يعكس مقتل مهندس في السويداء، جنوب سورية، مجدداً حالة الاضطراب الأمني التي تعيشها المحافظة ذات الغالبية الدرزية، في ظل أوضاع استثنائية وقطيعة مستمرة مع العاصمة دمشق منذ يوليو/ تموز من العام الفائت، عقب أحداث دامية وانتهاكات واسعة بحق المدنيين. وقالت شبكات إخبارية محلية إن المهندس منير نجيب البحري (63 عاماً) قتل صباح الثلاثاء بعد تعرضه لإطلاق نار في حي الدبيسي وسط مدينة السويداء أثناء محاولة اختطافه، ما أدى إلى وفاته على الفور في المكان.
وبينت شبكة “السويداء 24” الإخبارية أن القتيل “كان من الوجوه المعارضة البارزة للشيخ حكمت الهجري وقوات “الحرس الوطني” في محافظة السويداء، ويعد أحد المشاركين الأوائل في الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت عام 2011 ضد نظام بشار الأسد السابق”.
وجاء الحادث بعد يوم واحد من وعيد أطلقه حكمت الهجري، أحد شيوخ العقل في المحافظة والمتحكم الفعلي بالقرار، تجاه معارضيه، وزعم أنه “ليس لهم مكان في المنطقة”، داعياً إياهم إلى الخروج دون رجعة.
وتعليقاً على الحادث، ذكر أحد النشطاء السياسيين في السويداء (فضّل عدم ذكر اسمه لوجود مخاطر أمنية)، لـ”العربي الجديد”، أنه “لم تتضح بعد الأبعاد الكاملة للجريمة”. وأشار إلى أنه “لم تُعرف بعد أسباب القتل أو الجهة التي تقف وراء الجريمة”، مشيراً إلى أن “المغدور من عائلة ثرية، لذا ربما تكون الجريمة جنائية متعلقة بالسرقة فقط”، مضيفاً أن “المغدور كان ذا سمعة حسنة في المحافظة”. وبرأيه، يندرج الحادث في سياق “الفوضى المنتشرة في المحافظة وغياب القانون والمحاسبة”، مضيفاً: “لكن لم تصل الأمور في السويداء إلى حد الفلتان الأمني”.
وفي السياق، قال ريان معروف، مدير منصة “السويداء برس”، في حديث مع “العربي الجديد”، إن “الجريمة غامضة ومفاجئة”، مضيفاً أن البحري “كان مهندساً مدنياً ينحدر من أسرة غنية مادياً من بلدة رساس، ويقيم في مدينة السويداء، ومعروف في الأوساط الاجتماعية المحلية بأخلاقه العالية واتزانه”. وأكد معروف أن “القتيل كان بعيداً عن الشؤون السياسية، ولم يرد اسمه في أي نشاط سياسي معلن”، مشيراً إلى أن “المعلومات التي تناقلتها وسائل الإعلام الموالية للحكومة السورية عن أنه كان معارضاً بارزاً للهجري والحرس الوطني معلومات مضللة”، مضيفاً: “أكد لنا شقيقه أنه كان بعيداً عن الشأن السياسي”. وأشار معروف إلى أن “هناك تحقيقات تجريها الجهات الأمنية المحلية حول ملابسات الجريمة”، مضيفاً أن “عائلة المغدور مفجوعة بالحادثة، ولم يصدر عنها حتى اللحظة سوى إعلان الوفاة”.
من جانبه، اعتبر الناشط السياسي أدهم مسعود القاق، في حديث مع “العربي الجديد”، الجريمة التي حدثت بحق المهندس البحري “اغتيالاً”، مشيراً إلى أن القتيل “من عائلة ثرية وقد عُرف بموقفه الوطني بمواجهة تيار فاسد يعمل لمصلحة بضعة أشخاص تاجروا بدماء الناس وأموالهم وصنعوا الكبتاغون وباعوه للشباب ويتعاملون مع العدو الصهيوني”.
وتابع القاق: “بقاء هذا الفلتان الأمني في السويداء ومكابرة بعض المتنفذين والتحكم بمصير أبنائها ستزيد من هذه الجرائم التي يندى لها الجبين”. وطالب “الحكومة الانتقالية” في دمشق بـ”الإسراع في احتكار السلاح وبسط سيطرة الجيش السوري الحديث على كامل تراب سورية، وعدم انتظار إشارات من الخارج القريب والبعيد”، مضيفاً: “يجب أن تتحمل هذه الحكومة مسؤولية حماية الناس أينما وجدوا”.
ويخيّم اضطراب على المشهد العام برمته في محافظة السويداء، التي بدأت قطيعة مع العاصمة دمشق منذ يوليو/ تموز العام الفائت، بعد أحداث دامية وانتهاكات واسعة بحق المدنيين على خلفية تدخل الجيش السوري لإيقاف احتراب داخلي ما بين الدروز وعشائر بدوية، أدى إلى مقتل وتهجير الآلاف من سكان المحافظة، سواء من الدروز أو البدو.
ويحكم الشيخ الهجري اليوم محافظة السويداء من خلال ما يُعرف بـ”الحرس الوطني”، وهو نتاج اندماج عدة فصائل محلية، رافضاً كل الحلول السياسية التي طُرحت من أجل جسر الهوة الكبيرة مع الحكومة في دمشق، ومنها تفاهم إقليمي وضع في العاصمة الأردنية في سبتمبر/ أيلول الفائت بمباركة أميركية، دعا إلى تحقيق في أحداث يوليو ومحاسبة المتهمين بارتكاب انتهاكات وجرائم، وإيصال كميات كافية من المساعدات الإنسانية والطبية للمحافظة.
ويدعو الهجري إلى فصل محافظة السويداء عن سورية، أو على الأقل فرض إقليم حكم ذاتي يحمل صبغة طائفية في جغرافية محدودة الموارد. وقال في بيان له أواخر مارس الفائت إنه متمسك بـ”حق تقرير المصير” وفق القوانين الدولية، والاعتماد على “القوة الذاتية ودعم الحلفاء”، وعلى رأسهم إسرائيل، لبناء مستقبل “آمن ومستقر”. وكان الهجري قد قال مطلع العام الجاري لصحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية: “نحن نرى أنفسنا جزءاً لا يتجزأ من منظومة وجود دولة إسرائيل، بوصفنا ذراعاً نسجت تحالفاً مع إسرائيل”.
- العربي الجديد


























