لنا أن ننطق بلسان الحال لنقول: لا يكمن أخطر ما قيل في وصف اعتصام باب توما بأنه “اعتصام بصبغة طائفية”، وإنما في أن ذلك قيل بسهولة، من دون أن يكلّف أحد نفسه عناء التبصّر في خطورة ما قيل، وفي تبعات هذا التصنيف والفرز التي ثار الشعب السوري يوماً عليها. ولعل هذه السهولة تكشف أكثر مما تُخفي؛ فهي، من جهة، تكشف هشاشة اللغة التي نصف بها أنفسنا حين نرى الناس في الشارع، ومن جهة أخرى تكشف كم أصبح المجال العام في سوريا ضيقاً إلى درجة أن أي تمظهر له يبدو شاذاً أو مريباً أو مؤطَّراً مسبقاً.
ما جرى في باب توما لم يستوقفنا لأنه حدث عادي، ولا لأنه حدث كبير في ذاته، بل لأنه كسر قاعدة الصمت. في بلد ما زال يعيش مرحلة انتقالية، لم تُفعَّل فيه المؤسسات التمثيلية على نحو مكتمل، ولم تكتمل قنوات التمثيل الرسمية المرعية دستورياً، يصبح الشارع—حتى لو كان محدوداً ومحلياً—بديلاً مؤقتاً عن السياسة المؤسسية. وهنا تبدأ القصة: ليس باعتصام يُنعت بكلام لا يتصل بالواقع، ومجحف بحق كثر ممن خرجوا، بأنه اعتصام “مسيحي”، ولا بأنه “مدني” بالمطلق، بل بوصفه—والحق يُقال—محاولة أولى، مرتبكة، للخروج من الخاص إلى العام.
هل يولد المجال العام السوري من جرح غائر؟
يُسجَّل أن يورغن هابرماس (1929–2026)، الفيلسوف الألماني الذي رحل عنا مؤخراً، قد صاغ تعريفاً كلاسيكياً للمجال العام، بوصفه الفضاء الذي يلتقي فيه الأفراد كمواطنين، لا كجماعات مغلقة، ليناقشوا الشأن العام ويؤثروا فيه. غير أن هذا التعريف يفترض شروطاً شبه مستقرة، منها: وجود مؤسسات فاعلة، إعلام حقيقي، قانون نافذ، وأمان نسبي يتمتع به المجتمع ويشكّل رافعة لأي فعل سياسي.
أما في الحالة السورية، فنحن أمام شيء مختلف يمكن توصيفه بـ”مجال عام جنيني”، له خصوصية كونه يولد من “نقطة ألم” لا من فكرة مجردة. يبدأ من قرار إداري يمس حيّاً من أحياء أقدم عاصمة مأهولة، لا بالعمران فقط، بل بالفعل الإنساني الممتد لآلاف السنين. ويتغذى هذا الألم من خدمات مفقودة، أو حريات شخصية مقيّدة، أي أنه يبدأ من الخاص لا من العام. وهذه ليست مشكلة بحد ذاتها، بل هي القاعدة التي وسمت تجارب التحول كافة. لكن المشكلة تظهر لاحقاً في سؤال جوهري: هل يبقى هذا الألم محلياً، أم يُترجم إلى لغة عامة؟
ولا يقودنا هذا النقاش إلا إلى مواجهة السؤال الذي أصبح قدراً ماثلاً أمامنا: كيف ننطلق نحو مجال عام يجمعنا؟ فالمسألة ليست إن كنت أؤيد شرب الكحول أو أرفضه، بل إن كنت أقبل أن تتحول قناعتي الشخصية إلى قاعدة تُفرض على الجميع. فالدفاع هنا لا يتجه إلى الفعل بحد ذاته، بل إلى المبدأ الذي ينظم العيش المشترك: أن تُدار حياة الناس بقانون عام، لا بذوق فئة، أياً كانت. بهذا المعنى، يمكن للإنسان أن يرفض الشيء لنفسه أخلاقياً، وأن يرفض في الوقت ذاته أن يُدار المجتمع بمنطق المنع الانتقائي، لأن ما يُمنع اليوم باسم الأخلاق قد يُمنع غداً باسم آخر ويطوله هو نفسه. وهنا تبرز الفكرة الكلاسيكية لدى جون لوك عن التسامح: الدولة لا تُدير خلاص الناس، بل تُدير تعايشهم؛ أي إنها لا تفرض الفضيلة، بل تضع الإطار الذي يسمح للناس أن يختلفوا من دون أن يُقصي بعضهم بعضاً. وهكذا يتحول النقاش من جدل حول الكحول إلى سؤال أعمق: من يملك حق تعريف المجال العام؟ وكيف نحمي هذا الحق بحيث يبقى متسعاً لاختلافنا من دون أن يتحول إلى أداة إقصاء؟
المسألة ليست إن كنت أؤيد شرب الكحول أو أرفضه، بل إن كنت أقبل أن تتحول قناعتي الشخصية إلى قاعدة تُفرض على الجميع.
من باب توما إلى السؤال الصعب: هل أدافع عن قضية لا تعنيني؟
لا يُقاس نجاح المجال العام بعدد المشاركين، بل بنوعية التضامن. فلو افترضنا أن شخصاً لا يشرب الكحول دافع عن حق غيره في شربه، فإن هذا الفعل لا يكون موقفاً أخلاقياً فقط، بل قفزة سياسية تعكس نضجاً اجتماعياً يحدّ من الخوف المتبادل بين الناس. هنا نكون قد انتقلنا من “ذوق شخصي” إلى “مبدأ عام”. وهذه ليست طوباوية، بل خطوة أولى نحو مجتمع متماسك رغم اختلاف مكوناته.
عند هذه النقطة يبدأ المجال العام بالنضج. حين يدرك الناس أن القضية ليست “كحولاً” بل من يملك حق تحديد أسلوب الحياة، يتحول النزاع من خلاف محلي إلى نقاش تأسيسي حول الحرية والقانون. غير أن ما جرى في باب توما أظهر أن هذه القفزة لم تكتمل بعد، ليس لأن الناس رفضوها، بل لأن شروطها لم تنضج: الخوف، ضعف التنظيم، وغياب تقاليد التضامن العابر.
الدولة… حامية أم مُطوِّقة؟
من المفارقات الدالة أن التجمع لم يُقمع، بل حُمِي. ظاهرياً، يبدو ذلك مؤشراً إيجابياً على الاعتراف بحق الاحتجاج. لكن سياسياً، الصورة أكثر تعقيداً؛ فحين تسمح الدولة باحتجاج محلي وتحميه، فإنها قد تفتح نافذة تقول إن الشارع لم يعد محرّماً بالكامل، لكنها في الوقت ذاته قد ترسم سقفاً له: الاحتجاج مسموح ما دام محصوراً جغرافياً وخطابياً.
بهذا المعنى، لا تكون الحماية مجرد حماية للأفراد، بل احتواءً للحدث ضمن إطاره المحلي، ليبقى “شأناً خاصاً” لا قضية عامة.
هل كان الاعتصام مسيحياً؟
الإجابة الأدق أن السؤال نفسه يكشف الفخ. فالحراك وُضع في هذا القالب. المحرك كان مكانياً وحقوقياً، لكن السياق العام هو من حمّله دلالات طائفية. والأهم أن داخل الاعتصام ذاته كان هناك صراع بين خطاب هوياتي وآخر حقوقي. وهنا تكمن قيمة الحدث: في هذا التوتر، لا في نتيجته.
إذا فتح حراك باب توما نافذة، فالسؤال: هل ستبقى منفردة أم تتحول إلى مسار؟ المستقبل قد يشهد استمرار الاحتجاجات المحلية، لكن الحسم سيكون بقدرتها على التواصل تحت مظلة وطنية جامعة.
ابن خلدون في دمشق: من عصبية الحارة إلى عصبية المدينة
يمكن قراءة ما جرى بوصفه تعبيراً عن “عصبية” محلية؛ تضامن يقوم على القرب والثقة، لكنه محدود. والتحدي يكمن في انتقال هذه العصبية إلى مستوى أوسع، حيث يرى الفرد أن ما يحدث في حي آخر قد يمسه أيضاً. عندها فقط تتحول العصبية إلى مواطنة.
بين الشللية والمبالغة في التضامن
الرهان على “الاحتجاج المثالي” وهم، كما أن تضخيم أي حراك منذ بدايته وهم آخر. بين هذين الحدين يولد المجال العام: بالتجربة، وبالتعثر، وبالصراع على المعنى.
في معنى الحراك الوطني الجامع
إذا فتح حراك باب توما نافذة، فالسؤال: هل ستبقى منفردة أم تتحول إلى مسار؟ المستقبل قد يشهد استمرار الاحتجاجات المحلية، لكن الحسم سيكون بقدرتها على التواصل تحت مظلة وطنية جامعة.
خاتمة
لم يكن الخطأ أن الناس خرجت من باب توما، بل أن يُطلب منها أن تخرج بلا قضية. فالمجال العام لا يولد نقياً، بل يُنقّى، ولا يبدأ وطنياً، بل يصبح كذلك. وما حدث لم يكن “اعتصاماً مسيحياً”، بل محاولة مواطنة في بيئة دفعت طويلاً نحو التصنيف الضيق. وقيمته ليست في شعاراته، بل في كونه أعاد طرح فكرة بسيطة وخطيرة: أن الشارع ما زال ممكناً.
ومما سبق، يبرز السؤال البنيوي: ليس إن كنت أؤيد شرب الكحول أو أرفضه، بل إن كنت أقبل أن تتحول قناعتي إلى قاعدة عامة. فالدفاع هنا هو عن مبدأ إدارة الاختلاف، لا عن الفعل ذاته. وهنا تتجلى فكرة جون لوك: الدولة لا تُدير خلاص الناس، بل تُدير تعايشهم. أي إنها لا تفرض الفضيلة، بل تضمن إطاراً يسمح بالاختلاف دون إقصاء. وهكذا نعود إلى السؤال الأعمق: من يملك تعريف المجال العام؟ وكيف نحميه ليبقى متسعاً للجميع؟
- تلفزيون سوريا






















