لا يكتفي تقرير اللجنة بتوصيف ما جرى، بل يوجه دعوة واضحة إلى المساءلة الشاملة، واتخاذ ضمانات ملموسة لمنع التكرار، وبناء الثقة بين المجتمعات المحلية، ومكافحة التحريض وخطاب الكراهية.
أصدرت لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالجمهورية العربية السورية تقريرًا جديدًا عن أعمال العنف التي اجتاحت محافظة السويداء في تموز/يوليو 2025، كاشفًا عن مشهد مركب جمع بين القرار العسكري المركزي، والتعبئة العشائرية/القبلية، والانهيار الميداني السريع الذي انتهى إلى مقتل أكثر من 1700 شخص ونزوح نحو 200 ألف من سكان المحافظة.
واستند التقرير إلى 409 شهادات مباشرة من ناجين وشهود، فضلًا عن زيارات ميدانية إلى المناطق المتضررة، بعد أن سمحت الحكومة السورية بدخول فريق اللجنة. وتقول اللجنة إنها عاينت دمارًا واسعًا، خصوصًا في القرى الدرزية، حيث أُحرقت أعداد كبيرة من المنازل والمحلات ودور العبادة، في واحدة من أكثر موجات العنف التي شهدتها المحافظة منذ سنوات.
وقال رئيس اللجنة، الدبلوماسي البرازيلي باولو سيرجيو بينهيرو، إن «حجم ووحشية أعمال العنف والانتهاكات الموثقة في السويداء أمر مقلق للغاية»، مشددًا على الحاجة إلى «جهود موسعة لمحاسبة جميع الجناة، بغض النظر عن انتماءاتهم أو رتبهم، من أجل إعادة بناء الثقة بين المجتمعات المتضررة، إلى جانب إجراء حوار صادق لمعالجة الأسباب الجذرية».
ومن بين أبرز ما يكشفه التقرير أن وزارتي الداخلية والدفاع السورية شرعتا في إنشاء غرفة عمليات مشتركة، بإشراف قائد قوات الأمن الداخلي في السويداء حينذاك، مع نشر ما يقارب أربعة آلاف عنصر في نهاية المطاف.
ويشير التقرير إلى أن هذا الترتيب لم يكن مجرد تدبير أمني طارئ، بل بدا أقرب إلى هيكل عملياتي منظم لإدارة التدخل العسكري في المحافظة، خصوصًا مع ما أعقبه من تحرك واسع للقوات الحكومية من عدة محاور، بالتوازي مع مشاركة مقاتلين عشائريين.
وحول الساعات الأخيرة قبل انطلاق الهجوم، أشار التقرير إلى أن وفدًا من وزارتي الداخلية والدفاع، بقيادة قائد العمليات في قوات الأمن الداخلي، عقد اجتماعًا في قرية المزرعة في 14 تموز/يوليو مع كبار قادة القوات الحكومية وعدد من القادة الدروز، بهدف «تمهيد الطريق لدخول القوات الحكومية بأقل قدر من العنف». لكن الاجتماع أخفق عمليًا، إذ لم يحضر من المدعوين سوى صاحب دار الضيافة، فيما تحققت اللجنة من إجراء اتصالات هاتفية تلك الليلة، بينها اتصال مع الشيخ حكمت الهجري.
ويقرأ التقرير هذا الفشل بوصفه مؤشرًا على عمق الفجوة بين دمشق والقيادات المحلية، وعلى أن نافذة التفاهم السياسي كانت تضيق سريعًا لحساب الخيار العسكري.
المقاتلون القبليون
مع تحرك الأرتال الحكومية الكبيرة نحو السويداء في 14 تموز/يوليو، كانت مجموعات من المقاتلين القبليين تعمل بالتوازي معها. وقد واجهت هذه القوات مقاومة مسلحة من المجلس العسكري في السويداء وفصائل محلية أخرى، على الطريق الممتد من بصرى الحرير في درعا نحو السويداء.
وبحسب التقرير، قُتل 16 جنديًا وخمسة من عناصر قوات الأمن الداخلي، بينما أُسر ما لا يقل عن خمسة آخرين وظهروا في تسجيلات مصورة تعرضوا فيها للضرب والصفع وقص الشعر بقصد الإذلال.
لاحقًا، تعرضت أرتال القوات الحكومية لعدة غارات جوية إسرائيلية قرب بلدتي كنّاكر والمزرعة، إضافة إلى استهداف مقر اللواء 12 السابق في درعا، ما ألحق خسائر إضافية بالقوات المتقدمة.
ويقول التقرير إن التدخل العسكري الإسرائيلي لم يقتصر أثره على إيقاع القتلى والجرحى، بل ساهم أيضًا في تعقيد المشهد السياسي والأمني، وتأجيج اتهامات الخيانة، وزيادة التحريض الإلكتروني والكراهية، على نحو عمّق الانقسام داخل المجتمع المحلي.
في 15 تموز/يوليو، وصلت القوات الحكومية والمقاتلون القبليون المرافقون لها إلى مدينة السويداء، ودخلت الوحدات الحكومية، بما فيها المدرعات، من عدة محاور حتى بلغت دوار عمران في الصباح، حسب الفقرة 34 من التقرير.
وفي تلك اللحظة، بدا أن تفاهمًا ما لا يزال ممكنًا، إذ رحّب الشيخ حكمت الهجري في البداية بدخول القوات الحكومية، ودعا الفصائل المحلية إلى عدم المقاومة، فيما أعلن وزير الدفاع اللواء مرهف أبو قصرة وقفًا كاملًا لإطلاق النار بعد اتفاق مع وجهاء المدينة وشيوخها.
إلا أن قرار وقف النار لم يصمد طويلًا، فمع دخول القوات الحكومية إلى جانب المقاتلين العشائريين، تراجع الهجري عن موقفه، داعيًا إلى المقاومة المسلحة ومطالبًا بحماية دولية. ويشير التقرير ضمنيًا إلى أن موقف الهجري لم يتبدل سياسيًا بقدر ما يعكس انهيار الاتفاق على الأرض.
في ذلك السياق، استؤنف القصف، بما في ذلك استهداف أحياء مدنية، بينما أدت الغارات الجوية الإسرائيلية المتجددة، التي قيل إنها تستهدف حماية الدروز، إلى إلحاق خسائر كبيرة بالقوات الحكومية في مدينة السويداء. وانقطعت الكهرباء والاتصالات خلال العمليات، ما أعاق تواصل المدنيين وأثر على وصولهم إلى الخدمات الأساسية.
وبحلول مساء ذلك اليوم، كانت الأحياء الغربية والوسطى من المدينة قد سقطت تحت سيطرة القوات الحكومية، وسط حرائق وعمليات نهب واسعة، فيما وصفه التقرير بذروة الهجوم الحكومي.
وخلال ليلة 15–16 تموز/يوليو، استعادت فصائل محلية بعض الأحياء، لكن القوات الحكومية والمقاتلين القبليين أعادوا السيطرة صباح 16 تموز/يوليو.
موجة أولى من العنف المنظم
ويعتبر التقرير أن الفترة الممتدة بين 14 و16 تموز/يوليو شهدت «الموجة الأولى الكبرى من العنف ضد المدنيين»، حيث شارك العديد من أفراد القوات الحكومية، إلى جانب المقاتلين القبليين، في انتهاكات ضد السكان المدنيين، أو لم يتدخلوا لوقفها.
وتشمل هذه الانتهاكات، بحسب اللجنة: القتل الواسع، والهجمات المباشرة ضد المدنيين، والاعتقال التعسفي والخطف، والتعذيب وسوء المعاملة، والنهب، والعنف الجنسي، والإهانات الطائفية، والهجمات على المباني الدينية.
استهداف على أساس الهوية
ومن أخطر ما يورده التقرير أن عمليات القتل والإعدام الميداني اتبعت في كثير من الحالات نمطًا قائمًا على النوع الاجتماعي والهوية الطائفية؛ إذ جرى فصل الرجال والفتيان الأكبر سنًا عن النساء والفتيات والأطفال الأصغر سنًا، ثم قتل العديد من الرجال بعد تجريدهم من ممتلكاتهم وإهانتهم على أساس ديني.
كما وثّقت اللجنة قتل مدنيين داخل منازلهم، أو في الشوارع، أو أمام أفراد أسرهم، إلى جانب أعمال تعذيب واحتجاز تعسفي ونهب واسع. وتشير إلى أن بعض الضحايا أُجبروا على مشاهدة قتل أقاربهم، فيما استخدمت عبارات طائفية مهينة أثناء تنفيذ الجرائم.
وتشير الفقرة 65 إلى أنه في حالتين على الأقل قُتل الضحايا بالسكاكين أو السيوف. وفي إحدى القضايا التي حظيت بتغطية واسعة، أُجبر ثلاثة شبان على القفز من شرفة بينما كان يُطلق النار عليهم، ولم يكن واضحًا ما إذا كان إطلاق النار أم السقوط هو السبب المباشر لوفاتهم. وفي قضية بارزة أخرى، أُجبر ثمانية رجال على السير إلى ساحة قريبة، وهم لا يزالون يرتدون ملابس النوم، وكان أحدهم على الأقل حافي القدمين، حيث صُفّوا في خط وأُطلق النار عليهم من مسافة قريبة.
والجدير بالذكر أن الحادثتين الأخيرتين جرى تبريرهما من قبل ناشطين مقربين من الحكومة السورية على اعتبار أن حادثة القفز من الشرفة جرت في اللاذقية ضد مقاتلين من فلول النظام السابق، في حين اتُّهم المقاتلون الدروز بجرم تصفية الرجال في الساحة المذكورة.
ثلاث موجات
ويضع التقرير أحداث تموز/يوليو ضمن ثلاث موجات متداخلة من العنف: الأولى استهدفت المدنيين الدروز على يد القوات الحكومية ومقاتلين قبليين مرافقين لها، والثانية استهدفت المدنيين البدو على يد جماعات مسلحة درزية بعد انسحاب القوات الحكومية، أما الثالثة فتمثلت في هجمات انتقامية نفذها مقاتلون من العشائر ضد المدنيين الدروز، وشملت حرق ونهب نحو 35 قرية ذات أغلبية درزية أو مختلطة.
وفي الحصيلة، تؤكد اللجنة أنها تلقت تقارير موثوقة عن مقتل أكثر من 1707 أشخاص، بينهم 1190 رجلًا درزيًا، و99 امرأة، و22 فتى، و31 فتاة، فضلًا عن قتلى من المجتمع البدوي المحلي الأصغر حجمًا، حيث قُتل منه 53 رجلًا و9 نساء و5 فتيان و3 فتيات. وكان معظمهم من المدنيين أو الأفراد الذين لم يشاركوا وقتها في الأعمال العدائية، كما أن ما لا يقل عن 225 من قوات الحكومة لقوا حتفهم، وكثير منهم في غارات جوية إسرائيلية في الفترة من 14 إلى 16 تموز/يوليو في كل من السويداء ودمشق، إلى جانب ضحايا إضافيين من العشائر.
كما لا يزال عشرات الأشخاص في عداد المفقودين، بينهم دروز وبدو وموظفون حكوميون، في وقت ما تزال فيه المحافظة تعيش انقسامًا حادًا، وتوقفًا للحوار السياسي، واستمرارًا للاشتباكات، مع بقاء نحو 155 ألف نازح عاجزين عن العودة إلى منازلهم.
لا يكتفي تقرير اللجنة بتوصيف ما جرى، بل يوجه دعوة واضحة إلى المساءلة الشاملة، واتخاذ ضمانات ملموسة لمنع التكرار، وبناء الثقة بين المجتمعات المحلية، ومكافحة التحريض وخطاب الكراهية، بما في ذلك عبر الإنترنت.
- القدس العربي


























