خلال سنوات الدراسة الابتدائيّة، في ثمانينيّات وتسعينيّات القرن الماضي، كان كثير من طلّاب المدارس يخرجون بانطباع واضح أنّ سوريا لم تعرف تاريخاً حديثاً قبل حافظ الأسد و”حركته التصحيحيّة”. بدا وكأنّ التاريخ السوريّ يقفز على عجل من الأمويّين إلى العبّاسيّين، ثمّ إلى الانتداب الفرنسيّ، قبل أن يستقرّ أخيراً عند “القائد الخالد” وبطولاته في تشرينَي التصحيح والتحرير. حتّى حزب البعث نفسه غابت أسماء مؤسّسيه عن كتب “التربية القوميّة” لأنّ السرديّة الرسميّة لم تكن تتّسع إلّا لاسم واحد يبتلع الدولة والتاريخ معاً.
كان الأمل أن تستعيد سوريا ذاكرتها الحقيقيّة، وأن تراجع أسماء مؤسّساتها العامّة وفق معيار واضح وعادل: إزالة ما ارتبط فعلاً بتمجيد النظام السوريّ، والإبقاء على ما ينتمي إلى الذاكرة الوطنيّة والثقافيّة والعلميّة والاجتماعيّة السوريّة. لكنّ الجدل الدائر اليوم حول تغيير أسماء بعض المدارس يثير انطباعاً مقلقاً: نحن لا نغادر عقليّة الممحاة، بل نبدّل ممحاة قديمة بأخرى جديدة، كأنّها تريد القول إنّه لا تاريخ قبل 8 كانون الأوّل 2024، ولا تاريخ لسوريا قبل نظام آل الأسد.
مسٌّ بالذّاكرة الجماعيّة
في هذا المناخ، برزت قضيّة تغيير أسماء المدارس في عدّة محافظات، بينها دمشق وحلب والرقّة وغيرها، حيث جرى شطب أسماء شخصيّات سياسيّة واجتماعيّة وعسكريّة، واقتراح أسماء بديلة عنها.
في الرقّة على وجه الخصوص، حملت قائمة مقترحة من مديريّة التربية اقتراحات باستبدال أسماء عدد من الشهداء الذين سقطوا في مواجهة القوّات الإسرائيليّة. لكنّ الأكثر إثارة للانتباه كان شطب اسم جواد أنزور من واحدة من أشهر مدارس الرقةّ، واستبداله باسم “اليمان”.
ليس جواد أنزور اسماً عابراً في الذاكرة المحليّة أو الوطنيّة. هو ضابط شركسيّ من أبناء الرقّة، تلقّى تعليمه العسكريّ في الكليّة الحربيّة في إسطنبول، وخدم في صفوف الكتيبة الشركسيّة في بيروت 1923-1936، بعدها عمل مدرّباً في المدرسة العسكريّة في قطنا، وقاد الفوج الشركسيّ لإسقاط حكومة فيشي في دمشق عام 1941، ثمّ تقاعد من الجيش السوري عام 1945 وعاد إلى الرقّة.
اقتراحات التغيير، حين تأتي بهذا التوسّع وبهذا الاستخفاف بالذاكرة، توحي مرّة أخرى بأنّ التاريخ يبدأ مع أصحاب القرار، وأنّ ما سبقهم أقلّ استحقاقاً للبقاء
مع تطوّرات حرب 1948، جرى استدعاؤه مجدّداً، وتروي المصادر المتداولة أنّ الرئيس شكري القوّتلي أرسل سيّارته الخاصّة إلى الرقّة لاستقدامه، فأعاد تنظيم قوّة من مغاوير الفرسان الشركس للمشاركة في القتال.
يرتبط اسم جواد أنزور بمعركة تلّ العزيزيات عام 1948، وهي واحدة من المعارك التي بقيت حاضرة في الذاكرة العسكريّة السوريّة. قاد أنزور كتيبة المغاوير الشركس لاستعادة الموقع بعد تعثّر القوّات السوريّة، وقُتل أثناء الهجوم فجر 18 تموز 1948، قبل أن يتابع الملازم عواد باغ قيادة العمليّة حتّى استعادة التلّ. خسرت كتيبة الفرسان الشركس 85 مقاتلاً في تلك المعركة، وهي واحدة من أكبر الخسائر في حرب الـ48.
وثّق الدكتور عبدالسلام العجيلي سيرة أنزور في كتابه “السيف والتابوت”، وتناولها عدد من الباحثين من الرقّة ومن أبناء الشركس. لذلك اقتراح شطب اسمه لا يبدو تعديلاً إداريّاً، بل مساس باسم ارتبط في الذاكرة المحليّة بمعاني الشجاعة والتضحية.
أبعد من شطب الأسماء
لا تقف المسألة عند جواد أنزور وحده. حين يطاول الجدل أسماء مثل نزار قبّاني وسامي الدروبي ومحمّد كرد عليّ وسعدالله ونّوس وعدنان المالكي، يصبح من حقّ السوريين أن يتساءلوا: هل المطلوب مراجعة رموز ارتبطت فعلاً بالاستبداد أم توسيع الشطب ليطاول أسماء ساهمت في تشكيل المعنى السوريّ نفسه؟
نزار قبّاني ليس شاعراً عابراً في ذاكرة العرب، بل واحد من أكثر الأسماء السوريّة حضوراً في الوجدان العربيّ الحديث. سامي الدروبي ليس مترجماً وحسب، بل أحد الذين فتحوا للثقافة العربيّة نوافذ واسعة على الأدب العالميّ. محمّد كرد عليّ أحد أعمدة الفكر واللغة في سوريا الحديثة. سعدالله ونّوس من أبرز المسرحيّين العرب، وارتبط اسمه عميقاً بأسئلة الحرّية والوعي والخذلان العربيّ. أمّا عدنان المالكي فكان من أبرز الضبّاط السوريّين في تاريخ المؤسّسة العسكريّة، وارتبط اسمه بمرحلة مهمّة من تاريخها.
هنا تتجاوز القضيّة تبديل أسماء على لوحات مدرسيّة. ليست المشكلة في المبدأ المجرّد لتغيير بعض الأسماء، بل في المعيار الذي يحكم هذا التغيير. الخلط بين أسماء ارتبطت بالسلطة وأسماء تمثّل الثقافة والبطولة والمعرفة خطأ تربويّ وأخلاقيّ قبل أن يكون خطأ إداريّاً. ليست المدرسة مبنى فقط، واسمها ليس تفصيلاً شكليّاً، بل جزء من الذاكرة الوطنيّة التي يتعرّف من خلالها الطالب إلى بلده ورموزه.
الأخطر أنّ اقتراحات التغيير، حين تأتي بهذا التوسّع وبهذا الاستخفاف بالذاكرة، توحي مرّة أخرى بأنّ التاريخ يبدأ مع أصحاب القرار، وأنّ ما سبقهم أقلّ استحقاقاً للبقاء. هذا بالضبط ما تحتاج سوريا إلى تجاوزه، لا إلى تكراره. ما تحتاج إليه البلاد ليس محواً جديداً للذاكرة، بل معايير عادلة تحفظ ما هو وطنيّ وثقافيّ وجامع لأنّ شطب هذه الأسماء لا يغيّر لوحات المدارس فقط، بل ينتزع شيئاً من ذاكرة سوريا نفسها.
- أساس ميديا



























