يعدّ توقيف أمجد يوسف، أحد المنفّذين لمجزرة التضامن، خطوة مهمة في مسار السعي نحو العدالة الانتقالية في سوريا، حيث لا تزال جروح هذه المجزرة وغيرها مفتوحة منذ أكثر من عقد. فمجزرة التضامن كانت واحدة من أفظع الجرائم التي ارتكبتها قوات الأسد المخلوع. فظاعة هذه الجريمة تتجلى في أن الجناة أنفسهم قاموا بتوثيق تفاصيلها بالصوت والصورة. هذا التوثيق المتعمّد يكشف عن مستوىً غير مسبوق من القسوة، وعن ثقة كاملة لدى المنفّذين بأنهم بمنأىً عن أيَّة مساءلة.
وقد بدا المشهد صادماً ومروعاً بعد نشر تحقيق صحيفة الغارديان في العام 2022 وتسريب أحد مقاطع الفيديو عن مجزرة “حفرة التضامن”، مشاهد قاسية لرجال يتم قتلهم بوحشية في سياق عنف منظّم، كشف عن بنية كاملة من الوحشية الممنهجة، وعن شبكة من المجرمين الذين تحركوا بثقة مطلقة بأن أحداً لن يحاسبهم. هذا التسجيل لم يكن مجرد دليل بصري فقط، بل وثيقة تُظهر كيف جرى تنفيذ الجريمة ضمن منظومة تعمل بلا رادع. وجاء توقيف أحد المنفّذين الرئيسيين لهذه المجزرة ليفتح باباً ظلّ مغلقاً طويلاً أمام الضحايا وعائلاتهم، ويعيد طرح أسئلة العدالة والمساءلة على نحو لا يمكن تجاهله.
تكمن أهمية هذا التوقيف في أنه كسر سردية الإنكار التي اعتمدها النظام السوري لسنوات، إذ كان يصرّ على نفي كل ما نُشر واعتباره مجرد “فبركات إعلامية”، رغم أن تحقيق صحيفة الغارديان أثبت أن المقاطع المسربة حقيقية وأصلية، وأن المجزرة حدثت فعلاً، وأن الأشخاص الظاهرين فيها ليسوا خيالاً. وجاء توقيف أمجد يوسف ليؤكد بصورة قاطعة أن المجزرة وقعت بالفعل، وأنها جريمة موثّقة بالصوت والصورة لا يمكن إنكارها أو الالتفاف عليها.
هذا التوقيف يطرح سؤالاً مهماً: لماذا وثّق الجناة جريمتهم بالصوت والصورة؟ فالمجرمون عادة ما يطمسون أدلة جرائمهم. وإن قيامهم بالتوثيق يثير تساؤلات حول الدوافع والجهات التي تقف خلف هذا السلوك الذي لا يصدر إلا ضمن سياق عمل منظّم، وموجّه من جهات عليا تريد التأكد من أن أوامرها يتم تنفيذها، وربما أيضاً للاحتفاظ بها لاستخدامها للمتابعة والسيطرة داخل المنظومة الأمنية نفسها. وهذا يعني أن السؤال لم يعد من نفّذ فقط؟ بل أصبح من أمر؟ ومن أشرف؟ ومن شاهد المقاطع؟ ومن احتفظ بها؟ فالتوثيق هنا دليل على وجود هيكلية كاملة تقف خلف الجريمة.
كما يفتح هذا التوقيف أسئلة مؤلمة تتعلق بهوية الضحايا الذين ظهروا في تلك المقاطع. ما أسماؤهم وأعمارهم وحكاياتهم، ومن تركوا وراءهم؟ لقد عرف السوريون بعض الجناة، لكنهم ما زالوا يجهلون هوية الضحايا. وهذا هو جزء من الظلم نفسه. فالعدالة لا تكتمل إلاعندما يتم التعرف على أسماء الضحايا، وإعادة الاعتبار لكل ضحية ظهرت في تلك التسجيلات.
وإلى جانب ذلك، يبرز بُعد آخر في أن هذا التوقيف يذكر أهالي الضحايا بأن العالم لم ينسَ أبناءهم، وأن مسار العدالة مهما طال يمكن أن يتحرك. فالعدالة في الحالة السورية هي مسار طويل ومعقّد، لكن كل مسار يبدأ بلحظة، وهذه اللحظة هي توقيف الشخص الذي ظهر صوتا وصورة وهو يشارك في تنفيذ الجريمة. إنها إشارة واضحة إلى أن الإفلات من العقاب بات صعباً، وأن المساءلة يمكن أن تطال كل من تورّط في مثل هذه الجرائم.
ولم يكن لهذا الإنجاز أن يتحقق لولا العمل الاستثنائي الذي قامت به الباحثة السورية انتصار شحود، إلى جانب زملائها حازم العبدالله ودمر سليمان ومهند أبو الحسن وأوغور أونغور، الذين قادوا تحقيقاً رقمياً دقيقاً استمر لسنوات، استخدمت فيه شحود هوية مزيفة للتواصل مع نحو مئتي شخص من داخل شبكات الميليشيات والأجهزة الأمنية التابعة لنظام الأسد. وكان لأحد أبناء مصياف دوراً حاسماً في الكشف عن المجازر المرتكبة في حي التضامن، عندما طلب منه “أمجد يوسف” إصلاح حاسوبه بوصفه تقني كومبيوتر. وخلال عملية الإصلاح اكتشف هذا الشخص مقاطع الفيديو التي توثّق المجازر، فصُدم لهول ما شاهده، وقام على الفور بنسخها وإرسالها إلى انتصار شحود التي واجهت “أمجد يوسف” مباشرة بلقطات من مقاطع الفيديو وسجّلت اعترافاته، ثم سلّمت كل الأدلة التي بحوزتها للشرطة الجنائية في ألمانيا وهولندا.
وهكذا انتقلت المقاطع المسربة من يد المسرّب إلى الباحثة، ثم إلى الشرطة الجنائية في ألمانيا وهولندا، قبل أن تُعرض لاحقًا في قاعة المحكمة في هامبورغ خلال محاكمة المتهم أحمد حمروني، الملقب بـِ “أبي حيدر التركس”، بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في حي التضامن. وخلال الجلسات استمعت المحكمة إلى شهادة الباحثة السورية أنصار شحود حول عملها البحثي والفيديوهات التي حصلت عليها، واعتبرت المحكمة أن ما قامت به شحود يشكل عنصراً محورياً في القضية المنظورة واستندت إليه في تقييم الأدلة وإصدار حكمها بسجن “حمروني” عشر سنوات.
هذه المحاكمة تعد خطوة مفصلية في مسار توثيق مجزرة التضامن قضائياً، إذ باتت الجريمة جزءاً من سجلّ قضائي رسمي خارج سوريا، مع ما يعنيه ذلك من إمكان البناء عليه في أي مسار قضائي لاحق. فالمواد التي عُرضت في محكمة هامبورغ من مفاطع فيديو وشهادات وتحقيقات رقمية، أصبحت اليوم جزءاً من ملف قضائي مكتمل الأركان يمكن الاستفادة منه.
وهذه فرصة ثمينة ينبغي أن تستغلّها الحكومة السورية، وتبادر اليوم قبل الغد إلى الاتصال بالسلطات الألمانية وطلب نسخة كاملة من ملف القضية، بما يتضمنه من مقاطع الفيديو الـ27 والتحقيقات والشهادات التي يمكن أن تشكّل أساساً لأي محاكمة جدّية وعادلة لأمجد يوسف ولغيره من المتورّطين في المجازر التي ارتُكبت في حيّ التضامن. فالاستفادة من هذا الملف ليست فقط إجراءً تقنياً، إنما هي أيضاً مسؤولية أخلاقية وقانونية تجاه الضحايا وتجاه الحقيقة، ومسؤولية تجاه مجتمع أنهكته سنواتٌ من الإنكار والإفلات من العقاب.
- المدن

























