من جديد
في غضون ذلك، تشهد محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية توترات أمنية غير مسبوقة، أعادت للذاكرة حوادث تمهيدية فجّرت أحداث يوليو (تموز) الدامية، وأفادت المعلومات الأولية بمقتل مدنيين في مكمن نصب لمركبة في ريف السويداء الجنوبي الغربي، بينما أصدر “الحرس الوطني” في السويداء، (فصيل خارج سيطرة الدولة)، بياناً اتهم فيه قوات الأمن الداخلي بقتل شابين أثناء عملهما بأرضهما الزراعية.
إلى ذلك تطرق رئيس “الحزب السوري الحر”، فهد المصري، خلال حديثه عن محاولات عدة لإعادة تشكيل بيئة الصراع في الجنوب السوري، عن احتمال دفع دمشق إلى خيارات أكثر انخراطاً في المواجهة الإقليمية، لكن وفق رأيه، فإن “القراءة الواقعية تشير إلى تعامل صانع القرار السوري مع هذه التطورات بدرجة عالية من الحذر”.
ويعتقد المصري في تصريح خاص أن “سوريا ليست بوارد الانخراط بمواجهة خارجية مفتوحة من دون حسابات دقيقة تتعلق بالمصالح الوطنية المباشرة، أو بالحصول على ضمانات دولية واضحة، سواء على المستوى الأمني أو السياسي أو الاقتصادي”.
وتابع قائلاً “يمكن فهم هذه التحركات العسكرية السورية على الحدود، خصوصاً في الاتجاه اللبناني، بإطار ضبط أمن الحدود والأمن الوطني ومنع انتقال الفوضى، أكثر من كونها مؤشراً على نية الانخراط في الحرب. فالتجربة السابقة علّمت الدولة السورية أن الانفتاح غير المحسوب على صراعات الآخرين قد يرتد عليها بأثمان باهظة”.
وفي ما يتعلق بأحداث السويداء، يقرأ رئيس “الحزب السوري الحر” تلك المستجدات، لا سيما التصعيد الحاصل في هذه المنطقة، كونها لا تخدم بالضرورة الاستقرار، بل قد تعقّد فرص الوصول إلى تفاهمات أمنية أوسع، ومن ثم ستعطي دمشق أولوية لإعادة تثبيت سيادتها الكاملة على أراضيها، ومعالجة حدوث اختلالات داخلية قبل التفكير في أي دور خارجي.
الجنوب ويد على الزناد
إزاء هذه التوترات الأمنية الحاصلة في الجنوب السوري، لن تكون محافظة السويداء (تبعد 100 كيلومتر عن العاصمة دمشق) بمنأى عن نار الحرب الإيرانية على الأرض، على رغم أنها تراقب مرور الصواريخ والمسيرات الإيرانية والطائرات الإسرائيلية وصواريخها الاعتراضية جواً. لهذا سارع شيخ العقل في الطائفة الدرزية في محافظة السويداء، حكمت الهجري، إلى تحديد موقفه من النظام الإيراني وهاجم دوره الذي وصفه بـ”التخريبي لأمن المنطقة واستقرارها”.
وقال في كلمة تلفزيونية أطل بها مهاجماً النظام في طهران “خرّب استقرار المنطقة، وتسبب بضرر لشعبه قبل الآخرين، فبدلاً من أن يسخر خيرات بلاده للتقدم والحضارة، ذهب بها إلى الانغلاق وعدم قبول الآخر والعداء الإقليمي وزعزعة أمن واستقرار الشعوب الآمنة. وكان لنا في جبل باشان نصيب كبير من الأضرار في حقبة النظام السابق بسبب السياسات الممنهجة التي ربطت التنمية الاقتصادية ولقمة العيش بالتبعية الأيديولوجية والتدخلات بالعقد الأخير”.
دمشق على خط النار
وثمة تبعات لانجرار دمشق إلى حرب طهران، وما تحمله من أخطار استراتيجية في مقدمتها التحديات العسكرية المباشرة، لا سيما في ظل انعدام أو محدودية منظومات الدفاع الجوي، بعد أعوام من الاستنزاف وتدمير إسرائيل ما تبقى من قدرات دفاعية للدولة السورية مع سقوط الأسد في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024 ولجوئه إلى العاصمة الروسية موسكو.
ومنذ ذلك الوقت، اصطدم العهد الجديد في دمشق الذي اعتلى حكم البلاد مع تيارات دينية ووجهاء السويداء الذين طالبوا بمشاركة حقيقية للدروز بالحكم، ودستور عصري للبلاد يجمع السوريين. في حين اتهمت الحكومة الفصائل المسلحة التابعة لشيخ العقل حكمت الهجري، بـ”تمرير أجندات انفصالية والخروج عن القانون”.
وكان الاحتقان في الجنوب السوري بين البدو والدروز أسفر عن أحداث يوليو الدامية عام 2025، وكشفت لجنة تقصي الحقائق تعرض ما لا يقل عن 36 قرية في السويداء للحرق وطاول التخريب منازل ومواقع ودور عبادة درزية وكنائس نفذتها مجموعات مسلحة بدافع الانتقام، سرعان ما استغلته تل أبيب وقصفت مقرات قيادية منها هيئة الأركان التابعة لوزارة الدفاع، وحذرت من المساس بالسويداء.
ومع هذا كله، يجزم رئيس “الحزب السوري الحر” بأن السلطات السورية تدرك أن دخولها في مواجهة إقليمية واسعة قد يترتب عليه تعرّضها لهجمات صاروخية، أو عبر الطائرات المسيّرة من أطراف عدة، سواء من إيران أو من قوى حليفة لها في الإقليم، وهو ما يفرض معادلة ردع معقدة لا يمكن التعامل معها بالإمكانات الحالية.
وأردف “في حال اتخاذ قرار الحرب، فلا بد حينها أن تترافق مع ترتيبات تشمل القدرات الدفاعية للدولة السورية، والحصول على تفويض دولي وضمانات أمنية حقيقية، هذا إلى جانب ضرورة التيقن إلى المقابل السياسي والاقتصادي الذي يفترض أن ينسجم مع المصالح الوطنية السورية”.
وبعبارة أخرى “دمشق تنظر إلى هذا الملف من زاوية الكلفة والعائد”، وفق رأي المصري، وتدرك أن “الانخراط في صراع بهذا الحجم لا يمكن أن يكون خطوة تكتيكية، بل سيكون قراراً استراتيجياً ذا تبعات طويلة الأمد على الدولة ومؤسساتها واستقرارها الداخلي”.
وليس خافياً في الوقت ذاته المشهد الإقليمي الذي يلحظ تحولات عميقة ومتسارعة، تضع المنطقة أمام احتمالات عدة، تراوح ما بين الاحتواء المرحلي والتصعيد الواسع. ومن هذا المنطلق، فإن أي انخراط سوري مباشر في الحرب لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الأوسع لإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، بحسب رأيه.
ويرجح في الوقت ذاته انضمام قوى إقليمية ودولية إضافية للحرب، بما فيها دول مثل تركيا وباكستان، فضلاً عن احتمالات احتكاك عسكري مباشر بين روسيا وأوروبا، وهو ما يرفع منسوب الأخطار إلى مستويات غير مسبوقة.
كذلك لا يستبعد المصري “تنفيذ الولايات المتحدة إنزالاً عسكرياً برياً في إيران بهدف السيطرة على جزر قشم وطرد طهران من الجزر الإماراتية الثلاث، وبسط نفوذ أميركي على سواحل إيران المطلة على الخليج العربي للسيطرة على مضيق هرمز وأيضاً على جزيرة خارك، قاعدة صادرات النفط الإيراني، إلى جانب الاستحواذ على منابع الطاقة في الأحواز، بالإضافة طبعاً إلى الاستيلاء على الأسلحة الاستراتيجية الإيرانية والبرنامج النووي واليورانيوم المخصب”.
- إندبندنت



























