في كل ثورة لحظةٌ فارقة لا تقل حساسية عن لحظة اندلاعها، فعند سقوط النظام الذي قامت الثورة لإسقاطه، لا تنتهي المعركة، بل تبدأ مرحلة أشد تعقيدا، وهي مرحلة إدارة النصر، عندها يتحرك أزلام العهد البائد لتغيير مواقعهم، وتبدأ محاولات الردّة بأشكال جديدة وأساليب أكثر دهاء.
فالردة لا تأتي دائما على هيئة انقلاب صريح، بل قد تتسلل من داخل صفوف القوى السياسية ذاتها، عبر خلافات تُدار بسوء نية، أو حسابات ضيقة. وقد تنبع من فلول النظام السابق، ممن ما زالوا يتمركزون داخل مؤسسات الدولة أو يتحركون في محيطها، وتتمثل في حملات كراهية منظمة، وبث للشائعات، وتحريضٍ ممنهج، وتحشيد جهوي وطائفي وعرقي، يُراد منه تمزيق النسيج الوطني وإرباك المشهد العام.
مثل هذه المحاولات لا يجدي معها التراجع، أو دفن الرؤوس في الرمال، ولا يصلح في مواجهتها خطاب المجاملة أو الصمت المتواطئ، بل ينبغي أن تكون جرس إنذار يدفع إلى إعادة تنظيم الصفوف، واستنهاض الطاقات، وبلورة اصطفاف وطني واضح المعالم، قادر على التصدي لما يُحاك في الظل وإفشاله قبل أن يتحول إلى واقع مفروض.
ذاكرة الدم… ومحاولة الالتفاف عليها؟
يتوهم أعداء الثورة أن بإمكانهم الالتفاف على تضحيات السوريين، أو إنهاكهم حتى القبول بالأمر الواقع، أو إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. غير أن الشعب الذي دفع ثمنا باهظا في سبيل حريته لا يُخدع بسهولة، ولا يُستدرج إلى الاستسلام، فقد خاض الشعب الثائر، في سبيل الخلاص من نظام الأسد، بحرا من الدماء والدموع والجراح. لم تكن تلك التضحيات عبثا، ولم تكن الثورة نزهة عابرة في تاريخ البلاد، بل كانت صرخة وجود وكرامة في وجه الاستبداد. وما تزال الجراح مفتوحة، وما تزال العدالة خجولة لإنصاف الضحايا وذويهم، لذلك فإن أي محاولة لإعادة إنتاج الطغيان، بأسماء جديدة، أو وجوه مموّهة، لن تكون سوى استفزاز لذاكرة الألم، واعتداء على حق السوريين في العدالة وبناء دولة تليق بتضحياتهم.
ما هي الردّة الثورية؟
الثورة عمل سياسي معقد. والتعامل مع أزلام النظام البائد يجب أن يكون مؤسسيا لا انفعاليا، فلا إقصاء شامل يفتح أبواب الثأر، ولا عفو مطلق يهدر الحقوق
الردّة الثورية ليست بالضرورة انقلابا مباشرا على الثورة، بل قد تتجلى في تسلل ذهنية النظام البائد إلى البنية الجديدة للدولة، يحدث ذلك حين تُستبدل الأسماء ولا تُستبدل القواعد، أو حين يُعاد تدوير من كانوا في صف النظام السابق على اختلاف درجاتهم الوظيفية، من دون مراجعة حقيقية لمسؤولياتهم وممارساتهم والانتهاكات التي ارتكبها بعضهم. وقد تظهر الردّة في تراجع بعض الثوار أنفسهم عن مبادئ العدالة والحرية، تحت ضغط السلطة، أو إغراء التسويات السياسية والمناصب، فالأنظمة المستبدة لا تسقط دفعة واحدة، بل تتفكك تدريجيا، وتترك خلفها شبكات نفوذ وأجهزة مترابطة قادرة على إعادة التموضع. بعد سقوط النظام وفرار رأسه، أعلن بعض المسؤولين السابقين ولأسباب متباينة أن قناعاتهم كانت متأخرة بعدالة التغيير، داعين إلى قراءة واقعية لموازين القوى، غير أن التمييز بين مراجعة صادقة ومحاولة التفاف انتهازية ليس مهمة عاطفية، بل قانونية وسياسية بامتياز.
دروس من التجارب الدولية
بعد سقوط جدار برلين عام 1989 وانهيار نظام ألمانيا الشرقية، واجهت الدولة الموحدة معضلة التعامل مع كوادر الحزب الاشتراكي وأجهزة الأمن، وعلى رأسها جهاز الشتازي، لم تعتمد ألمانيا سياسة تطهير شامل، لكنها لم تمنح عفوا مطلقا، حيث تم فتح أرشيف جهاز الأمن أمام المواطنين لكشف الحقيقة. إخضاع المتورطين في الانتهاكات لمحاكمات محددة. منع بعض القيادات الأمنية من تولي مناصب عامة. كانت المعادلة واضحة: كشف الحقيقة أولا، ثم محاسبة من تورط، ثم دمج من لم تتلطخ أيديهم بانتهاكات جسيمة. هكذا جرى تفكيك النظام، من دون تفكيك الدولة. أما في جنوب افريقيا، بعد نهاية نظام الفصل العنصري، فقد اختارت جنوب افريقيا نموذج «لجنة الحقيقة والمصالحة»، حيث لم يكن العفو مجانيا، بل مشروطا بالاعتراف الكامل بالانتهاكات أمام الرأي العام، وهذا النموذج لم يُلغِ الألم، لكنه منع انزلاق البلاد إلى حرب أهلية، وأسس لفكرة أن العدالة قد تأخذ شكلا ترميميا لا انتقاميا. في المقابل، أدت سياسة «اجتثاث البعث» في العراق بعد عام 2003 إلى إقصاء آلاف الموظفين، من دون تمييز دقيق بين من تورط في جرائم ومن كان جزءا إداريا من الدولة. وقد ساهم هذا النهج في خلق فراغ مؤسسي وأزمات سياسية وأمنية ما تزال آثارها مستمرة، وهنا يتضح أن الإقصاء الشامل قد يهدم مؤسسات الدولة، بدل إصلاحها.
بين العفو والعدالة: أين يقف الثوار؟
التسامح السياسي لا يعني طي الصفحة، من دون قراءة، كما أن المحاسبة لا تعني الانتقام، التجارب المقارنة تشير إلى ثلاثة مبادئ أساسية: المساءلة فردية لا جماعية: لا يُحاسب الناس بالانتماء، بل بالفعل. كشف الحقيقة شرط للمصالحة، منع إعادة إنتاج أدوات الاستبداد داخل النظام الجديد. فالثورة التي تتحول إلى عملية تطهير عشوائي قد تقع في منطق الإقصاء ذاته الذي ثارت عليه. والثورة التي تفتح أبوابها بلا شروط قد تفرغ نفسها من مضمونها الأخلاقي، فالخطر الحقيقي يكمن في تغيير الوجوه لا القواعد، والمعيار ليس الماضي وحده، بل السلوك الحالي، والالتزام الفعلي بسيادة القانون، والقبول بالمحاسبة، واحترام قواعد الدولة المدنية.
لماذا تحدث الردّة الثورية؟
الردّة ليست قدرا محتوما، لكنها غالبا نتيجة خلل في إدارة المرحلة الانتقالية. ومن أبرز أسبابها: غياب الرؤية المؤسسية: فحين تسقط السلطة من دون خطة واضحة، يملأ الفراغ أصحاب الشبكات القديمة. ضعف البنية التنظيمية للثوار: إسقاط النظام لا يعني امتلاك أدوات الحكم. تغليب المصالح على المبادئ: تسويات سريعة على حساب أهداف الثورة. التدخلات الخارجية: دعم شخصيات من النظام السابق بحجة الخبرة أو الاستقرار. غياب المساءلة المبكرة: كلما تأخرت المحاسبة، ترسخت شبكات النفوذ القديمة.
كيف نمنع الردّة ونؤسس لعدالة انتقالية حقيقية؟
إطار قانوني واضح ينظم المحاسبة وجبر الضرر وكشف الحقيقة. التفريق بين المستويات: التمييز بين مرتكبي الانتهاكات الجسيمة، ومن لم يتورطوا مباشرة. الشفافية وفتح الأرشيفات لتعزيز الثقة المجتمعية. مشاركة الضحايا في صياغة مسار العدالة. ضمانات عدم التكرار عبر إصلاح الأجهزة الأمنية وتعزيز استقلال القضاء. خطاب سياسي جامع يؤكد أن العدالة تحمي المستقبل ولا تنتقم من الماضي.
الثورة اختبار أخلاقي مستمر
يقاس نضج الثورات بقدرتها على إدارة الماضي من دون أن تُستعبد له، وبقدرتها على تحويل الغضب إلى عدالة لا إلى ثأر. قبول بعض المنشقين ليس ضعفا إذا كان ضمن إطار قانوني واضح، ورفضهم جميعا ليس قوة إذا كان بدافع الانتقام. فالعدالة الانتقالية ليست تنازلا عن المبادئ، بل الوسيلة الوحيدة لحمايتها من الردّة. لأن الردّة لا تنشأ فجأة، كما أن العدالة لا تُطبق تلقائيا؛ كلاهما نتاج شروط سياسية واجتماعية معقدة.
المعادلة الدقيقة هي: عدالة بلا انتقام، ومصالحة بلا إنكار
الثورة ليست فعلا أخلاقيا مجردا، بل عمل سياسي معقد. والتعامل مع أزلام النظام البائد يجب أن يكون مؤسسيا لا انفعاليا، فلا إقصاء شامل يفتح أبواب الثأر، ولا عفو مطلق يهدر الحقوق. إن نجاح أي ثورة يُقاس بقدرتها على تحويل الغضب إلى عدالة، والقطيعة إلى تأسيس جديد، من دون أن تفقد بوصلتها الأخلاقية أو تسقط في فخ إعادة إنتاج ما ثارت عليه.
كاتب سوري
- القدس العربي


























